فيما كنت في حوار على الهواء الاسبوع الماضي مع محمد كريشان على شاشة تلفزيون (الجزيرة) في برنامج (بلا حدود) , انهالت علي الاسئلة بالهاتف والفاكس, ومعظمها من سعوديين وخليجيين واردنيين وفلسطينيين وسوريين ولبنانيين وتناولت بصورة رئيسة موضوع الوجود العسكري السوري في لبنان. طالبني احد المشاهدين ان استعمل اصطلاح (الاحتلال السوري) وليس (الوجود السوري) واستغرب سائل كيف اتجرأ واتكلم عن (انتخابات ديمقراطية) في ظل (قوات مصطفى طلاس) وهي تحتل لبنان؟ وسألني احدهم كيف يمكن ان تكون (الانتخابات نزيهة) في ضوء (التدخلات السورية) فيها؟ ووصل التهكم باحد السائلين ليقول لي: (شارك بعض اللبنانيين في الانتخابات السورية الاخيرة, فهل سيشارك بعض السوريين في الانتخابات اللبنانية الجارية؟) . في المقابل ارتفع صوت سوري واحد ينادي بالوفاق اللبناني الداخلي, وصوت آخر يشير الى ان لبنان جزء من بلاد الشام تاريخيا فكان ردي عليه بأن لبنان مذكور في التوراة في اكثر من مكان, وهو تاريخيا اقدم من المسيحية والاسلام, وهو موجود قبل ان توجد (بلاد الشام) . حاولت في كل ردودي ان اكون موضوعيا ومنصفا لا سيما وان معظم الاسئلة تركزت على موضوع العلاقات اللبنانية ـ السورية وما يشوبها من شوائب وعيوب. وانعشت ذاكرة بعض السائلين حين اشرت الى ان الدخول العسكري السوري الى لبنان حقق ثلاثة اهداف مهمة: انهى الحرب اللبنانية التي طال امدها, وحافظ على وحدة لبنان الذي كان مهددا بالتقسيم, وساهم في تحرير جنوبه في اول خروج قسري لاسرائيل من ارض عربية من دون مفاوضات ومن دون اتفاقات. ولاحظت ان هذه المنجزات الاستراتيجية ضاعت في الرمال المتحركة اللبنانية لقد طغت التدخلات الصغيرة على الانجازات الكبيرة, وطالبت بضرورة التمييز بين العلاقات الاستراتيجية الناجحة والنافعة بين البلدين والتدخلات السورية في الشئون الداخلية اللبنانية, وهي مضرة بالطبع بلبنان وتنعكس سلبا على سوريا. وذكرت في هذا المجال ان الوحدة السورية ـ المصرية انهارت بسبب الهيمنة المصرية على سوريا. وعلى الرغم من ان هالة جمال عبدالناصر كانت جاذبة وجذابة, وان السوريين وحدويون بالسليقة. وكي اكون مقنعا شددت على ان المصلحة اللبنانية تفترض توافر حالتين متلازمتين: حالة الاستقرار وحالة الاستقلال. ورأيت ان كل استعداء لسوريا من قبل اللبنانيين يضر بالاستقرار اللبناني, ويوصل لبنان الى حالة من اللااستقرار تبلغ درجة الفوضى والحرب. فلا مصلحة للبنان في ان يكون مقرا وممرا لاي مؤامرة تستهدف سوريا من اي جهة اتت, ولا مصلحة له في ان يخرج الجيش السوري منه بصورة قسرية وعلى الرغم من دمشق وغصبا عنها. كما لاحظت ان كل استقواء بسوريا من قبل بعض اللبنانيين على بعضهم الآخر وما يستتبعه من تدخلات سورية في الشئون اللبنانية يمس جوهر الاستقلال اللبناني ولا يمكن التغاضي عنه. وتقضي مصلحة سوريا, اضافة بالطبع الى مصلحة لبنان, بان تحافظ على استقلال لبنان بعد ان اعترف به الرئيس السوري حافظ الاسد (دولة سيدة حرة مستقلة) و (وطنا نهائيا لكل ابنائه) . وعبرت عن شعور لدي عميق بان اميل لحود وبشار الاسد هما الوحيدان القادران على معالجة الخلل والعيوب والنواقص في العلاقات اللبنانية ـ السورية, فما يجمع بين الرئيسين اكثر من ثقة متبادلة وكاملة: اميل لحود يولي العلاقات اللبنانية ـ السورية عناية فائقة, وبشار الاسد يحس بالحاجة الى تصحيح النموذج اللبناني ـ السوري ليكتمل على حد ماقاله, ويمسي نموذجا عربيا متقدما يحتذي به باقي العرب في عصر العولمة, التكتلات العملاقة. مسئولية الرئيسين تقوم على تصحيح العلاقة اللبنانية ـ السورية وتركيزها على قاعدة المصالح الوطنية المشتركة والمؤسسات الثابتة والدائمة, وليس على اساس المصالح الفئوية المحدودة وهوى الاشخاص والامزجة. واول خطوة على طريق التصحيح تبدأ بوقف التدخلات في الشئون الداخلية اللبنانية وتنظيم حملة اعلامية واسعة لكي لا تبقى صورة لبنان وسوريا والرئيسين والعلاقات بين البلدين مشوشة في الذهن العربي. شاءت الاقدار ان يتقاطع مسار الرئيسين ومصير الدولتين على منعطف كبير من منعطفات الشرق الاوسط.