بدأت الخطوات الحكومية في سوريا بالظهور تدريجيا لتؤكد الانباء التي تتحدث عن زيادة وشيكة في رواتب واجور العاملين بالدولة, فبعد اجتماع اللجنة الاقتصادية الحكومية مؤخرا برئاسة الدكتور محمد مصطفى ميرو رئيس الوزراء ، والتأكيد على اعداد الدراسة اللازمة لزيادة الرواتب والاجور للعاملين ضمن السياق العام لعملية الاصلاح الاقتصادي والاصلاح الضريبي واصلاح الاجور بحيث تكون الزيادة جزءا من عملية اصلاح الاجور تستكمل لاحقا لتحقيق التوازن بين الدخل والانفاق لجميع الموظفين والعاملين في الدولة ولجميع المواطنين وذلك ضمن الامكانيات المتاحة, ايضا بدأت الصحف الرسمية ووسائل الاعلام الاخرى بتناول هذا الموضوع ايضا, اذ قالت صحيفة (البعث) ان المعالجات وضعت على نار حامية وان الزيادة بنسب معقولة ومقبولة وضمن الظروف الاقتصادية الراهنة التي تمر بها سوريا وكخطوة اولى على هذه الطريق لن تتأخر وسوف ترى النور قريبا جدا واضافت انه اذا علمنا ان كتلة الرواتب والاجور في الموازنة العامة للدولة تصل الى 75 مليار ليرة سورية, وان الزيادة المقترحة لن تكون اقل من 25 مليار ليرة سورية فان نسبة الزيادة كخطوة اولى تكون معقولة ومقبولة بخاصة اذا اضفنا 50 مليار ليرة سورية رصدت فعليا لمعالجة مشكلة البطالة وتوفير فرص لكل القادرين على العمل. وترى اوساط اقتصادية ان خطوة زيادة الرواتب والاجور التي يجري الحديث عنها ضرورية وهامة ويفترض ان تكون نسبتها معقولة ومناسبة لاصلاح التشوه الحاصل بين الاسعار والدخول وتؤكد ان من شأن ذلك الاسهام في تفعيل القوة الشرائية في الاسواق وبالتالي التخفيف قدر المستطاع من حالة الركود الاقتصادي الذي يضرب الاسواق السورية منذ خمس سنوات تقريبا, ورفع المستوى المعيشي والاقتصادي بملايين الافراد والاسر السورية التي تعتمد في مواردها وتلبية احتياجاتها على ما تحصل عليه من رواتب شهرية, كما يمكن لهذه الزيادة من المساعدة في مكافحة عمليات الفساد والرشوة, الاان العديد من الاقتصاديين يربطون تحسن وضع المواطن الاقتصادي اضافة الى زيادة الرواتب والاجور بكثير من الاجراءات ابرزها الاصلاح الضريبي ورفع سقف الشريحة المعفاة من الضريبة ومن ثم رفع دعم الدولة للسلع والخدمات الاساسية مثل مواد الخبز وبعض المواد التموينية الاخرى والوقود والكهرباء والمياه وغيرها. ويوضح رياض سيف عضو مجلس الشعب ان مقارنة بين الرواتب في سوريا ومثيلاتها في لبنان الشقيق يظهر بوضوح حجم خطورة التشوهات التي اصابت بنية الرواتب في سوريا, ان الخلل في بنية الرواتب لا يمكن اصلاحه عن طريق زيادة عامة بنسبة 30 او 40 او حتى 100% من الرواتب الحالية, بل لابد من ان نقوم بفرز وتحليل اسباب تلك التشوهات ومعالجتها كلا على حدة ويمكننا ارجاع الخلل في بنية الرواتب الى سبعة عوامل هي: ـ التآكل بعامل التضخم ففي فترة محددة ارتفعت فيها الاسعار بمتوسط 80 ضعفا حتى عام 2000 زادت الرواتب 20 ضعفا لرواتب الحد الادنى و 6 اضعاف لرواتب الحد الاقصى اي انه لم يتبق من القيمة الحقيقية للراتب سوى 25% من رواتب الحد الادنى و 8% فقط من رواتب الحد الاعلى. ـ الخلل في نسبة الزيادات الاربع بين عامي 78 ـ 87 وفيها كان مجموعة الزيادات التراكمية للحد الادنى 254% من اصل راتب عام 78 بينما بلغت الزيادات للحد الاعلى 46% فقط في نفس الفترة, مما جعل راتب المدير لا يزيد كثيرا على راتب حاجبه وقد يساويه او يقل عنه لان الفارق بين الحد الاعلى والادنى تقلص من سبعة اضعاف قبل الزيادات الى 2.7 ضعف بعدها. ـ وضع سقف للراتب وانه يجافي المنطق, حيث لا سقف لعطاء الموظف الذي يجب ان يزيد كلما زادت خبرته وتجربته في العمل, كما ان هذا السقف يقضي على الحافز الضروري لتحسين اداء الموظف. ـ تجميد تعويضات المسئولية منذ عام 1985 بحيث جعلها التضخم مبالغ رمزية لا قيمة لها فافرغها من مضمونها كحافز لتحمل المسئولية. ـ حساب العمل الاضافي ومهمات السفر والاقامة قياسا الى رواتب عام 1978. ـ ضريبة الرواتب والاجور فقد حدد مرسوم عام 1949 الحد الادنى المعفى بـ 100 ليرة و 5% ضريبة حتى 1000 ليرة ويدفع الموظف حاليا 11% عن راتب 5000 ليرة مع ان القيمة الحقيقة لـ 5000 ليرة عام 2000 هي اقل من قيمة الـ 100 ليرة عام 1949. ـ التعويض العائلي, كان مبلغ التعويض العائلي 25 ليرة من عام 83 وما زال هذا التعويض ثابتا على الرغم من التضخم وتغير المعطيات الداعية لتنظيم الاسرة. ويؤكد سيف ان النتيجة الطبيعية لكل هذه العوامل هو ضعف الاقتصاد وتدني حصة الفرد من الناتج القومي الصافي, فعلى الرغم من ان سوريا تنتج 650 الف برميل من النفط يوميا, وتبلغ حصة كل مواطن من الاراضي الصالحة للزراعة 4 دونمات, فان متوسط حصة الفرد من الناتج القومي فيها لا يتجاوز 850 دولار بينما تبلغ حصة الفرد في لبنان 3248دولار وفي تونس 2300 دولار وهذه الارقام تعكس بشكل واضح نتائج استفحال البطالة المقنعة وتدني المردود الناتج عن الاحباط وان اضافة زيادات سنوية على كتلة الرواتب والاجور بمبلغ 40 مليار ليرة سوف لن يضير الموازنة. يذكر في هذا السياق ان الفائض في موازنة العام 2000 والمقدر بحوالي 50 مليار ليرة (1 مليار دولار تقريبا) وضع تحت تصرف هيئة تخطيط الدولة لمكافحة البطالة وايجاد الحلول السريعة لها من خلال تقديم قروض ومساعدات مالية لخريجي الجامعات والمهنيين والفنيين لاقامة مشاريع وورش فردية بسيطة, وتم اضافة حوالي 15 مليار ليرة من صندوق توفير البريد و 15 مليار ليرة اخرى من مصرف التسليف الشعبي ليصبح المبلغ بذلك حوالي 80 مليار ليرة (1.5 مليار دولار تقريبا). الا ان وجود نحو 100 مليار ليرة (2 مليار دولار) في الموازنة العامة كمبلغ يخصص للطوارىء كما قالت بعض المصادر يحيى الآمال بزيادة الرواتب والاجور والتي يعتبرها البعض احد اهم القرارات التي سوف يتخذها الرئيس السوري الجديد الدكتور بشار الاسد في اطار اهتمامه بالمواطن وتحسين وضعه المعيشي, لاسيما وانه في عهد والده كان الاكثر دعوة الى تحسين المستوى المعيشي في سوريا ومنح الرجال الشرفاء فرصة العمل والقيادة لتطبيق هذا الطموح.