اختتمت كتاب (ازمة الاسلام السياسي ... الجبهة الاسلامية القومية في السودان نموذجا) بالتساؤل عن مستقبل الحركات الاسلاموية قائلا: (.. مستقبل الحركات الاسلاموية في الوطن العربي رهين بتقاربها من القضايا الحيوية وهذا يعني ان تكون مسائل الديمقراطية والاشتراكية والعقلانية والعلمانية ، من الاولويات في العمل السياسي عند هذه الجماعات وفي المجتمع المدني كله وفي التعليم والثقافة والحياة اليومية) . وقارنت بين دورها وظهور لاهوت التحرير في امريكا اللاتينية المرتبط بقضايا الشعب الحقيقية من خلال تأويل الانجيل حسب الصراع الطبقي ورفض الاستغلال وضرورة المساواة ومشاركة الجماهير في السلطة. ولكن هل استطاعت الحركة الاسلاموية على مستوى خطابها وتنظيرها وممارستها ان تخدم القضايا الحقيقية التي تهتم بالشعب وتسعى الى تقدمه ورفاهيته؟ قفز السؤال الى ذهني بالحاح شديد حين جاءت انباء انعقاد (مؤتمر الاسلاميين) يوم الخميس 24/8/2000 في المقر الدائم للمعسكرات (جهاز حكومي) بضاحية سوبا جنوب الخرطوم, وتحدثت الانباء عن حشد بلغ سبعة الاف. منها 4500 دعوة رسمية والآن: ماذا يتبقى من الحركة الاسلامية او الاسلاموية؟ وبالمناسبة نقصد بالاسلاموية تلك الفئة او الحركة التي تبالغ في تأكيد السياسي على حساب الديني والثقافي والحضاري في الاسلام وهي تركز على السلطة السياسية والحزبية, وبالتالي تختزل الاسلام كله الى حركة وتنظيم وتعبئة وحشد للجماهير, وتستخدم كل وسائل العمل الحزبي من حيل ومناورات, بينما الاسلامي يميل الى الاخلاق والسلوك في اي عمل او توجه. وهذه التفرقة تعبير عن الخلاف التقليدي الذي شهده تاريخ الحركة الاسلاموية بين تيار ومدرسة التربية مقابل تيار السلطة السياسية والحكم اولا وان الله يزع بالسلطان مالا يزع بالقرآن, هل يمكن اعتبار هذا المؤتمر شكلا آخر لهذا الصراع ام ان المواقف قد تداخلت خاصة بعد ان اصبحت الحركة الاسلامية حركتين او مؤتمرين؟ من البداية هل هناك جدوى أو حاجة لعقد مثل هذا المؤتمر؟ ماذا يريد هذا المؤتمر ان يقول او يفعل او يؤسس؟ هناك هدفان, اولا: توحيد الحركة الاسلامية تحت قيادة ومرجعية جديدة. ثانيا ضمان استمرار حكم الانقاذ بعد انشقاق مجموعة الترابي باعتبار ان الانقسام قد يؤدي الى انهيار النظام وبالتالي ستدفع الحركة الاسلامية مجتمعة الثمن, وقد نضع الاجابة بصورة اخرى وهي ان المؤتمر يحاول توحيد الحركة الاسلامية ورصها متماسكة خلف النظام خلال المرحلة المقبلة خاصة دخول الانتخابات الرئاسية والبرلمانية. فالوحدة مطلب اساس قفزا على اي خلاف او تمايز. ويظهر الشعار القديم وحدة الصف قبل وحدة الهدف. فليس مهما الوحدة حول ماذا ولكن لابد من التوحد لتكريس السلطة وقد قالتها سعاد الفاتح مستشارة رئيس الجمهورية في حالة انفعال يصدق فيها القول: (بعد ما استلمناها (تقصد السلطة) ما اظن هناك قوة في الارض تستطيع ان تنازعنا فيها والا انتهينا او تمزعنا وتقطعنا) ثم تضيف: (نحن لن نخرج من هذا المؤتمر الا بعد ان نصل الى كلمة واحدة ولن نلتفت بعدها الى الوراء ( .. ) نحن سنسير خلف البشير ويجب الا يعلو صوت بعد الآن على صوته واذا انحرف كسروا رقبته واسقوه دمها!) اعتقد قطعت سعاد قول كل خطيب واعلنت مانيفستو الحركة الاسلامية: التمسك بالبشير ـ تقرأ النظام ـ بالاصابع العشره والاسنان ! واي اضافات او سفسطة اخرى عن جدوى اجتماع المؤتمر ستكون غير صادقة. حاول البعض ان يضفي رمزا ايجابيا على المؤتمر باعتباره المؤتمر الخامس للحركة الاسلامية وهذا قفز على حقيقة ان الاسلامويين قرروا حل الحركة قبل اكثر من عشر سنوات, فهو اقرب الى مؤتمر تأسيس وليس امتدادا. وفي كثير من خطب اللقاء عبر المتحدثون عن ادانتهم لحل الحركة وانخراطها في الانقاذ. وحاول آخرون تبرير الحل, يقول الفاتح عابدون (ان غياب الحركة في الفترة السابقة بعد التمكين كان مقصودا ودبر له مع سبق الاصرار) واضاف: ان الحركة كانت هي التي تواجه نفسها وقادتها اذا اختل مسارها ولكنها غابت في الفترة الماضية, ورغم التناقضات والتبريرات المتهافتة, لا يوضح لنا هؤلاء السادة لماذا وافقوا على غياب الحركة اصلا وصمتوا طوال هذه السنوات؟ الاجابة بسيطة: من يجرؤ على معارضة الشيخ حسن آنذاك حتى جاءت صحوة مذكرة العشرة؟ فقد كان هو الحاكم بأمره وسيد قرار الحركة. لذلك من اهم اهداف هذا المؤتمر هو اكمال مهمة قتل الاب, ورغم ان اسمه لم يرد في الخطب والنقاشات الا ان شبحه كان موجودا لذلك كان الكلام موجها اليه. يذكرني حل الحركة الاسلامية وتذويبها في الانقاذ بتجربة الحركة الشيوعية المصرية مع النظام الناصري .. فهي لم تستطع لاحقا ان تعيد تنظيم صفوفها من جديد اذ كان عليها ان تتحمل ما حدث للتجربة الناصرية مثل هزيمة يونيو 1967 ودكتاتورية النظام, والآن هل تتحمل الحركة الاسلامية اخطاء الانقاذ؟ الوضع يختلف, فالانقاذ هي الحركة الاسلامية مقسومة ـ الآن ـ على اثنين: الشيخ حسن الترابي الذي هندس كل شيء يقوم بعملية غسيل افعال سياسي وينقد التجربة بعنف ويبرىء نفسه ويبتعد عن اخطاء الانقاذ. ومجموعة الترابي ـ المؤتمر الوطني الشعبي, تبدو وكأنها المعارضة الحقيقية للانقاذ ووضعتها في حالة دفاع ورد مستمرين: اما القسم الثاني فقد استقل المركب الغارق, فالشيخ محمد محمد صادق الكاروري والذي لم يتقلد منصبا رسميا ولم يملأ اجهزة الاعلام في الماضي مدافعا عن المشروع الحضاري, يأتي في الوقت الضائع, ليقول: ان العودة الى تنظيم الصف الدعوي من جديد لا يقصد به اعتزال ساحة الانقاذ التي نفر اليها غالب اهل السودان .. ان ما قامت به الانقاذ كان ثمرة جهد قادته الحركة وهي كسب لا يمكن التخلي عنه او الزهد فيه او التنكر له او الانقلاب عليه ( .. ) ان ما ترتب على الانقاذ من تحالف وطني عريض مثلته حركة سياسية مؤتلفة الصف وطنية المضمون هي حركة المؤتمر الوطني كسب للحركة الاسلامية لا يمكن اضعافه أو تهميشه او الانقلاب عليه او الانشقاق عنه. هذا انحياز واضح واندماج وتماهي بين الحركة الاسلامية والانقاذ. فهل تتحمل الحركة وزر الانقاذ بالذات فيما يتعلق بانتهاك حقوق الانسان والتعذيب والفساد المستشري في الدولة والمجتمع؟ ومن الغريب ان شيوخ ومؤسسي الحركة نسوا المبادىء التي قامت عليها حركتهم قبل اكثر من نصف قرن تقول المادة التاسعة من اهداف الجماعة في البيان التأسيسي (حماية المواطنين من الاستبداد, والفساد السياسي, والاستغلال الاقتصادي, واي شكل من اشكال القهر والظلم, واقامة الحكم على المؤسسات منعا لتسلط الفرد, ونشدانا للاستقرار) ارجو ان يطبق علينا الاسلامويون هذه المادة فقط, وسيجدوننا داخل المعسكر في المؤتمر المقبل. التاريخ يعيد نفسه في شكل مأساة ولكن الاسلاميين يظنون اننا توقفنا في مؤتمر العيد عام 1954. لقد اختلفت الظروف وبالتالي اهداف قيام الحركة, بالذات وقف المد الشيوعي وتطبيق الشريعة الاسلامية. فلقد انحسر المد الشيوعي لظروف ذاتية تخص الشيوعيين وظروف خارجية, لذلك لم تعد هذه اولوية. اما الهدف الثاني, فقد تمكنت الحركة الاسلامية من فرض قوانين الشريعة مرتين الاولى مع قوانين سبتمبر 1983 مع النميري والآن في الانقاذ وكانت التجربة مسئولية كاملة للحركة فهل تم تقييم التجربتين؟ وهل تمتلك الحركة الجديدة ـ القديمة, برنامجا واهدافا اخرى؟ وهنا يجىء سؤال المرجعية فالترابي لم يكن مجرد فرد داخل الحركة بل هو كل الحركة لانه يقوم بالتنظير والتنظيم والكتابة والمناظرة. ولا اعتقد ان الحركة الاسلامية التي اجتمعت اخيرا لديها شخصية او جماعة تمتلك قدرات الترابي ـ رغم مضامينها ووسائلها التي لا نحترمها كثيرا, للحركة الحق في رفض المرجعية السابقة لكنها مطالبة بمرجعية بديلة مقنعة وقوية ـ وهذا هو مأزق هذا الحشد الكبير. واخشى ان تكون تركيبة هذا المؤتمر هي مجرد تراكم عددي لوزراء ومستوزرين وولاة ومحافظين وتجار وافندية انقاذ وخبراء امن .. الخ ومن الناحية الاخرى يلعب الترابي بقوى حديثة مضللة ولكنها الاصغر سنا والاقرب الى الغد رغم سلفية رؤيتها. هل شكل الشباب والطلاب والمرأة جزءا معتبرا من مجموعة حضور مؤتمر الحركة الاسلامية؟ اخيرا, اتمنى ان يكون تعاون الحركة الاسلامية على البر والتقوى وليس على الاثم والعدوان, اعني بذلك ان تكون وحدتها دعما ورفدا لجهود الخروج من الازمة والوصول الى وطن ديمقراطي تعددي ومتطور اقتصاديا وموحدا. وهذا يعني اولا تقديم النصح للحكام ونقد التجربة الانقاذية التي اصبحوا الآن مدافعين ومنافحين عن كل افعالها واخطائها وخطاياها.