يعتبر المندوب الأمريكي لدى الأمم المتحدة ريتشارد هولبروك المرشح الأقوى ليكون وزيرا لخارجية المرشح آل جور إذا فاز بالانتخابات الرئاسية الأمريكية في نوفمبر المقبل. وكان الرئيس الأمريكي بيل كلينتون قد بدأ زيارة لافريقيا وصلت إلى محطتها الأخيرة مؤخرا. ولايضاح وجهة النظر الأمريكية حول الأوضاع الافريقية الراهنة ودور الأمم المتحدة في هذه القارة أجريت صحيفة (لوس أنجلوس تايمز) الأمريكية هذا الحوار مع هولبروك. وعلى امتداد الحوار يؤكد هولبروك ان أداء الأمم المتحدة لا يمكن وصفه بأنه في أفضل أحواله لكنه يظل مع ذلك شيئا لا سبيل إلى الاستغناء عنه وبخاصة في وضع نهاية للصراعات التي تزداد عمقا وضراوة ومأساوية في مختلف أرجاء افريقيا. وهو يرى ان التناقضات التي تتخلل نسيج أداء المنظمة الدولية في افريقيا شأن مناطق عديدة أخرى من العالم لا سبيل إلى علاجها إلا باصلاح الأمم المتحدة وليس بتقليص دورها. * في آخر زيارة للرئيس الأمريكي بيل كلينتون إلى افريقيا عام 1998 تحدث عن (عصر نهضة افريقية) . لكن أحدا لا يذكر ذلك الآن, بعد الحرب الدموية التي نشبت بين اثيوبيا واريتريا وحوادث ارتهان جنود الأمم المتحدة وتقطيع الأوصال في سيراليون وتدهور الوضع في الكونغو ووصوله إلى حافة الانفجار. بل انك وصفت تشارلز تايلور الزعيم الليبرالي الذي ساند المتمردين في دولة سيراليون المجاورة بأنه (ميلوسيفيتش افريقيا) . ما الذي حصل في هاتين السنتين؟ ـ من الخطأ النظر إلى المأساة الراهنة في سيراليون باعتبارها نموذجا لافريقيا بأسرها أو نموذجا يجد فشل مهام حفظ السلام برعاية الأمم المتحدة. إذ ان أجزاء من افريقيا بما فيها بعض أكبر الدول الافريقية قد أظهرت تقدما في أوضاعها, فدول مثل جنوب افريقيا ونيجيريا وبوتسوانا وموزامبيق وغانا ومالي وحتى الجزائر هي في حال أفضل اليوم مما كانت عليه سابقا. لكن شأن ما شاهدناه في أوروبا وجنوب شرق آسيا على السواء, اندلعت الأزمة في افريقيا من فراغ السلطة الذي أحاط بدول تتعرض حدودها الجغرافية والعرقية للنزاع, خصوصا حينما تكون ثروات هائلة مهددة بالخطر كما هي حال أنجولا والكونغو وسيراليون. وهذه الحروب فيما يمكن اعتبارها جزئيا من تركات الماضي, إلا ان من الواجب النظر إليها باعتبارها نتيجة لدرجة كبيرة من السلوك الديماغوجي الذي يمثل قوى الجشع والظلام. وفي حالة الجبهة الثورية الموحدة في سيراليون فإننا نتحدث عن أناس أشرار حقا. تلك المأساة كانت فظيعة. وفي هذا السياق أرى ان الحال في الكونغو وسيراليون مشابهة جدا للحال في البلقان. والأوروبيون ليسوا بالمثال الجيد الذي يضرب للأفارقة. فقد مزقوا أنفسهم وفق الحدود والعرقيات مرارا وتكرارا خلال القرن الأخير. ثانيا: هناك استفحال مرض الايدز, وهو المشكلة رقم واحد في افريقيا اليوم. نعم برأيي الشخصي هذه هي المشكلة الأولى في العالم المعاصر. الايدز هو الكارثة الصحية الأسوأ خلال القرون الستة الماضية, إلا انها أكثر من مجرد كارثة صحية لانها تهدد أيضا النسيج الاجتماعي والاقتصادي والسياسي للعديد من الدول وبشكل أساسي, لكن ليس حصري, في القارة الافريقية. * لقد فرضت الأمم المتحدة حظرا على تجارب الماس مع انجولا وسيراليون لايقاف هذه التجارة الشيطانية التي تذكي نار الحرب. هل الاجراء هذا فاعل حقا؟ ـ لا يزال الوقت مبكرا جدا للاجابة على هذا السؤال. إن قرار مجلس الأمن بخصوص تجارة الماس وهو الأول من نوعه في التاريخ كان يجب اصداره قبل عام مضى. لكن على الرغم من المماطلة يظل القرار الدولي خطوة في الاتجاه الصحيح. مع اننا الآن فقط بدأنا بوضعه موضع التنفيذ. ومن الخطوات المهمة المتخذة بهذا الصدد هي قرار جرائم الحرب في سيراليون. وبفعل هاتين الخطوتين أصبح الخناق يضيق حول عنق أولئك الذين في افريقيا من أمثال تشارلز تايلور في ليبيريا وفوداي سنكوه في سيراليون الذين تتجاوز نشاطاتهم الحياة المدنية فقط. إن تجارة الماس هي من بين أكثر التجارات غموضا وأعصاها على الفهم في العالم. ولا أستطيع أن أضمن بأن الحظر سوف يفلح. وإن لم ينجح فإن على الأمم المتحدة وبالتعاون مع الدول الافريقية عليها المضي قدما أكثر من ذلك كأن تفرض مثلا حظرا على السفر. وليس لدي أي شك بأننا سننظر في اتخاذ اجراءات اضافية ضد ليبيريا وغيرها من الدول التي تسيئ لأهداف الاستقرار في افريقيا. والرئيس كلينتون قد ناقش ذلك مع الرئيس النيجيري أوليسيجون أوباسانجو. * أعلنت الأمم المتحدة عن خططها لتدريب قوات نيجيرية للقيام بعمليات حفظ السلام في سيراليون. هل ستكون هذه القوات هي النواة لقوة حفظ سلام افريقية في المستقبل؟ ـ أنا لا أرى هذه القوات كذلك على الرغم من وجود صلة واضحة بين الموضوعين. هناك هدفان لهذه الخطط. الأول هو توفير وحدات جاهزة للانتشار ضمن قوة الأمم المتحدة في سيراليون. لكن هذا البرنامج ليس محصورا بسيراليون وحدها فقط. إنما هي خطوة لتعزيز الديمقراطية والجيش المحترف في نيجيريا عبر تجهيز القوات النيجيرية وتدريبها وتعليمها المبادئ الديمقراطية للسيطرة المدنية على الجيش الذي كان مصدر الانقلاب في السابق. وكلا الهدفين يتعاملان مع قضية الاستقرار الاقليمي ولا يمكن فصل أحدهما عن الآخر. وسيغطي برنامج التجهيز والتدريب خمس كتائب على الأقل في نيجيريا كما سيتوسع ليشمل غانا ودولة أخرى قد تكون السنغال أو مالي. * هل توافق على ما ذهب إليه وولى سوينيكا الحائز على جائزة نوبل في الأدب من ان أي قوة افريقية حصريا سينظر إليها في سيراليون وغيرها على انها غطاء لمخططات هيمنة أو عملية دافعها ثروة الماس وان قوة محايدة ليست بذات مصالح تابعة للأمم المتحدة فقط يمكن لها أن تنجح؟ ـ هذا هو أكثر الجوانب مراوغة وتعقيدا في جهود احلال السلام في المنطقة. نحن نريد امتلاك قوة للأمم المتحدة تتضمن أفارقة وليس مجرد قوة من افريقيا الغربية بسبب النقطة ذاتها التي يشير إليها سوينيكا. هناك بعض الاتهامات ذات الأرضية الواضحة في آخر مشاركة لمثل هذه القوات أواسط التسعينيات بأن سلوك العسكر النيجيريين كان أقل من أن يكون مثاليا حينما سيطروا على مناجم الماس التي كانت تابعة للجبهة الثورية الموحدة في سيراليون. لكننا نواجه معضلة قوامها العديد من أعضاء الكونجرس الأمريكي يريدون أي قوة تدخل سيراليون أن تكون قوة افريقية وليست قوة تابعة للأمم المتحدة كما ان الأمم المتحدة نفسها لديها شكوكها فيما إذا كانت قواتها قادرة على تنفيذ أي عمليات عسكرية هجومية. وفي المقابل تتمتع مخاوف سوينيكا بمصداقية عميقة. ومن هنا فإن علينا حل هذا التناقض فالأمم المتحدة غير واثقة من مقدرتها على القيام بالمهمة, ان الكثيرين غير متأكدين من محاسن ترك هذه المهمة بأكملها لقوة افريقية فقط. ويجب أن نتذكر ان قوام القوة الدولية في سيراليون لا يتشكل من النيجيريين فقط بل يضم أيضا هنودا وبنغاليين وأردنيين وآخرين. نقطة أخيرة أريد الاشارة إليها وهي ان جهود حفظ السلام الدولية قد تعرضت للنقد لطريقة تنفيذها. ولهذا فإن أمام المجتمع الدولي الآن خيارين أساسيين اثنين اما أن نرفع أيدينا ونترك الأمر للأمم المتحدة لوحدها وفي هذه الحالة فإن أوضاعا كالتي في سيراليون ستصبح أسوأ وتخرج عن نطاق السيطرة وتورط فيها دولا أخرى أو اننا يجب أن نحاول أن نحسن من أداء الأمم المتحدة. ووجهة النظر الأمريكية بهذا الصدد واضحة وهي ضرورة اصلاح الأمم المتحدة بهدف انقاذها. نحن نريد تعزيزها وليس التخلي عنها. نريد استثمار المزيد فيها لتتمكن من النجاح بالقيام بدورها لكننا بحاجة لأن نطورها فنكسبها معايير أرقى في الأداء. قد تكون الأمم المتحدة معيبة, لكنها تتمتع بدور ضروري لا يمكن التخلي عنه. وهذا لا يتمتع بقدر من الوضوح في العالم كما هو في افريقيا. لا نستطيع أن نخلي نفسنا من المسئولية. خدمة لوس أنلجوس تايمز ، خاص لـ البيان