مهر العروس .. يختلف من منطقة لاخرى ومن المدينة الى الريف والعكس, كما ان مقداره يختلف من فئة اجتماعية الى اخرى, فهناك ست الحسن والجمال بنت الحسب والنسب وهناك (المفعوصة) ، بنت الخدم وكل واحدة منهن ولها (سعرها) في سوق المهور .. ومهر العروس ليس النقود وحدها بل هناك الذهب والارض والابل والسيارة وايضا البندقية ومن لا يقدر على استكمال المهر فالمخرج وصل امانة بالمتبقي الى حين يفرج الله .. والمهر لا يرد الا في حالات معينة احدها الخلع واليمن عرفت الخلع قبل العديد من البلدان العربية سنتها الشريعة والعادات والتقاليد والعرف القبلي واخيرا قانون الاحوال الشخصية. ومن المفارقات ان حكومة عدن سعرت اثناء (الحكم الشمولي) كل شيء حتى المهور, حيث حددته بحكم قانون الاسرة بـ 2000 درهم يمني جنوبي ـ مايوازي 285 دولارا فقط والويل لمن يزيد درهما واحدا فسوط القانون له بالمرصاد, لترتفع المهور الى عشرات ومئات الالاف من الدراهم (الريالات) لاحقا في زمن الوحدة اليمنية وعصر انفتاح السوق وتشجيع مبدأ العرض والطلب .. هذه الجوازات المتعلقة بالمهور وغيرها تستعرضها (البيان) بالتفصيل في سياق السطور التالية. الخلع والعصمة المهر واجب ديني وضرورة حتمية لامفر منه يلزم به الرجل الراغب بالزواج تجاه المرأة زوجته لاحقا ومقداره يتم برضا طرفي الزواج, والذي اوله شرط آخره نور, وشرط المهر في اتمام عملية الزواج من الواجبات الدينية الشرعية والقانونية يقول المستشار القانوني ياسين ناشر لـ (البيان) ان قانون الاحوال الشخصية اليمني استند في نصوصه المتعلقة بالمهور على الشريعة الاسلامية وسنة نبينا محمد عليه الصلاة والسلام, كما انه راعى جوانب اجرائية اساسية متصلة بالحقوق, حيث الزم القانون من يتولى صيغة العقد للزواج ان يوثق مقدار المهر المعجل منه والمؤجل في وثيقة الزواج حتى يضمن حق الزوجة في المهر وحق الزوج في المهر المعجل المدفوع في حالة عدم اتمام الفرح والزفة, ودخول الزوج على زوجته ليلة الدخلة او في حالة ان تكون الزوجة عاقرة اي غير قادرة على الانجاب لسبب من الاسباب وايضا في حالة الخلع خلع الزوجة للزوج, ولا يعني ان العصمة بيد الزوج الرجل فقط بل ان الزوجة المرأة تستطيع التخلص من الحياة الزوجية بارادتها المنفردة فالمادة (60) من قانون الاحوال الشخصية تنص بقولها : (يقع الطلاق من زوج مختار مكلف او من وكيله ولو كانت الزوجة) وشرط الخلع ان ترد الزوجة المهر المعجل المدفوع او شيئا منه اذا رأت انه لا سبيل للاستمرار في الحياة الزوجية, بينما جاءت المواد (72, 73, 74) من القانون لتنظيم اجراءات واحكام الخلع. كما ان هناك نصوصا قانونية اخرى متصلة بالمهر, فالمادة (33) من القانون نفسه تنص ان (يلزم المهر للمعقود بها بعقد صحيح وهو ما حصل على التراضي معينا ما لايصح لهما تملكه او منفعة غير محرمة فاذا لم يسم او سمي تسمية غير صحيحة او نسي ما سمى بحيث لم يعرف وجب مهر المثل) وهنا تأكيد لمدى تقيد القانون والمشرع بموضوع المهر الذي ضرورة ان يدفعه الزوج لمن تزوجها مهما حدث من اشكالات متصلة بالسهو والنسيان من قبل المأذون الشرعي او الزوج او الزوجة او كلهم معا, كما ان القانون أكد ان (المهر ملك للمرأة تتصرف فيه كيفما شاءت ولا يعتد باي شرط مخالف) باستثناء الخلع والعقم وعدم اتمام الدخلة .. ويضيف المستشار ياسين بالقول (هناك بعض العادات والتقاليد تحول دون التقيد بهذه النصوص القانونية فالمهر يأخذ أب الزوجة او ولي امرها ثلاثة ارباعه او نصفه واحيانا ثلثه وفي بعض الاحيان كله ليتولى الاب تجهيز ابنته العروس من ذهب وملابس وغير ذلك, هنا يصبح المهر ليس ملكا للمرأة الزوجة بل هناك شركاء عديدون منهم الاب والام والجد والجدة والاخ الاكبر وغيرهم يدخلون في حصة المهر بحكم العادات والاعراف, وهذه القاعدة لا تعني وجود استثناءات لها في المجتمع اليمني, اما جانب الخلع وهي نادرة الحدوث في المجتمع وان وجدت فهي في المدن الرئيسية يتم استرجاع المهر عن طريق المساومة ودرجة الضرر واحيانا يتم استرجاع شيء من المال المصروف في عملية الزواج ولا يعني بالضرورة المهر. المغترب اغلى! ومقدار المهر يختلف من منطقة لاخرى ومن شريحة اجتماعية الى شريحة اخرى ومن زمن الى آخر فالمهور تتحكم فيها جوانب رئيسية وهامة عديدة يوضحها الباحث الاجتماعي الدكتور عبدالله الصالحي لـ (البيان) بالقول: (ان موضوع غلاء المهور كما انه شائك ومعقد في احيان عديدة فهو سهل وبسيط يمكن مجاراته وتقبله في احيان اخرى, حيث نجد ان العادات والتقاليد في منطقة يمنية ماهي المتحكمة بمقدار المهر يحدث بعض الاحيان المغالاة في المهور كنوع من التفاخر والتباهي من قبل العريس الزوج واسرته او العروس واهلها, فمكانة الزوج او الزوجة الاجتماعية تقاس وفق مفهوم وعادات هذه الاسر بمقدار المهر وتكاليف الزواج المرتفعة جدا, كما نجد ان الوضع المعيشي لسكان منطقة ما اخرى هو ما يفرض نفسه بنوع من الاستحياء في مقدار المهر, فالحاصل في مناطق الحجرية (تعز ولحج) وتهامة (محافظة الحديدة) ان المهر لا يتجاوز 100 الف ريال ويعرف عن هذه المناطق تواضع وبساطة سكانها, في حين نجد المهر في مناطق يافع (محافظة لحج وأبين) على سبيل المثال مرتفع جدا يصل في بعض الاحيان الى مليون ريال, فمعظم سكان يافع من المغتربين في السعودية وبريطانيا وامريكا وكذلك الحال في مناطق إب التي اقل من ثلث سكانها (الرجال) يعيشون ويعملون في بلدان الاغتراب وابرزها الولايات المتحدة, فالمغترب اليمني في المهجر ينظر اليه من الغالبية العظمى هنا انه كنز ثمين قادر على دفع المهر المطلوب مهما بلغ مقداره. وهناك احتجاجات عديدة من الشباب حول المغالاة الزائدة للمهور في معظم المناطق اليمنية, تطالب السلطات المحلية وكبار المشايخ والوجهاء وائمة المساجد بالتدخل لاقناع الاباء في موضوع المهور المرتفعة, وحدث وان التقيت والحديث للباحث الصالحي ببعض الاباء في منطقة يافع فكان ردهم حول غلاء المهور ان الزوجة في يافع ليست للانجاب فقط وانما هي مربية للاولاد وطباخة وراعية للاغنام وواردة للماء من الآبار وحطابة لاخشاب الشجر ومزارعة تقوم بحرث الارض اي شغالة طول الوقت اول من يصحو واخر من ينام فهي الكل في الكل في البيت وخارجه, الا تستحق هذه المرأة الزوجة المهر المناسب مادامت تقوم بكل هذه الاعمال اليومية الشاقة التي تقصر العمر من وجهة نظر الاباء في يافع. كما تتحكم بالمهر صلة القرابة والنسب بين الزوج والزوجة, يضيف الدكتور الصالحي لـ (البيان) ان الغالبية من الاسر اليمنية تفضل الزواج من الاقارب, هنا تلعب القرابة دورا هاما في تقدير المهر فيجري تسهيله وتخفيضه لاتمام زواج ابن العم ببنت عمه وابن الخال ببنت خاله او خالته .. الخ, وفي الضفة الاخرى هناك اباء يحاولون شراء ازواج لبناتهم في حدود الاداب الشرعية والاعراف وبمهر زهيد ماداموا يتمتعون بالشهامة والرجولة والنبل وقادرين على صيانة واحترام الحياة الزوجية والتكفل بالامور المعيشية. من الاغنام الى السلاح والعديد من الاباء واولياء الامور يشترطون ان يكون مهر بناتهم عبارة عن مجموعة من الابل والاغنام وقطعة ارض ـ حسب الشيخ ناجي بن يحيى العواضي احد الشخصيات الاجتماعية في اليمن ويوضح لـ (البيان) ان المهور في بعض المناطق الريفية والصحراوية ليست النقود وحدها, بل انها تحدد حسب حاجة المرأة الزوجة واسرتها الفعلية الى جانب طبيعة المنطقة, فمثلا المرأة المهرية (محافظة المهرة) تطلب ان يكون مهرها رؤوس من الابل والاغنام حيث ان حياتها تتركز في الرعي وتربية الماشية في الوديان والسهول والجبال وتحتاط من غدر الزوج وتقلبات الدهر بالتمسك بمهرها من الابل والاغنام في تصريف امور حياتها وحياة اولادها المعيشية, اما المرأة الزوجة في مأرب تطلب ان يكون مهرها عبارة عن سيارة صالون لحاجتها لها في التنقل بين المناطق الصحراوية واحيانا في اعمال التهريب والفرار من كمائن فرق المكافحة ويعرف عن المرأة المأربية ـ المعظم ـ حسن قيادة السيارات وممارسة التهريب والشجاعة والمجازفة والامساك بعصمة الزواج ... وهناك بعض الزوجات يفضلن ان يكون مهرهن بعض وقيات او جرامات من الذهب, وحاجتهن لهذا النوع من المهر ـ الذهب ـ بحكم سعره وامكانية حفظه بعكس النقود ـ الريال ـ ومعظم هؤلاء النسوة من الريفيات الأميات, وبالمناسبة يوجد العديد من الاباء يفضلون ان يكون مهر بناتهم قطع من الاسلحة الرشاشة الحديثة, وهؤلاء من رجال القبائل في محافظات الجوف وصعده وذمار والبيضاء وعمران يعيشون حالة كر وفر فيما بينهم واحيانا بغرض حماية انفسهم من حوادث التقطع والثأر وبمقابل هذا المهر ـ السلاح ـ يتكفلون بتجهيز بناتهم الزوجات بالذهب والثياب .. الخ. ويضيف الشيخ العواضي بالقول: نجد العديد من الرجال الازواج يسجلون تعهدا كتابيا (وصل امانة) بتسديد بقية المهر في فترة محددة وذلك بالتراضي مع الاب او الزوجة او يقومون برهن قطعة ارض على ذمة السداد وهاتان الحالتان شائعتان في كافة المحافظات, ويحدث ان يعجز الزوج عن سداد بقية المهر وبعد انقضاء الفترة المتفق عليها يضطر الاب ـ في حالات عديدة ـ لاخذ ابنته الزوجة بالقوة من بيت الزوجية الى داره وان اراد الزوج استرجاع زوجته عليه دفع المهر المتبقي واحيانا تضطر الزوجة مغادرة بيتها لدار ابيها للضغط على الزوج ليدفع المتبقي .. ولكل امرأة مهرها ويختلف مقداره بحسب وضعها ان كانت بكرا او ثيبا فمهر الاولى اكثر من الثانية كما يقل المهر اذا كانت الزوجة اما لاولاد او مزوجة من سابق وجرى تطليقها او توفي زوجها, ويلعب الجمال والحسب والنسب دورا كبيرا في مقدار المهر, فكلما زاد جمال المرأة زاد مهرها والعكس, وكلما كانت المرأة من اسرة عادية او من شريحة اجتماعية متدنية كلما قل مهرها والعكس. (تسعير) المهر ومن المفارقات في موضوع المهور ان أصدرت القيادة في عدن منتصف عام 1974م قانونا ينظم جوانب معينة للاحوال الشخصية اسمته (قانون الاسرة) , جرى بموجبه تحديد المهر بـ 2000 درهم يمني جنوبي (مايوازي 285 دولارا) فالتزمت الاسر اليمنية في المحافظات الجنوبية والشرقية الست بالمهر (الحكومي) المقرر مع وجود بعض التحايلات الطفيفة غير المعلنة, فالقانون نص على عقوبات صارمة تصل الى السجن وفسخ الزواج, واستقبل الشباب المهر القانوني بالترحيب والتهليل وبسعادة بالغة, فاصبح الزواج ميسرا لدرجة كبيرة جدا من المهر حتى تكاليف الزواج الاخرى من حجز قاعة الحفل مرورا بالفرقة الموسيقية وانتهاء بقارورة كندا دراي ويعود الفضل في ذلك للحكومة التي سعرت كل شيء حتى مهر الزواج, واستمر هذا الوضع حتى اعلان الوحدة اليمنية مايو 90م فجرى تحرير الاسعار وتشجيع سوق العرض والطلب, ليرتفع (سعر) المهر الى عشرات ومئات الالاف من الريالات وبذلك يكون العهد الوحدوي قد شيع المغفور له (قانون الاسرة) الف رحمة عليه!. صنعاء ـ محمد احمد سعيد