مليون قرية تتحول إلى أقوى عناصر نهضة الصين بحشد مليار فلاح ، سبعة عناصر تقف وراء عرقلة إنطلاق بكين لسبق باقي عواصم العالم يعد السيناريو في جوهره رؤية احتمالية ترجحها عوامل بعينها, وبالتالي فهو ليس نبوءة ولا رؤية مؤكدة للمستقبل, وينبثق السيناريو من الدراسة المتعمقة, والرؤية التأملية, لخطوط في الحاضر, يرجح انها ستستمر في النمو والامتداد, لتصوغ المستقبل. وحتى نعطي صورة المستقبل القدر الممكن من الوضوح, فإننا نعطي قدرا معقولا من الوصف التفصيلي, ولكن في غير ما اغراق ولا استطراد لأن الغرض هنا هو الايضاح فقط, لا الجزم, بل ومن دون ترجيح أن كل التفصيلات الواردة أدناه هي ما سيتمخض عنه مستقبل الصين. في نقض جريء لافتراضات نظرية التحديث التي تقول بأن الطريق الوحيد للنهضة والتقدم, هو تقليد خطوات النهضة الحديثة التي حدثت في أوروبا وأمريكا, فإن الكاتبين يتحدثان في السيناريو الأول عن نهضة الصين عن غير طريقي التحديث والتغريب.. فماذا يتوقعان؟ ملامح الصين المقبلة إن ملامح الصين المقبلة هي ملامح مجتمع ضخم, مؤسس على القرى لا المدن, وهو مجتمع يقوم على اللامركزية, ولا تربط بينه إلا وسائل الاتصالات الحديثة. وهكذا ستقفز الصين من مرحلة المجتمع الزراعي, إلى مجتمع عصر المعلومات, من دون المرور بمرحلة المجتمع الصناعي, التي مر بها الغرب. وسيعجب دعاة الحفاظ على البيئة كيف استطاعت الصين معالجة مسائل تلوث البيئة, وبناء اقتصاد نظيف, لا يستهلك إلا الحد الأدنى من الصلب, والفحم, والبترول, والطرق, والجسور, وكيف استطاعت أن تستخدم طاقات نحو مليار فلاح من أجل تحقيق النمو الاقتصادي الجديد, ولم تعتمد فقط على طاقات الطبقة البرجوازية كما حدث في الغرب, وبذلك استطاعت الصين أن تحقق نهضتها من غير أن تتغرب أو تقلد خطوات الثورة الصناعية تقليدا أعمى بلا تبصر. إن قرية جيوجيانج الصينية على سبيل المثال لا تبدو مثلما كانت منذ ربع قرن مضى, ذلك ان الرجال المسنين الثلاثة الجالسين بملابسهم الأنيقة, على أرائك المقهى, تبدو عليهم مؤشرات الحبور, ويتحدثون في مرح عن كيف حدث هذا التغيير. صحيح انه أخذ وقتا طويلا, ولكنه حدث في النهاية, وهم يتحدثون حتى إلى باحث غربي يحاول أن يستقصي أسباب التحول, ولا يبالون بأن يلتقط أحد ما يقولونه, فقد سمحت لهم الحكومة بأن يقولوا أي شيء, بشرط ألا ينتقدوها جهرا بلفظ صريح, وهم بالكاد يجدون شيئا ينتقدون به الحكومة, بعد أن حققت لهم كل هذا الانجاز. إن أعظم ملمح من ملامح هذا التغيير هو أن يجلس هؤلاء الرجال الثلاثة في المقهى, في منتصف النهار. لقد تقاعدوا عن العمل, وهكذا أصبح في الصين ما يسمى بالتقاعد عن العمل, فقد كان الرجل يظل يكدح ويكدح إلى أن يموت ويدفن في الأرض, ولكن الأشخاص الثلاثة المسنين يمضون الوقت في الحديث المنطلق, وفي لعب الورق, والتخطيط لرحلة قصيرة يزمعون القيام بها عن قريب. وعلى مقربة من ذلك المقهى, تتزامن البيوت التي قدم منها هؤلاء الكهول, وهي بيوت شيدت بالطوب, ولا يوجد بينها بيت عمره أكثر من عشرين عاما, وبعض تلك البيوت شيد من طابق واحد, وبعضها من طابقين, وتخترقها شوارع قليلة, تخترقها السيارات, والدراجات البخارية, وعلى حواف تلك الشوارع تنتشر المحال التجارية, التي تعرض بضائع مختلفة الأشكال والأنواع, بعضها صنع في الصين, وبعضها استورد من أنحاء العالم الأخرى, وتحوم نساء وبنات كالفراش الملون, يتخيرن ما شئن من المعروضات. لقد كنا نسمع بوجود مثل هذه الحياة من قبل في اقليم كاندونج, على ساحل الصين الجنوبي, قبالة هونج كونج, وفي اقليم فيوجيان قبالة تايوان, لقد رأينا مناظر تلك الحياة هناك عندما اقتنينا أول جهاز تلفزيون في 1995. وما كنا نحلم قط بأن ينتقل ذلك النمط الحياتي إلى هنا, ولكنه انتقل أخيرا. لقد بدأ ذلك عندما أصبح أفراد قلائل منا أغنياء وشيئا فشيئا صرنا جميعا أغنياء. لقد عشنا نحن زمانين. همس بذلك أكثر الرجال الثلاثة تقدما في العمر, أما هؤلاء الشباب فإنهم لا يعرفون كيف كنا قبل هذا التحول العجيب. إنهم يأكلون الآن, ويلبسون ثيابا أنيقة ويسكنون الدور الفاخرة, ظانين ان هذه هي طبيعة الحال من قديم الأزل, ولا يدرون اننا كنا نكافح من قبل من أجل لقمة تسد الرمق لا غير. من هو هذا الذي أدار قرص ذلك التحول الجبار؟ هنا بدأ الرجال المسنون الثلاثة يتكلمون في وقت واحد معا مشيرين بأصابعهم إلى المبنى ذي الطوابق الثلاثة, أمام المقهى, الذي تعلوه لافتة تقول: المصنع رقم واحد بجيوجيانج. وتحت اللافتة نصبت صورة ضخمة, تحتها نقشت العبارة التالية: كل هذا بفضل الزعيم الأعظم دنج هسياوبنج. وبالطبع, فإن هنالك مبان أخرى أصبحت تنتشر في المدينة, وتضم في داخلها أدق المصانع وأروعها, هكذا استدرك الرجل ضئيل الجسم واسن القوم. فأجاب الآخران: بالطبع, بالطبع, ان هنالك نحوا من مئتي مصنع بالمدينة الآن, كما ان هنالك الكثير من المواطنين, أصبحوا يعملون من داخل بيوتهم, ويصنعون أشياء بديعة. البدء بالأحذية بدأ الرجل الثالث يدعو القوم للاصغاء إليه, وهو يسترجع صفحات التاريخ القريب, لقد بدأ كل ذلك في 1995 عندما بدأنا نعمل في صناعة أحذية (نايكي) ثم بدأنا نقلد تلك الصناعة, واستفدنا من بعض مدخراتنا لنشتري معدات حديثة لتلك الصناعة, ثم اتجهنا لصناعة الأشرطة المدمجة أي لنطبقها من جديد, ثم نشحنها إلى الخارج بأرخص الأسعار, وبمطلع 1999 تفرغت القرية بكاملها لصناعة أجهزة الكمبيوتر, وذلك عندما نبغ بعض صغارنا, في فهم أسرار تلك الصناعة الغامضة, وهكذا أصبحنا أخيرا مجتمعا قرويا لصناعة الالكترونيات! والآن فإن علينا أن نفكر في دخول صناعات أخرى أحدث, قالها الرجل ضئيل الجسم, وانتظر من يجيب عليه فتصدى له أحدهم, وكان استاذا في الجامعة, قبل تقاعده, فقال: اننا يجب ألا ننتظر لجان الحكومة لتفكر بالنيابة عن قريتنا, ان على تلك اللجان أن تحصر فكرها في انقاذ الشركات التي تملكها الحكومة, إن علينا أن نضبط الخطط, وسنجد دائما من هو مستعد لتقديم التمويل, فقد عودنا جهات التمويل ألا نخذلها قط. فهنا ليس ثمة شخص يعلن افلاسه أبدا لانه لا مجال لذلك مهما كان. ان كل شخص منا لديه احتياطيات أموال خارج مجال عمله يحفظها كأسهم في شركات أخرى, لذا فإذا فشل في عمله, فإن له رصيدا احتياطيا يدفع منه خسائره. واضافة لذلك الرصيد, فإن كلا منا يعمل مع أفراد من أسرته الممتدة, لا سيما أبناء عمومته وخئولته, وهم على أتم الاستعداد لمعاونته وقت الحاجة هكذا تطوع أحدهم لاكمال اجابة من سبقه في الحديث, ثم استطرد آخر ليقول: ولا تنسوا ان الكثيرين منا لا يعملون في مكان واحد, فهم يعملون في الحقول, ثم في المصانع بعد ذلك ثم في البيوت أخيرا, إننا لم نعد نعمل كما كنا في سالف الأوان في مكان واحد بحيث ينتظم الواحد منا في خدمة الحكومة, ثم ينتظر مرتبه في آخر الشهر, وإنما هنالك بدائل شتى اليوم, كلها متاح أمام الناس.. وبقدر ما يختار المرء وظائف أكثر, ويعمل أكثر, ينال أكثر نصيب من الدخل. وفي نشوة غامرة نقل أحدهم الحديث إلى أفق آخر: ألا ترون كم نحن سعداء الآن بخدمة الانترنت, إننا لا نضطر إلى السعي في مناكب الأرض, ولا البحث عن الزبائن, ولا حتى تصميم الاعلانات, وإنما نضع المعلومات الكافية على الانترنت وعن طريقها نجد الزبائن, وعن طريقها أيضا نشتري ونبيع. ألا نفهم الصين؟ ما أضيق تفكيرنا نحن الغربيين, إننا نصر على حشر العالم كله في اطارنا, وننظر إليه بمنظارا, وهكذا أخطأنا فهم الصين. إننا حتى قبل ربع قرن فقط كنا نصر على أن ثمة مشكلات وعوائق كبرى ستحول دون نهضة الصين بهذا الشكل, وظننا ان أهم تلك المشكلات والعوائق هي: 1 - تناثر الصينيين في القرى لا الحواضر (حوالي مليون قرية في الصين). 2 - وجود فوارق طبقية كبيرة لا تعبر ولا تجسر بين سكان القرى والريف, وبين سكان الساحل الجنوبي وسكان بطن الصين. 3 - رعب الصينيين من احتمال تمزق بلادهم, وهو الرعب الذي يدفع بهم دوما لتفضيل وجود حكومة أوتقراطية قوية مستبدة. 4 - عدم وجود حاكم قوي على غرار دنج هسياوبنج يحقق وحدة الصين ونموها. 5 - ضعف البنيات الأساسية وتخلف الصناعات الثقيلة. 6 - ضعف أو ربما انعدام أي نظام قانوني واضح التفصيل, لا سيما في جانب المعاملات المدنية. 7 - جنوح الشعب للاحتماء بذوي الأرحام والعلاقات الأسرية, عكس ما في الغرب من التفكك الأسري, الذي يدفع بالناس لانشاء مؤسسات المجتمع المدني التي نظنها عماد الديمقراطية والحضارة الحديثة. إن الصين بعد ربع قرن فقط لم تستطع أن تحل تلك المشكلات فقط, بل أثبتت انها لم تكن مشاكل قط, وإنما كانت نواحي قوة للمجتمع الصيني الجديد! فشل السيناريو إن هذا السيناريو الزاهر الذي استعرضناه هو مجرد سيناريو فقط, وبالتالي فهو يمكن أن يحبط أو ينهار, فماذا لو فشل السيناريو أو لم يتحقق؟ جلس عجوزان صينيان بائسان بالمقهى, وبالكاد استطاعا أن ينطقا للاجابة, عبر مترجم, على أسئلة الباحث الغربي الذي أتى يستطلع أسباب هذا الاخفاق. قال صاحب القبعة, حليق اللحية: لماذا البحث في شأن حلم منهار؟ ولكن القصير ابتسم بمرارة قائلا: ان عمدة القرية هو الذي سبب هذا الدمار, فقد دأب على حشر أنفه بشئوننا, وأصر على أن ننتج بضاعة بائرة في الأسواق العالمية, كما انه أهمل وظيفته الأساسية في تحسين المرافق, والطرق, التي نحتاجها لجلب المواد الخام, وارسال البضائع المنتجة إلى الموانئ. وهنا تدخل الرجل العبوس الذي رفض الافصاح أول مرة عن اسمه فقال: ولا تنس ان العمدة وحكومته أفسدا فسادا بليغا باختلاسهما لكثير من الأرباح. وتذكر القصير عاملا آخر, فقال: ان العمل في الصناعات المربحة أغرى الناس بترك الزراعة, فلم يعد يعمل بها إلا القلائل, فانهارت المحاصيل, وزادت أسعارها, الأمر الذي دفع الكثيرين للعودة للعمل بالزراعة, فعادوا إليها, فرجعت الأسعار تتدنى من جديد, وحاقت الخسائر بالكثيرين, ثم لم يعد أحد يعمل بالزراعة, الأمر الذي وضع البلاد على حافة المجاعة في عام 2005م ألا تتذكر ذلك؟ لقد ثارت يومها التظاهرات وحطم المتظاهرون الحمقى المصانع والمتاجر والبنوك, واعتبروها أصل هذا الفساد الذي طرأ وعم البلاد والعباد! ولكنكم ما زلتم تحتفظون بالمصنع؟ سأل الباحث أولئك الرجال, فأجاب أحدهم: نعم, ولكنا نستغله الآن كمكان لحفظ الأرز والقمح حتى لا نجوع مرة أخرى, كما حدث قبل سنوات! كانت قرية جيوجيانج بمثابة تجربة لتحقيق حلم النهضة الصينية, الآن سرعان ما تحقق, ثم انهار.. ولم يحدث ذلك في جيوجيانج وحدها بالطبع, وإنما عمت الكارثة كل الريف الصيني, فعاد لسالف عهده بالفقر وشح الغذاء والمنتجات. ان تدخل الدولة وسيطرتها يمكن أن يمثل عامل التدمير الأول لسيناريو نهضة الصناعات في قرى الصين. لقد نجحت خطة مارشال الأمريكية نجاحا مذهلا في استنقاذ أوروبا من حطام الحرب العالمية الثانية, لان أمريكا قدمت رأس المال, كما قدمت الاشراف المالي والخبرة التنفيذية, ولكنها لم تتدخل أبدا في التفاصيل, وتركت الأوروبيين يفعلون ببلادهم ما يفعلون. والآن فالمطلوب من الحكومة الصينية هو أن تحتذي ذاك الحذو, فتكف عن التدخل في كل صغيرة وكبيرة من شئون بناء المستقبل لشعب الصين. والآن هل ما زلتم مشغولين بحقوقكم الإنسانية والاقتصادية يا أهل القرية؟ أجاب كبيرهم ذو اللحية بابتسامة ذات مغزى إن الحق الوحيد الذي يهمنا الآن هو حق أن نأكل ما يقيم الأود.
