لم يكن حال كردستان العراق المحاطة بأربع دول والخاضعة للحصار بشكل رسمي والتي لا تزال مقسمة بفعل الصراعات الداخلية - لم تكن بأفضل مما هي عليه الآن منذ سنوات حسبما يرى البعض فيها. وعلى نحو يثير المفارقة, فإن الأكراد في شمال العراق يأملون بأن تظل الأمور على حالها تماما. ويقول قاسم عبدالله عزي, وهو مزارع يبلغ من العمر 35 عاما: (إذا عادت الحكومة فإننا سنخسر كل شيء) . ويسند عزي بندقيته من طراز كلاشنكوف في إحدى زوايا كوخه ويخلع نعليه تمهيدا لشرب كوب من الشاي. ويقول انه يحتاج للبندقية من أجل حماية أغنامه. ويضيف: (أطفالي صغار, ولذا فإنهم لا يعلمون) . إن ما لا يعرفه الأطفال هو ان هذه القرية ذات الأكواخ المبنية من الطوب الطيني والتي تؤوي 48 عائلة, شأن باقي مناطق كردستان العراقية, لا تزال رسميا تحت حكم بغداد. وفي قرية دال داجان, تبدأ الدراسة في المدرسة الابتدائية كل يوم بالنشيد الوطني للحزب الديمقراطي الكردستاني. ويدرس التلاميذ في كتب مدرسية كردية طبعت في أربيل, وهم صغار جدا على أن يتذكروا متى كان آباؤهم جنودا في المقاومة الكردية. خلال حملة (الأنفال) العراقية, تم اخلاء حوالي أربعة آلاف قرية مثل هذه من سكانها بالقوة وأحرقت تماما ثم فجرت بالديناميت على يد قوات حكومية. وفي بعض الحالات, كان الجنود يحرقون الشجر ويرحلون السكان إلى مخيمات بعيدا عن الحدود مع إيران وتركيا. ولا يزال بمقدورك أن ترى خرائب القرى واحدة تلو الأخرى على طول الطرق العامة. وقد تم تدمير دال داجان نفسها في عام 1987. وتعتبر عملية اعادة بناء دال داجان جزءا من منطقة تحظى برعاية الأمم المتحدة في شمالي العراق. وخلال السنوات القليلة الماضية, استطلع برنامج موطن الأمم المتحدة القرويين الذين كانوا على استعداد للعودة. وأنفق البرنامج حوالي 24 ألف دولار لامداد القرية بمواد لبناء البيوت والمدارس والطرق والمنشآت المائية. ويقول عزي انه على الرغم من ان موجة الجفاف الأخيرة قد تبددت, الا انه (بدون الحصة الغذائية, فإننا سنعاني من المجاعة) . وإلى حد بعيد, فإن أهم عامل في الرخاء الكردي هو قرار مجلس الأمن الدولي رقم 986 والمعروف باسم (النفط مقابل الغذاء) . والدراسات التي تظهر الدمار في منطقة حكومة العراق تظهر, في الوقت نفسه, ان المؤشرات على الرفاه الإنساني تشهد تحسنا طفيفا في الشمال. وتزعم وزارة الخارجية الأمريكية والحزبان الكرديان الرئيسيان ان هذا الرخاء يثبت ان القرار 986 يعتبر كافيا لدى إدارته من قبل الأمم المتحدة, كما هي الحال في الشمال. ويقولون ان المشكلات الصحية الموجودة في مناطق حكومة العراق تثبت ان السلطات المركزية في بغداد تخزن الغذاء والدواء من أجل التلاعب بالرأي العالمي. أما مسئولو الأمم المتحدة, فإنهم يقدمون تفسيرا مغايرا. جورج سومرويل, الناطق بلسان مكتب الأمم المتحدة الخاص بمنسق الشئون الإنسانية في العراق, يحلل الأرقام كي يفسر التفاوت القائم. فالمحافظات الكردية الثلاث تضم 13% من سكان العراق, وبالتالي فإنها تتلقى 13% من الامدادات التي تدخل العراق بموجب اتفاق النفط مقابل الغذاء بشكل فوري. ثم يتم بعد ذلك اقتطاع 30% من المتبقي لتعويضات الحرب و3% كتكاليف تشغيلية للأمم المتحدة. وينتهي الحال بمناطق حكومة العراق التي تؤوي 87% من السكان إلى أن تعيش على حوالي 54% فقط من امدادات الغذاء والدواء. ويقول سومرويل ان الحكومة لم تقم باعتراض ارساليات الغذاء, مع ان هناك بعض الشك في ان سلطات بغداد تحول جميع الأموال التي تأتيها من السوق السوداء لأغراض الأمن وتساءل أحد العاملين في الأمم المتحدة قائلا: (ماذا يتوقعون؟) . منذ عام 1991, تساهم المنظمات غير الحكومية الدولية في توفير الرفاهية للأكراد بدون إذن من الحكومة العراقية. وهي تمانع في أن يتم تعريفها بالاسم وتهدف مساهمة المنظمات غير الحكومية إلى أن تكون مكملة للقرار 986, ويقدرها أحد العاملين في برنامج المساعدة الإنسانية بحوالي 20 مليون دولار سنويا. واستهدفت المنظمات غير الحكومية أيضا مجالات مثل محو الأمية وبناء مؤسسات المجتمع المدني التي لا يشملها القرار 986. وكانت مجموعة من المنظمات غير الحكومية الرئيسية العاملة في الشمال قد وقعت مؤخرا, على رسالة تحتج فيها على العقوبات وعلى ثقافة التبعية الناجمة عن برنامج الأمم المتحدة. إن النفط المبادل بالغذاء ليس هو النفط الوحيد الذي يغادر العراق. فالحصار حول معبر ابراهيم الخليل على الحدود التركية إلى أكثر طرق التهريب نشاطا في المنطقة. ويقدم هذا الطريق خطا مباشرا إلى الاقتصاد التركي الضخم, كما انه يحظى بمباركة ضمنية من الولايات المتحدة وبريطانيا, اللتين لا تذكرانه في بياناتهما المنتظمة حول انتهاك النظام العراقي للعقوبات. والولايات المتحدة تعرف ان تجارة السوق السوداء تسترضي تركيا, التي فقدت العراق كشريك تجاري عندما انضمت إلى التحالف في حرب الخليج. وواشنطن تحتاج لقاعدة انجرليك الجوية التركية من أجل مواصلة عملية مراقبة مناطق حظر الطيران. ومن الصعب تقدير عوائد السوق السوداء, ومن غير الواضح كذلك ما إذا كانت الأرباح تصل إلى معظم الأكراد. لقد برزت فيللات جديدة بل وحتى سوبر ماركت ضخم في بلدة دهوك بينما لا يزال عشرات الألوف يعيشون في مدن أكواخ ومخيمات. كما ان العوائد النفطية تعتبر عنصر الخلاف الرئيسي بين الحزبين السياسيين الكرديين. يتفق الجميع على ان الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي يتزعمه مسعود برزاني, يحقق ربحا هائلا من معبر ابراهيم الخليل. ولقد كان ذلك العائد ذريعة دائمة للاشتباكات بين الحزب الديمقراطي الكردستاني وخصمه الاتحاد الوطني لكردستان الذي يتزعمه جلال طالباني. ويزعم طالباني حاليا ان الحزب الديمقراطي الكردستاني يجني أكثر من مليون دولار في اليوم على شكل رسوم عبور عن النفط الخارج من البلاد والسلع الاستهلاكية الواردة. ويحتفظ الطرفان بعلاقة دائمة مع الدول المجاورة ومع الولايات المتحدة وبغداد بحيث يغيران انحيازهما في اللحظة التي تناسبهما. وكانت آخر جولة في اطلاق النار قد بدأت في أواخر عام 1993 مع تصاعد نزاعات سياسية صغيرة وأخرى على الأراضي بسرعة. وادعى كلا الطرفين ان الطرف الآخر لجأ للعمل العسكري لتجنب الهزيمة في البرلمان. وقد تسببت الحرب الناجمة عن ذلك في سقوط آلاف الضحايا. كان طالباني مدعوما بقوة من جانب ايران, والحزب الديمقراطي الكردستاني زعم ان الاتحاد الوطني لكرستان يتحرك عبر ايران ليهاجم من وراء خطوطهم. ولجأ برزاني, الذي حشر في الزاوية إلى النظام العراقي في عام 1996. ويقول الوريث الشرعي لزعامة الحزب الديمقراطي الكردستاني نيشرفان برزاني: (للأسف كان هناك اتحاد متناقض بيننا وبين العراقيين) . استمرت الحرب حتى عام 1998 عندما تم التوقيع على اتفاق في واشنطن ينص على تطبيع العلاقات بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني لكردستان وعلى وضع التحضيرات للانتخابات. ولارضاء تركيا, اتفق الطرفان على حرمان حزب العمال الكردستاني من الملاذ الآمن. كما اتفقا أيضا على عدم قيام أي منهما باشراك أو دعوة الجيش العراقي. ويقول طالباني ممازحا: (أعتقد ان الدعوة كانت تتعلق بالحزب الديمقراطي الكردستاني والمشاركة للاتحاد الوطني لكردستان) . هناك علامات على ذوبان الجليد غير وقف اطلاق النار. فقد جرت عمليات تبادل للأسرى في ابريل الماضي. كما انخفضت حدة الهجمات المتبادلة في الصحافة, ومن الصعب حمل قادة الحزبين على تكذيب بعضهم البعض. ويقول طالباني: (لا أريد أن أتحدث عن الماضي لاننا في الوقت الحاضر نشهد تقاربا, ونعقد اجتماعات على مستوى عال مرة أو مرتين في الاسبوع) . لكن معوقات كبيرة لا تزال قائمة. فمسألة تقاسم العائدات لا تزال تسبب مرارة, ولا يزال مسئولو الاتحاد الوطني لكردستان يشتكون من ان الحزب الديمقراطي الكردستاني يخدعهم. ويرد برزاني بالقول انه قد تم تسلم مبالغ طائلة من الأموال للاتحاد الوطني لكردستان في الخريف الماضي. ويقول انه بعد مضي وقت قصير, أعلن طالباني نفسه رئيسا لكردستان في مقابلة مع صحفيين أجانب وبدأ باقامة نظام قضائي منفصل في المنطقة الواقعة تحت سيطرة الاتحاد الوطني لكردستان. ويضيف برزاني: (من ناحية واقعية, فإنه قد قرر نتيجة الانتخابات مسبقا) . يسود جو احتفالي في مدينة السليمانية التي يسيطر عليها الاتحاد الوطني لكردستان. فطلاب الجامعة يجوبون الحرم مستذكرين دروسهم والمتسوقون يملؤون الشوارع الرئيسية. وتكتظ حديقة مائية وبسطات المرطبات وحديقة حيوان بالناس. وتظهر السليمانية علامات عديدة على التعددية التي يقول الأكراد انهم يمثلونها. فهناك لاعبون سياسيون لهم حضورهم مثل الحزب الشيوعي والحزب الإسلامي, الذي يهيمن حاليا على بلدة حلبجة وهم ينتقدون الاتحاد الوطني لكردستان علانية. وبينما تم في منطقة نفوذ الحزب الديمقراطي الكردستاني استبدال جميع صور صدام حسين واحلال صور لمسعود برزاني محلها, فإنه لا يزال هناك القليل من الصور. وقد أعجب مراقبو المنظمات غير الحكومية بنتيجة وشفافية الانتخابات البلدية التي أجريت في فبراير الماضي مع ان الاتحاد الوطني الكردستاني فاز بكثافة كما كان متوقعا. ويدرك طالباني المصداقية التي اكسبته إياها هذه الانتخابات. وهو يعلم أيضا ان تحالف برزاني القصير مع صدام حسين كلفه خسارة سياسيا. وعلى بعد بضعة أميال خارج السليمانية يعيش الألوف ممن يمثلون أعظم المعوقات أمام التطبيع بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني. ففي خيم مؤقتة مزودة بحفر مكشوفة للتخلص من النفايات, تعيش عائلات كردية مهجرة على حصص غذائية تقدمها الأمم المتحدة. وهذا المخيم الخاص يدعى (كركوك الجديدة) وذلك لان الأشخاص الذين يطردون من كركوك على يد الجيش العراقي يصلون إلى هنا بالعشرات في كل يوم تقريبا. وتقول لاجئة تدعى صبرية محمود (38 عاما) كانت قد احتجزت لمدة شهر في سجن عراقي قبل أن يتم ترحيلها من كركوك: (أفضل أن أعيش هنا لوجود الحرية. ولكن في يوم من الأيام أتمنى أن أعود) . وهناك حوالي 900.000 لاجئ داخلي - يشكلون ثلث عدد سكان المنطقة - موزعون في أنحاء كردستان العراقية. وبعضهم تعرض للترحيل مرات عدة في السنوات العشرين الماضية بفعل العنف بين الأكراد هنا أكراد تركيا. والبعض لا يستطيع العودة إلى بلده لان الأرض لا تزال مزروعة بالألغام. ففي كل شهر يتعرض حوالي 200 شخص للقتل أو التشويه بفعل الألغام, حسبما تقول فرق نزع الألغام التابعة للأمم المتحدة. وبعضهم لديه أفراد عائلة يعملون جنودا لصالح طرف أو آخر وهم عالقون على الجانب الخاطئ من خط وقف اطلاق النار. ويعتبر اللاجئون الذين يتدفقون من كركوك اشارة تذكير للأكراد بأن الجيش العراقي لا يزال يقوم بعمله (على الرغم من ان الجنود يحصلون على رواتب متدنية جدا حتى انهم يقومون أحيانا ببيع سلاحهم لحراس الحدود الأكراد). وفي حين تنبأ البعض بتدهور انتاج حقل كركوك النفطي, الا انه لا يزال ينتج حوالي 40% من نفط العراق الذي يتم تصديره بموجب القرار 986. ويبدو ان الحكومة العراقية ماضية في حملتها الهادفة إلى تحويل كركوك إلى مدينة مختلفة عما كانت عليه في السابق. ترجمة: ضرار عمير ، عن ديفيد لورنس في ميدل ايست ريبورت