مما لاشك فيه ان قضية الديمقراطية تعد احدى ابرز القضايا التي حظيت باهتمام كافة الدول في العالم, المتقدم منها والنامي, وخاصة في اعقاب التحولات التي شهدها المجتمع الدولي مع انهيار المعسكر الاشتراكي. ويرى الخبراء ان مفهوم الديمقراطية اضحى اكثر تكاملا عن ذي قبل فقد تخطى اطاره التقليدي كوسيلة مثلى لتنظيم المجتمع السياسي وتجاوز حدود الانحسار في ظاهرة الانتخابات ليتخذ اشكالا وممارسات اخرى عديدة. ومع التسليم بوجود انماط عديدة للممارسات الديمقراطية التي تعد انعكاسا لقيم المجتمع ومراحل تطوره, الا ان الديمقراطية الصحيحة هي التي تجد نفسها في الشكل المؤسسي الذي يتيح قنوات اتصال عديدة بين النخب الحاكمة والقاعدة العريضة من الشعب. ويرى المركز الدبلوماسي للدراسات الاستراتيجية في الكويت الذي قدم هذه الدراسة ان دول الخليج لم تكن بعيدة عن التحولات الديمقراطية فهي ان كانت ـ لم تعرف ظهور المؤسسات التشريعية كاحد اشكال التطور الديمقراطي الا حديثا ـ الا ان ذلك ليس مدعاة للقول بانها لم تعرف اشكال وممارسات الديمقراطية عبر تطورها السياسي والاقتصادي والاجتماعي. ينبع التطور الديمقراطي في الخليج من الواقع والقيم المستمدة سواء من الشريعة الاسلامية ام التراث, فقد عرفت, وفق الدراسة, تلك الدولة (الديمقراطية المباشرة) والتي تتجلى ابرز سماتها في قيام قادة دول مجلس التعاون الخليجي بجولات سنوية في محافظات ودويلات بلادهم للتعرف على طبيعة المشكلات التي يعاني منها ابناء المجتمع والسعي لحلها دونما اللجوء الى اجتماعات ولجان وغيرها من الاجراءات. كيف تطورت الديمقراطية في دول مجلس التعاون الخليجي وماهي خصوصية هذه التجربة؟ اعداد ـ المركز الدبلوماسي للدراسات الاستراتيجية بالكويت: يسوق الخبراء ادلة كثيرة على خصوصية التجارب الخليجية في التحول الديمقراطي واهمها ما يتعلق بالمطالبات بالمزيد من المشاركة السياسية التي لم تتجاوز الى التشكيك في شرعية الانظمة الحاكمة او مناوأتها من خلال مظاهر الحرية غير المسئولة والتي شهدتها بلدان عديدة وكانت بداية لفنائها, وتوصف هذه المطالب بانها نتاج للتطورات التي شهدتها المجتمعات الخليجية داخليا وخارجيا. وتذكر الدراسات ان النخب الحاكمة في الخليج لا تزال تعي جيدا ان ايجاد اطر جديدة للممارسة الديمقراطية فضلا عن تطوير الاطر القائمة يعد المدخل الحقيقي لتمكينها من مواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين سواء على المستويين الداخلي أو الخارجي. وقبل الدخول في تفاصيل تطور الديمقراطية الخليجية ينبغي القاء نظرة سريعة وعامة حول الديمقراطية, فهي قضية ستظل على مستوى النظم السياسية في العالم, سواء المتقدمة منها والنامية ـ من ابرز القضايا الحيوية التي تطرح نفسها بالحاح ويثير تطورها جدالا كثيرا ونحن في بدايات قرن جديد. فالتحول نحو الديمقراطية في الحكم بات يشكل احدى الموجات الكبرى التي يشهدها العالم المعاصر والتي بدأت تتبلور منذ منتصف السبعينيات والثمانينيات حتى تأكدت ملامحها في التسعينيات, فبعد انتهاء فترة الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفييتي وما تلاه من تداعيات عديدة منها ظهور الولايات المتحدة الامريكية كقوة عظمى منفردة اصبحت تقود العالم في شتى المجالات, ومنذ ذلك التاريخ سادت العالم موجة من الانفتاح الديمقراطي بشكل عام والدول العربية على وجه الخصوص, حيث جرت انتخابات نيابية في عدد من الدول العربية مثل المغرب والاردن والجزائر. وقد اسهمت عوامل عدة في الاسراع نحو هذا الاتجاه بعضها يتعلق بعمليات الاصلاح الاقتصادي وما استتبعها من اعادة توزيع الثروة والدخل وظهور تعددية في القوى الاقتصادية التي تسهم بدورها في خلق الركائز الاساسية للتعددية السياسية في المجتمع, وبعضها يتعلق بتطور السياق الاجتماعي الذي يوازي عمليات الاصلاح الاولى, حيث كان التوسع في التعليم والتنمية الاجتماعية بشكل عام دافعا لزيادة المطالب الخاصة بتوسيع قاعدة المشاركة السياسية وفتح القنوات امام الفئات الوسطى من المجتمع للتعبير عن نفسها من خلال المؤسسات السياسية وآلياتها المختلفة. هذه التحولات الهائلة التي يشهدها العالم هي التي اطلق عليها عالم السياسة الامريكية المعروف صموئيل هانتجتون (الموجة الثالثة للديمقراطية) في كتابه الصادر عام 1991 تحت عنوان (الموجه الثالثة للتحول الديمقراطي في اواخر القرن العشرين) . ويعرف هانتجتون الموجة الثالثة للديمقراطية بانها مجموعة من التحولات التي تشكل مراحل انتقالية مختلفة للانتقال من النظم غير الديمقراطية الى الديمقراطية التي عدلت في حجمها بل وزادت عن التحولات في الاتجاه المعاكس, اما كونها موجة ثالثة فذلك على اعتبار انها تشكل موجة جديدة بعد موجتين متشابهتين سابقتين عليها. الاولى كانت في الفترة من 1828 الى 1926, والثانية من 1943 الى 1946 الا ان كلتا الموجتين انتهتا بما يسميه هانتجتون بـ (موجة معاكسة) لانهيار الديمقراطية, اولاهما سادت في الفترة من 1922 ـ 1942 وثانيهما من 1961 الى 1975 حيث عرفت كل من هاتين الفترتين تراجعا للعديد من النظم التي شهدت تحولا ديمقراطيا وانتكاسات في تجاربها اثرت على الحريات السياسية وحقوق الانسان والسلام. وفي هذا السياق تثار قضايا عديدة تتعلق بمستقبل الموجه الثالثة للديمقراطية منها تساؤل رئيسي مفاده: هل يمكن ان تنتهي هذه الموجة بالردة بظهور موجة معاكسة لها كما حدث في السابق؟ ام انها ستكون على العكس مرتكزا للدفع نحو مزيد من التطور الديمقراطي مستقبلا؟ ويشير الدارسون ان احدى اهم الركائز التي تقوم عليها اي تجربة ديمقراطية تظل متعلقة بالبنية التنظيمية والمؤسسية للدولة, اي تلك البيئة التي تسمح بتحقيق الديمقراطية على مستوى الممارسة وتجسيدها في الواقع العملي, فهذا البعد يعد من اكثر الابعاد الحيوية واللازمة لعملية التحول الديمقراطي, والمقصود بالمؤسسة, وجود قواعد متعارف عليها تقوم على الكفاءة وحسن الاداء واحترام النظام, تحكم عمل التنظيمات المختلفة, وتعلي من قدر المصلحة العامة في مواجهة المصالح الشخصية او الاهتمامات والولاءات الضيقة للافراد وللمؤسسة. المجتمع الخليجي والمطالب الديمقراطية كان للريع النفطي تأثير بالغ على العلاقة بين الدولة ومجتمعها وعلى ديناميات العملية السياسية برمتها في منطقة الخليج, فقد ادى حصول الدولة على الريع النفطي الى تحررها من الاعتماد على مصادر الانتاج المحلية من اجل عائداتها ومنحها درجة عالية من الاستقلال الاقتصادي والسياسي عن القوى المحلية المنتجة والفئات الاجتماعية وجعل النظام الاقتصادي والاجتماعي باكمله يعتمد على انفاق الحكومة. كما اعطى هذا الريع الدولة القدرة على بناء اجهزة بيروقراطية لتوزيع المنافع على المجتمع والسيطرة على النشاط السياسي, واصبحت الدولة اكثر قوة في مواجهة المنافسين المحتملين بالداخل, وبذلك غدت الدولة اقوى من مجتمعها بل اقوى من اي طبقة اجتماعية واحدثها هذه الدرجة العالية من الاستقلال النسبي بالحرية في اختيار الفئات الحليفة لها وتوجيه السياسات العامة بما يخدم مصالح هذه الفئات, فكانت السياسة الاقتصادية موجهة بالاساس لخدمة مصالح التجار, فما تحقق في دول مجلس التعاون هو نوع من المبادلة السياسية, حيث قبلت الجماعة التجارية القديمة بالاقصاء السياسي مقابل تدعيم فرصتها الاقتصادية والتجارية. وبعد قيام الدولة الريعية وتبلور ملامحها اصبح دخل التجار يتوقف على مدى ما تعززه الحكومة في بنود ميزانية الدولة التي يتلقفها اعضاء هذه الفئة, وقد انعكس ذلك على نشاطاتها وعلاقاتها الاخرى مع الحكومة فالمشاركة في السلطة والتغيير الاجتماعي الذي كانت تطالب به في برامجها الاصلاحية في الثلاثينيات من القرن الماضي, تخلت عنها في غمرة الركون الى دخول ضخمة لاعضائها في ظل سياسات الانفاق الحكومي والرضا عن سياسات توزيع الريع التي كان لها فيها النصيب الاكبر. وانحسر اهتمام اعضائها في الوصول الى منفذ من منافذ دورة الريع بقصد مضاعفة دخولهم ونتيجة لانسحاب التجار من السياسة العامة للدولة, فقد كانت مطالبتهم بالمشاركة السياسية مرتبطة بمقدرتهم على استخلاص العائدات والتأثير على توزيعها, وحيث ان استخلاص العائدات من الشعب لم يتم بواسطة الدولة فان المطالبة بالمشاركة السياسية لم تحدث ايضا, فالمطلب التاريخي للتجار بالمشاركة الذي تأسس في الاصل على مقدرتهم الاستخراجية اعطى لهم صفة التميز والمقدرة على التنظيم والمعارضة السياسية للحاكم, وقد ادركت الدولة ذلك فمنحتهم الامتيازات الاقتصادية. لقد كان ابرز التغيرات التي ترتبت على قيام الدولة الريعية في منطقة الخليج هي انسحاب النخب الاقتصادية ذات النفوذ التاريخي من الحياة الرسمية, فقد حررت العائدات النفطية الحكام من الاعتماد التاريخي على فئة التجار واوقفت تطور العمليات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وحفزت على ظهور ترتيبات لنخبة اقتصادية جديدة مختلفة عن سابقتها فتخلى التجار عن نفوذهم السياسي الرسمي في سبيل ضمان البقاء الاقتصادي اي مقايضة السلطة بالثروة, فعندما اجبر التجار على الاختيار اختاروا المال على النفوذ السياسي لانهم يدركون ان النفوذ الاقتصادي هو الاجدى لهم من المطالبة بالمشاركة السياسية ولم تكن التسوية مع التجار هي السياسة الوحيدة التي اتبعتها الدولة للحفاظ على الاستقرار الداخلي, اذ اعطى امتلاك الدولة للريع مصادر لتطوير احلاف جديدة بين الفئات الاخرى في المجتمع وتوزيعه بطريقة مفيدة سياسيا, فشملت المنافع جميع المواطنين وان تفاوتت في درجتها النسبية, فاصبح المواطنون ينعمون بالرخاء وذلك كنتيجة مباشرة لسياسات الدولة في مجالين: الخدمات الاجتماعية والتوظيف, فللمواطنين حق التعليم الجماعي والرعاية الصحية ومختلف انواع الدعم للسلع والخدمات بما في ذلك الاسكان, بالاضافة الى الدخل المباشر كما ضمن المواطنون وظائف الدولة ومعاملة تفضيلية في الرواتب والمناصب الحكومية. ومما سبق يعني ان دول مجلس التعاون استطاعت كسب ولاء الفئات الاجتماعية فيها بواسطة سياساتها التوزيعية والوفاء باحتياجاتها الاقتصادية والاجتماعية, كما ان سياسات الانفاق الحكومي جعلت من الدولة رب العمل الاول والاخير بالنسبة لمواطنيها ومن ثم فان اولئك المعتمدين في معيشتهم على الدولة سوف يكونون على الارجح اكثر ترددا في القيام بانشطة سياسية تهدد وضعهم المعيشي, فقد اتاح ريع النفط للدولة ان تحرف معظم المطالبات السياسية من خلال المنافع الاقتصادية او الوظيفية وتقليص المساحة الاجتماعية المتاحة للتنظيم السياسي عن طريق القيام بدور اكبر في مجتمعها. فدور الدولة كموزع للمزايا والمنافع انعكس على علاقة الافراد بهذه الدولة ونظرائهم الى حقوقهم في المشاركة حيث اصبح معظمهم اقل تشددا في المطالبة بهذه الحقوق, خصوصا في ظل غياب او ضآلة حجم الاعباء المفروضة عليهم بوجه عام, فضلا عن قناعة المواطن العادي بان مجرد الحديث وليس الانتقاد الصريح او المستثر للاوضاع القائمة او المطالبة بالمشاركة هو من الامور المحفوفة بالمخاطر وان الولاء للدولة مطلوب للحصول على المنافع, وقد سهل ذلك للدولة اعطاء الانطباع ان بامكان الجميع الحصول على حصة اكبر بقرار حكومي وجعلها تمتلك سلاحا هائلا في المناورة والقدرة على احتواء الحركات المعارضة واغواء قياداتها واحتوائها في ترتيبات الوضع القائم اما بمنحها المراكز السياسية او بفتح مجالات واسعة للاثراء على حساب الدولة. لقد مكن الريع النفطي الدولة من اقامة علاقة مباشرة مع مواطنيها وغير المألوف في مثل هذه العلاقة انها ذات اتجاه واحد من الاعلى الى الاسفل, اذ تقدم الحكومة الخدمات لمواطنيها مقابل دفعهم الضرائب لهذه الحكومة, وفي دول مجلس التعاون وجدت مجموعة ضخمة من العائدات والمنافع متاحة للمواطنين بتكلفة بسيطة والمطلوب منهم فقط هو ابقاء نشاطهم السياسي في الحدود المرسومة من قبل الحكومة. ولم يؤد التحديث الى انتاج تعبئة اجتماعية تكون مقدمة لتغيير سياسي ثقافي ايديولوجي شامل, وظل التناقض قائما في مجتمعات دول مجلس التعاون من عدم اعتراف الدولة بوجود تلك العلاقة الجدلية بين التحديث والديمقراطية والتي لا ترى فيها هذه الدولة الا نموذجا غربيا لا يصلح للمجتمعات العربية ولا ينسجم مع تقاليدها واخلاقها بينما كان الامر على خلاف ذلك في مجال السياسة الاقتصادية حيث كان هناك سعي مستمر نحو اقتصاديات السوق المفتوحة وحرية الاستثمار وتشجيع رؤوس الاموال وهي السياسات التي كانت مصاحبة لنموذج التجربة الديمقراطية الغربية, ومن ذلك فقط اطلقت لها الدولة اجواء القبول ووضعت لها التشريعات واصبح شغلها الشاغل هو ربط التنمية الاقتصادية بحركة الاستثمار في الاسواق العالمية, غير ان توجه الدولة نحو المشاركة السياسية كان مناقضا لتوجهاتها على الصعيد الاقتصادي او بعبارة اخرى, قد شرعت للنشاطات الاقتصادية بآلياتها وثقافتها المنفتحة ولم تتحفظ على اي شكل من اشكال تناقضها مع التقاليد العربية والقيم الدينية الا انها على الصعيد السياسي عنيت اكثر بخلق سياسة رقابية صارمة تحول دون نمو الديمقراطية بشكل طبيعي او ان تتواصل مع حركة النمو الشامل للمجتمع. ويمكن القول ان حرب تحرير الكويت كانت من اهم الاحداث التي فرضت معطيات جديدة على الساحة السياسية في دول مجلس التعاون الخليجي, واثارت العديد من التساؤلات حول واقع ومستقبل التطور السياسي والاجتماعي في هذه الدول, خاصة وان الحرب قد ابرزت حالة الانكشاف الامني لهذه الدول وضعف قدراتها العسكرية, مما أثار العديد من التساؤلات حول مدى كفاءة قدراتها الدفاعية في حماية شعوبها في ظل الاستعانة بقوات اجنبية للقيام بمهمة الدفاع عنها ضد التهديد العراقي بالرغم من المبالغ الهائلة التي انفقت على التسليح وتعزيز الانظمة الدفاعية. فقد عجلت حرب تحرير الكويت بظهور متغيرات واحداث جديدة اسهمت في بروز فعاليات داخلية ناشطة على الساحة السياسية وقد تفاوتت درجة التغيير السياسي الذي حدث في اعقاب تلك الحرب من دولة لاخرى, لكن يمكن القول بانها شهدت نوعا من التغيير بدرجات متفاوتة وباشكال مختلفة, وقد كان من ابرز النتائج التي ترتبت على حرب تحرير الكويت هو ظهور مطالبات شعبية في بعض دول مجلس التعاون باعطاء دور اكبر للمواطنين للمشاركة في العملية السياسية. وعلى اية حال يمكن القول بان التجربة الديمقراطية في دول مجلس التعاون الخليجي لها خصوصية خاصة تختلف عن تلك الموجودة ليس فقط في باقي الدول العربية ولكن تلك الموجودة في العالم الغربي حيث الديمقراطية الليبرالية الغربية النابعة من واقع نشأة المجتمعات الغربية التي قامت على المجتمع الصناعي. خصوصية التجربة الديمقراطية في دول مجلس التعاون الخليجي تستمد دراسة برلمانات دول الخليج اهميتها من اعتبارات عديدة اولها خصوصية التجربة, ليس فقط من حيث حداثتها في معظم الدول وانما من حيث طبيعة التشكيل, هذه الخصوصية جعلت الآراء تتباين بشأن تقييم هذه التجربة. فالديمقراطية والشورى المعمول بها في دول مجلس التعاون الخليجي ليست مستوردة من النظام الغربي وانما هي نابعة وناشئة من البيئة الخليجية ذاتها, لان الديمقراطية الليبرالية الغربية نشأت في بيئة غربية تختلف عن تلك التي نشأت فيها الشورى والديمقراطية في دول مجلس التعاون ومن هنا تكتسب الاجندة خصوصية خاصة بها ويمكن ايضاح ذلك في الآتي: * اولا: النشأة والتطور تعتبر الكويت اول دولة خليجية تنشيء مؤسسة تشريعية كاحدى سلطات الدولة حيث شهد عام 1921 اول مجلس نيابي وقد كان هذا المجلس بداية ارهاصات تطور المؤسسة التشريعية الكويتية وجاء تأسيسه متواكبا مع حالة عدم النمو الاقتصادي لقطاع التجارة وصيد اللؤلؤ وبطء خطوات التنظيم داخل الجهاز الاداري ومن ثم فقد بدأت المطالبة بالمشاركة السياسية كسبيل للاصلاح وتبنت ما يسمى (الكتلة الوطنية) هذه المطالب, وهو ما تمخض عن تشكيل المجلس المشار اليه ولكن تم حله بعد تصادمه مع الحكومة ومنذ ذلك الحين مرت التجربة الديمقراطية الكويتية بعدة مراحل: اما المملكة العربية السعودية فقد جاءت في المرتبة الثانية بين دول الخليج العربي من حيث الترتيب الزمني لظهور المؤسسة التشريعية حيث تشكل اول مجلس بها عام 1924 تحت اسم (مجلس الشورى الاهلي) الذي شكله عبدالعزيز آل سعود بعد دخوله مكه, وقد حصدت اللائحة التأسيسية للمجلس الهيئة الناخبة في ثلاث فئات فقط هي: الاعيان والعلماء والتجار على ان تقوم كل فئة منها بانتخاب عدد معين مع وجوب تصديق عبدالعزيز آل سعود على نتيجة الانتخاب. وفي عام 1924 ايضا اصدر آل سعود قرارا بتأسيس مجالس استشارية في كل من مكة والمدينة وجدة ونويبع والطائف تقوم بانتخاب مجلس شورى عام للبلاد. وفي عام 1925 تم تشكيل مجلس جديد وشهد عام 1928 صدور نظام جديد لمجلس الشورى وظل المجلس ذا اختصاصات استشارية ودون تطوير حتى عام 1952 ومنذ ذلك الحين ظلت السعودية حتى اوائل التسعينيات دون بنى تشريعية حتى حدثت عدة متغيرات هامة في بيئة النظام السياسي دفعت في سبيل انشاء مؤسسة تشريعية لتطوير هذا النظام في ظل الاستجابة لتلك المتغيرات ومنها حرب الخليج الثانية. وتأتي في المرتبة الثالثة دولة قطر بين دول الخليج في الترتيب الزمني لظهور المؤسسات التشريعية والتي تشكل البرلمان (المجلس الوطني) بها في اطار ما نص عليه دستور البلاد الصادر في 2 ابريل 1970 ومما يذكر ان قطر هي ثاني دولة خليجية بعد الكويت في اصدار دستور ينظم سلطات الحكم بها وقد تم تعديل الدستور فيها عام 1972. اما تجربة دولة الامارات, فقد نشأت عقب تأسيس الاتحاد الاماراتي عام 1972 تحت مسمى دولة الامارات العربية المتحدة وكانت ست امارات هي: ابوظبي, دبي, الشارقة, عجمان, ام القيوين, الفجيرة ثم انضمت امارة رأس الخيمة الى الاتحاد. وفي البحرين مرت المؤسسة التشريعية بتجربتين مختلفتين: الاولى: هي تجربة المجلس الذي تشكل عام 1973 وتم حله في اغسطس 1975 ثم تعثرت التجربة البرلمانية نحو 17 عاما, والتجربة الثانية: هي تجربة مجلس الشورى الحالي الذي تأسس في ديسمبر عام 1992. اما التجربة البرلمانية في سلطنة عمان فهي الاحدث بين دول مجلس التعاون الخليجي الست, حيث تم تأسيس مجلس الشورى الحالي في عمان عام 1991 (12). * ثانيا: طبيعة التكوين: تختلف آليات تشكيل المؤسسة التشريعية من دولة خليجية الى اخرى وان كان يغلب عليها طابع التعيين, ففي السعودية, يتشكل مجلس الشورى من 90 عضوا يقوم بتعيينهم الملك بمرسوم ملكي وكان العاهل السعودي قد اصدر قرارا في 6 يوليو عام 1997 بزيادة عدد اعضاء المجلس من (60) الى (90) عضوا, ومدة العضوية في المجلس اربع سنوات هجرية. وفي الامارات لم يحدد الدستور طريقة معينة لاختيار شاغلي مقاعد المجلس الوطني ( 40 مقعدا ) وقد استفاد حكام امارات الاتحاد من عدم التحديد هذا وجعلوا سلطة اختيار الاعضاء منوطة بهم واستخدموها لكسب الولاء بين الفئات الاجتماعية في اماراتهم وتوزيع مقاعد المجلس بشكل نسبي على الامارات المنضوية في الاتحاد ومدة العضوية في المجلس سنتان ميلاديتان. وفي البحرين وقطر اعطى الدستور للامير حق تعيين اعضاء مجلس الشورى فيما اتاح للمجلس فرصة انتخاب رئيسه ونائب الرئيس. اما في الكويت فان مجلس الامة يتشكل عبر آلية الاقتراع العام لاختيار اعضاء المجلس وقد اجريت عدة انتخابات لمجلس الامة وفي عمان يجمع نظام تشكيل مجلس الشورى بين آلية الانتخاب والتعيين حيث تجري العملية الانتخابية على ثلاث مراحل, في المرحلة الاولى يتم تحديد المرشحين من قبل الاعيان والشيوخ في الولاية التي ينتمي اليها هؤلاء المرشحون, ثم يتم الانتخاب بواسطة جمهور ناخبين محددا ايضا في كل ولاية من قبل اعيانها, وبعد عملية الانتخاب يقوم السلطان قابوس بن سعيد باختيار اعضاء المجلس من بين الناخبين آخذا في الاعتبار عدة تعديلات بشأن انتخابات مجلس الشورى والتي ستجري في سبتمبر واكتوبر المقبلين. ومما سبق يتضح ان التجربة الخليجية في الشورى والديمقراطية لها خصوصيتها سواء من حيث النشأة والتطور او من حيث طبيعة التكوين, الامر الذي يعطيها تميزا عن باقي التجارب الديمقراطية سواء في العالم العربي والاسلامي او في العالم الغربي, وانطلاقا من هذا التميز والتفرد, فقد اجتمعت دول مجلس التعاون الخليجي على انشاء ما يسمى بالهيئة الاستشارية الخليجية, وذلك لمواكبة ومسايرة التطورات الديمقراطية في العالم. ظروف انشاء الهيئة جاء قرار انشاء الهيئة الاستشارية مواكبا لعدد من التطورات سواء على المستوى الخليجي او الاقليمي او الدولي وهي: 1ـ بعد مرور 17 عاما على انشاء مجلس التعاون الخليجي تغيرت وتبدلت الاهتمامات والتحديات التي انشىء المجلس في ظلها ولذلك ادركت دول مجلس التعاون انه لابد من اعادة النظر في انظمة العمل السائدة في المجلس لمواكبة الاحداث والتعامل معها بشكل جديد وبافكار جديدة حتى يمكن التفاعل مع العالم في ظل تحديات القرن الحادي والعشرين. 2 ـ التطور الكبير الذي شهده نظام الشورى في الخليج على طريق المشاركة الشعبية وتنميتها وتفعيلها وفق اطار معين يحفظ للمجتمعات الخليجية خصوصياتها ويحافظ على استقرارها وتماسكها, وهذا ما يمكن ملاحظته في التطورات التي لحقت بنظام الشورى في سلطنة عمان, حيث زاد عدد اعضاء المجلس من (59) عضوا الى (82) عضوا واعطيت المرأة الحق في الترشيح والتصويت في الانتخابات بعد ان كانت محرومة من هذا الحق قبل عام 1994 كما تم تعيين امرأة سفيرة لاول مرة لسلطنة عمان لدى مملكة هولندا وهي خديجة بنت حسن اللواتي, فضلا عن ادخال عدة تعديلات على عضوية مجلس الشورى في دورته الرابعة من عام 2000 الى 2003 من بينها زيادة المدعوين للترشيح الى 175 الف مواطن وفق الفئات المحددة في لائحة المجلس اي بنسب 25% من عدد العمانيين الذي تبلغ اعمارهم 21 سنة, وكذلك زيادة اعداد المشاركات من النساء لتصل الى 30% من مجموع المدعوات للترشيح واختيار ممثلي الولايات. وفي البحرين بدأ مجلس الشورى بها مشكلا من ثلاثين عضوا زادوا بعد ذلك الى اربعين عضوا, اضافة الى انشاء خمس لجان دائمة وهي لجنة الشئون القانونية ولجنة الشئون الخارجية ولجنة الشئون المالية والاقتصادية ولجنة الخدمات ولجنة المرافق العامة فضلا عن لجنة حقوق الانسان وقد تم توسيع صلاحيات المجلس بحيث اصبح من حقه اقتراح مشاريع القوانين وابداء الرأي في القضايا التي يحيلها اليه مجلس الوزراء والتقدم باقتراحات بمشروعات قوانين لمجلس الوزراء وغيرها. كما قررت البحرين تعيين امرأة اول سفيرة لها في الخارج هي الشيخة هيا بنت راشد آل خليفة التي اصبحت سفيرة للبحرين لدى فرنسا. وفي قطر يختار اعضاء المجلس البلدي المركزي عن طريق الانتخاب المباشر كما منحت المرأة حق الترشيح والانتخاب به واعطي المجلس صلاحيات تشكل مختلف نواحي الشئون البلدية كما صدر في اكتوبر 1999 قرار يقضي بتكوين لجنة دستورية تتكون من 32 عضوا لتتولى اعداد مشروع الدستور خلال مدة لاتتجاوز ثلاث سنوات وبدورها تضمنت اللجنة اربع لجان متخصصة وهي لجنة لاعداد المقومات الاساسية للمجتمع والواجبات العامة والسلطة القضائية والسلطة التشريعية والسلطة التنفيذية. وفي السعودية يراعي تشكيل مجلس الشورى تمثيل جميع قطاعات المجتمع بما في ذلك كبار رجال الاعمال ورجال الخدمة المدنية وعلماء الدين والاكاديميون واساتذة الجامعات والمحامون والقضاة واصحاب المؤهلات الطبية وتبلغ نسبة حملة الدكتوراة حوالي 64% بين اعضاء المجلس, كما تمكنت عشرون سيدة لأول مرة من متابعة مداولات مجلس الشورى السعودي بعد ان تم السماح لهن بذلك. وقد اشار الشيخ محمد بن ابراهيم بن جبير رئيس المجلس انه لا يمانع من حيث المبدأ في حضور المرأة جلسات المجلس مؤكدا على تقديره لدور المرأة السعودية (19) . وفي الامارات يتم انتخاب أعضاء المجلس الوطني الاتحادي الأربعين من قبل كل امارة من الامارات السبع حيث يحظون بثقة المواطنين. وأخيرا تتمتع الكويت بتجربة لها خصوصيتها, حيث وجدت الديمقراطية جذورها الأولى في دستور عام 1961 وأجريت انتخابات مجلس الأمة بعد ذلك, كما ان الكويت أول دولة من دول مجلس التعاون تقوم بتعيين امرأة سفيرة في الخارج منذ أكثر من أربع سنوات وكانت السفيرة سميرة الملا قد عينت سفيرة فوق العادة للكويت لدى حكومة زيمبابوي والآن تعمل سفيرة للكويت لدى النمسا, كما أصدر الشيخ جابر الأحمد الصباح أمير الكويت مرسوما في مايو 1999 ويقضي بمنح المرأة حقوقها السياسية كاملة بحلول 2003 حيث ستجرى انتخابات تشريعية جديدة ويمنح هذا المرسوم المرأة الكويتية حق الترشيح وحق الانتخاب في جميع المؤسسات التشريعية إلا ان مجلس الأمة الكويتي رفض هذا المرسوم مرتين. 3 ـ مواجهة دول مجلس التعاون الخليجي للعديد من التحديات لعل أهمها أزمة انخفاض أسعار النفط وما ترتب على ذلك من عجز في الموازنات وتنفيذ بعض المشروعات وارتفاع معدل البطالة وما يتلازم مع اتجاه كل دول مجلس التعاون لاحلال العمالة الوطنية محل العمالة الأجنبية وبالبحث عن نموذج بديل لدولة الرفاه التي كانت تسود في الخليج منذ الوفرة النفطية ولا تستطيع الاستمرار في ذلك في ظل التحديات الاقتصادية وتزايد أعداد السكان. ولا شك ان كل هذه القضايا تحتاج إلى توسيع دائرة النقاش والتشاور حولها لأنها تمس حياة المواطن في كل دول مجلس التعاون بصورة مباشرة وترتبط بصورة أخرى بحالة الاستقرار الاجتماعي في الدول الخليجية. 4ـ تطور البنية الاجتماعية ـ الاقتصادية الخاصة بسكان دول مجلس التعاون وقد تجسد هذا التطور في ارتفاع مستوى التعليم وزيادة نسبة الشباب وزيادة معدل النمو السكاني, هذه الزيادة ادت بطبيعة الحال إلى ارتفاع مطالب الشباب بالمشاركة في الحياة السياسية والاقتصادية بشكل عام ولذلك جاء قرار انشاء الهيئة لعلها تستطيع ان تحتوي هذه الطاقات وتستثمرها وتستفيد منها بصورة شاملة على مستوى كل دول مجلس التعاون الخليجي.