يقول خبراء الادارة وخبراء الاتصالات: تستطيع العمل الآن من منزلك, فقد لا يطلب منك صاحب العمل الذهاب الى مقر الشركة أو الهيئة.. فقط, عليك أن تنجز ما هو مطلوب منك في منزلك.. وترسله بالكمبيوتر. الشئ نفسه في عقد الصفقات فالتجارة الالكترونية باتت شيئا معتمدا والتعامل مع شاشات البورصة من نيويورك الى سنغافورة أو طوكيو أو هونج كونج يتم في لحظات! وعلى نفس المنوال يأتي التعلم عن بعد, حيث تستطيع الحصول على شهادة جامعية, كما تستطيع استدعاء أستاذ المادة.. بالريموت كنترول وأنت جالس في المنزل, ودون أن تدخل باب الجامعة إلا مرة كل عام! هو الانقلاب.. ولكن ماذا نأخذ منه في الوطن العربي؟ هناك الآن مشروعان لانشاء جامعات تتبع أسلوب (التعليم عن بعد).. هي جامعات مفتوحة ينضم لها من يشاء ثم يؤدي الامتحان ويحصل على شهادة جامعية.. والمشروعان أحدهما عربي مشترك, والآخر مشروع مصري خالص. في مصر, وفي اجتماع أخير بين الرئيس مبارك وأساتذة الجامعات أثيرت القضية وأجيزت الفكرة من حيث المبدأ, وبات السؤال: وما هي جدوى ذلك. هل تكون الجامعة المفتوحة والتعليم عن بعد وأساتذة الريموت كنترول حلا لمشكلة التعليم وسوق العمل في مصر.. أم تكون عبئا عليها وتكديسا لخريجين بلا عمل؟ ومشكلة التعليم في مصر, والذي عرف الجامعات منذ نحو قرن من الزمان هي: الأعداد الكبيرة والامكانيات المحدودة. في مصر نحو 17 مليون طالب .. أي ما يزيد على 25% من السكان. وفي مصر يتجه للجامعات كل عام نحو ثلث المليون ممن أتموا دراستهم الثانوية ويرغبون في تعليم عال محكوم بما يمكن أن نسميه سلوك الفرصة المحدودة.. فتزايد الأعداد جعل القبول بكثير من الكليات بدرجات شبه نهائية.. أي أنها فوق الـ95% والأعداد الكبيرة جعلت فرصة التحصيل أقل والعلاقة بين الطالب والأستاذ علاقة متراجعة.. بل جعلت البحث العلمي أيضا, وهو جزء من التعليم الجامعي ذا دور محدود, ومن ثم بات التلقين والحفظ وليس الفهم والبحث أساس تكوين عقلية الطالب, مما ترك بصماته على مستوى الخريجين. صحيح أنه وسط الأعداد الكبيرة لابد من نبوغ يظهر ومستوى اداء يحتفظ به البعض, ولكن هناك مشكلة على أي حال فالطلبة أكثر من طاقة الجامعات, والخريجون أكثر من طاقة سوق العمل, وسوق العمل الخارجي تتراجع. ومن هنا جاءت فكرة الجامعات الخاصة والتي باتت للقادرين فقط وباتت تستقبل فائض الجامعات الحكومية ومن هنا جاءت دراسات تقول إن التعليم الجامعي كله بات طبقيا فالأكثر قدرة هو الذي يجد سبيله لتحصيل أكثر ولدروس خصوصية ولمجموع درجات تؤهله لدخول الجامعة.. وانفاق يساعده على التحصيل في الجامعات.. هناك إذن ورغم جهود التطوير مشكلة قائمة, فماذا يضيف التعليم عن بعد؟ وقد يكون هذا النمط صالحا في مصر أو في البلاد العربية بالنسبة لست البيت التي تمنع ظروفها من التوجه الى الجامعة.. وقد يكون مناسبا لموظف يريد أن يستكمل دراسته.. ولكن هل هي ذات فائدة لطالب حديث ومتفرغ .. أم أن البيئة الجامعية شئ آخر ذو ناتج ايجابي في كل الأحوال؟.. وهل تقوم فكرة الجامعة وفكرة التعليم بشكل عام على مجموعة معارف يتم تلقينها.. أم تقوم على مجموعة مهارات يكتسبها الشخص من خلال الحوار والبحث والسؤال والجواب والمعمل الذي يجري فيه التجارب.. علمية أو لغوية؟ أخشى القول بأننا نختزل فكرة التعليم ونخرج بها عن سياقها.. بل إننا نخلق (جامعات السندوتش) وعلى طريقة محلات (التيك أواي).. وأخشى أن أدين التجربة كلها سواء تمت على نطاق عربي أو مصري فقط. في نطاق مصر فإنني أظن أن سؤالا رئيسيا يطرح نفسه: هل تحتاج مصر لمزيد من الخريجين بعد أن سجلت أرقام البطالة أن معظم المتعطلين جامعيون؟.. وهل تنقلنا هذه التجربة وغيرها من مرحلة (التعليم لاشباع حاجات سوق العمل) لمرحلة (العلم للعلم)؟ ربما تكون الاجابة نعم, ورغم ذلك فقد تنشأ الجامعة عربيا ومصريا فإذا كان لديك خمسة أبناء فسوف تفتح لهم فصلا دراسيا داخل بيتك.. وكل جديد وأنتم طيبون.