يعتبر مجلس مدينة نيروبي بريئا بموجب قوانين عام 1961, وفي اطار قوانين منع الازعاج العام, فإن المادة الثانية من أبرز هذه القوانين تنص على ما يلي: (لا يجوز لأي شخص أن يسمح لحيوان ما بالتجول بحيث يعيق حركة المرور أو المشاة) . غير ان هذه المادة من القانون يجري, في الآونة الأخيرة, انتهاكها يوميا دون توجيه أي اتهام لمرتكبي هذه الجريمة. وخلال العام الماضي, كان على المشاة وسائقي السيارات في العاصمة الكينية أن يتقاسموا الطرق السريعة والشوارع والممرات الضيقة مع قطعان الحيوانات. وعلى الرغم من ان هذه الظاهرة قائمة أيضا في مدن رئيسية أخرى, إلا ان نيروبي تعتبر الأكثر تضررا. والآن, تهيم ألوف من رؤوس الماشية بحرية في منازل المدينة ومراكز التسوق, حيث ترعى في بساتين الخضر وأحواض الأزهار ومروج الأعشاب من دون أدنى اكتراث من جانب الرعاة بمالكي هذه الأماكن. ويتم العثور على الماشية السائبة وهي ترعى في كل أرض مكشوفة في المدينة تقريبا, بما في ذلك الحدائق الشخصية والمقابر وجوانب الطرق. ومع ان السكان يحتجون بشدة على هذه الظاهرة, إلا ان الماشية تواصل تدفقها من مقاطعة كاجيادو المجاورة وضواحي أخرى في المدينة. ويعلق أحد سكان المدينة قائلا: (في البداية, كانت الحيوانات قليلة, أما الآن فإن أعدادها قد تضاعفت. وما يدهش في الأمر هو الطريقة التي دفنت بها السلطات المعنية رؤوسها في الرمال بينما تقوم الماشية باقتحام المجمعات السكنية الخاصة بالناس, وتدمر الأزهار والخضرة, وتترك المكان في حالة يرثى لها. أما منظر الخضرة الذي كان يزين المباني فيحل محله بشكل تدريجي لون الأرض البني) . ويشعر سكان آخرين في المدينة بالغضب من منظر المواشي التي تشارك الناس والسيارات في الطرقات, بينما يفقد الآخرون أعصابهم من مرأى روث البقر الحديث ورائحته. ويعرب أصحاب الأراضي الواقعة بالقرب من مطار ويلسون عن شكواهم من ان رعاة قبائل الماساي يقودون قطعانهم عن قصد إلى الحدائق, ويهددون الناس بالحراب والسيوف لاسكاتهم وحملهم على السماح للماشية بالرعي في أرضهم. لكن أحد الرعاة يبرر عملهم هذا بالقول ان معظم الناس يزرعون الأرض على جوانب الطرق, بحيث لا يتركون مجالا للمواشي كي تمر. معظم سكان المدينة يريدون أن يتم ابعاد الرعاة عن المناطق السكنية, وهم يقولون ان الماشية أصبحت تشكل مصدر ازعاج, حيث يقوم بعضها بنطح الأطفال الذين يلعبون في ساحات منازلهم. ويقول كيفين ماويو, وهو صاحب ملحمة في كايول: (لقد فقد الرعاة السيطرة على ماشيتهم, حيث انهم يتنقلون في المكان بأعداد كبيرة من الماشية لا يمكن السيطرة عليها, مما يؤدي بالتالي إلى خسارة في الأملاك وشبه خسارة في الأرواح. وهو يقول ان الأطفال في خطر لانهم لا يملكون ساحات لعب مسيجة. وبالتالي, فإن بعضهم تهاجمهم الأبقار والماعز من أملاك تاسيا المجاورة. وفي بعض الحالات, فقد سكان المدينة ملابسهم المنشورة لتجف لصالح قطعان الماشية, وتقول وانجيرو كيزيا, وهي امرأة تسكن حي بوروبورو: (يبدو ان الماشية تفتقر إلى المواد الغذائية, فهي تتناول جميع أنواع الملابس المعلقة في الهواء الطلق) . ولكنها ممتنة للرعاة لاحضارهم الماشية لالتهام أكوام القمامة التي تغطي الحي. وقد التهمت الأبقار الكثير من أوراق البوليثين التي تتطاير في أرجاء الحي. وقد يكون سائقو السيارات على طريق مومباسا النشط أكثر الفئات تضايقا من هذا الوضع. فهناك حوالي خمسة آلاف رأس ماشية تقطع الطريق كل يوم بالقرب من مطار جومو كينياتا الدولي. والماشية تتنقل في قطعان مؤلفة من 500 رأس لكل منها, وتقطع الطريق من نقاط مختلفة في الوقت نفسه وتتزامن مع اختناقات رئيسية مع حركة المرور. ويتعين على السائقين أن يلزموا الحذر بشكل خاص في ساعات الصباح والمساء. ويقول أحد السائقين: (إننا مجبرون الآن على التعايش مع الأبقار على طرقاتنا المليئة بالحفر. وعلى الأرصفة, يتزاحم المشاة مع الحيوانات) . ويقول كذلك ان الأبقار لا يمكن تخويفها بسهولة لانها معتادة على الاختلاط بحرية بالناس والسيارات. ويضطر السائقون الذين يستخدمون طريق جوجو في ضواحي ايستلاندز بالمدينة إلى السماح لمئات الأبقار بالمرور كل صباح, الأمر الذي يفاقم من الاختناقات المرورية المتكررة. ويجري جلب قطعان الماشية التي تتداخل مع انسيابية حركة المرور على الطريق من حي تاسيا الذي جعله بعض الرعاة قاعدة لهم. وهناك قاعدة أخرى تعرف باسم (انجيا ياناجومبي) التي تعني ممر الماشية, وهي مجاورة لطريق مومباسا, وتبعد بضعة أمتار فقط عن مطار جوموكينياتا الدولي. ويعتبر سوي أولي كار (26 عاما) وشبيهه جيمس موبيلي, اللذان قدما من مقاطعة كاجيادو, من بين عدد كبير من الماساي الذين يحتلون هذه القطعة من الأرض. وهذه المنطقة غير مزروعة بسبب قربها من المطار. وقد استولت جماعات رعاة الماساي وعائلاتهم على هذه الأرض المهملة, وأقاموا فيها الأكواخ. إن استخدام تلك الأرض يجري تناوبه بين الجماعات المختلفة من رعاة الماساي على امتداد السنين. وبعد أن تقوم جماعة من الرعاة بتربية ماشيتها على عشبها, فإنها تفسح المجال لجماعة أخرى, تقوم بدورها بتوريث الأرض لجماعة لاحقة حالما تنتهي من عملها. لقد أدى الرعي المتواصل الذي يجري في انجيايا نجومبي إلى تحويل الأرض إلى منطقة جرداء, لم يبق فيها مكان واحد للرعي. وبالاضافة إلى ذلك, فإنه لا يوجد مصدر للمياه للرعاة وماشيتهم مما يجعل المنطقة غير صالحة للسكن, ويقول أولي كار: (على الرغم من الظروف الصعبة التي نعيشها, الا اننا لن نخلي هذا المكان حتى يبدأ المطر بالتساقط في كاجيادو) . ويعترف الرعاة بأن ماشيتهم تسبب الكثير من المشكلات على الطرق, وان الحوادث قد كلفتهم أرواح الماشية. ولكنهم يضيفون انه نظرا لانهم لا يعرفون مناطق رعي أخرى, فإنهم مضطرون للزحف على ضواحي المدينة وشوارعها. ويقول الراعي مويشو اولي سامبايي: (ليس لدينا مكان آخر نرعى فيه, لان جميع أراضينا ظلت جافة منذ فترة طويلة) . ويقول زميله كيفين ميزييكي انه نظرا لان مدينة نيروبي هي الجارة المباشرة, فإنهم مضطرون للجوء إليها, في أي وقت يحتاجون لمرعى من أجل ماشيتهم) . ويضيف ميزييكي: (برأينا, ان أبقارنا يمكنها الرعي في أي مكان) . ويذهب إلى القول بأن من الأفضل خرق القانون بدلا من ترك ماشيتهم تنفق من جراء المجاعة. معظم الرعاة ينصبون خيامهم على قطع مكشوفة وواسعة من الأرض لا يعرفون ملاكها, وهو تصرف يعترفون بأن له مخاطره, فالمواشي تكبدهم الكثير من العناء لانها غير معتادة على الطرق والسيارات والشوارع الضيقة. ومع انهم يبذلون قصارى جهدهم في اقتفاء آثار المواشي الضائعة, الا ان حالات ضياع المواشي في الحارات تعد أمرا مألوفا. ومن حين لآخر, يتعرض الرعاة للهجوم في وضح النهار, وتتعرض مواشيهم للسرقة أو الذبح, بينما يراقبون ذلك من دون أن يستطيعون فعل شيء. وهذا حدث, مؤخرا, في إحدى ضواحي المدينة, عندما ترك الرعاة مواشيهم ترعى في مروج السكان وحدائقهم. فقد صب السكان المنزعجون جام غضبهم على المواشي, حيث جرحوا بعضها, وأقاموا وليمة باستخدام خمس أبقار سمينة. ويشكو سكان حي كايول من انه عندما تضل المواشي, فإنهم يتحملون الوطأة العظمى من غضب الرعاة. وفي إحدى المرات, تم تفتيش منازلهم من قبل الرعاة وتم تدمير بعض من ممتلكاتهم. وعلى الرغم من ان عملية التفتيش تمت من دون أية سلطة, إلا ان السكان لم يستطيعوا فعل شيء لان الرعاة كانوا مسلحين بأسلحة بدائية ومستعدين لالحاق الأذى بأي شخص يبدي مقاومة. ويعترف نائب مدير مركز شرطة المدينة, جون مانينو, بأن مجلس المدينة على علم بانتشار الماشية في ضواحي المدينة. ويقول انه وعلى الرغم من ان هذا يعد ضد القانون, إلا ان المجلس بصدد تطبيق قوانينه الداخلية. ويقول: (في الوقت الحاضر, نفكر باعتقال أولئك الرعاة الذين يتركون ماشيتهم تدمر الأملاك الخاصة) . ويقول المدير الأول بالوكالة لدائرة حجز الحيوانات, جورج كيماني, ان المجلس ليست لديه الصلاحية في التعامل مع الرعاة ومواشيهم. ويضيف: (تلك الحيوانات من المفترض أن يتم مصادرتها, ولكن نظرا لأن الدائرة لا تملك وسيلة نقل لحمل الحيوانات المصادرة, فإن الازعاج يتواصل) . إن الدائرة هي المسئولة عن تطبيق القوانين الداخلية المتعلقة بالمواشي, ولكن نظرا لان سيارتها الوحيدة تعطلت منذ بداية العام الماضي, فإنه لم يتم مصادرة أي حيوان. ومن الجدير بالذكر انه عندما تتم مصادرة الحيوانات, فإنه من المفترض أن يتم احتجازها في مخازن الدائرة. ويقول كيماني انه بالاضافة إلى الأبقار, شهدت ضواحي المدينة زيادة في أعداد الديكة الرومية والماعز والأغنام والكلاب التي يجري الاحتفاظ بها في مخالفة صريحة للقانون. فمن أجل تربية أي حيوان في المدينة, يحتاج المرء إلى تصريح خطي من أمين السجل البلدي في المدينة, إلا ان هذا يظل واحدا من بين تلك القوانين التي لا يجري تطبيقها. عن إيست أفريكان ـ كينيا