نقلت طائرة خاصة تابعة لشركة طيران الخليج جثث 56 مصريا من ضحايا طائرة الايرباص المنكوبة إلى القاهرة أمس حيث اصطفت طوابير في مطار العاصمة المصرية من عربات الاسعاف والسيارات الخاصة تسلمت النعوش وسط بكاء الرجال ونحيب النساء وصراخهن. وبدا مطار القاهرة المزدحم أصلا بالقادمين والمغادرين اشبه بسرادق عزاء كبير مع البكاء الهستيري لأسر الضحايا. وفي المنامة وقبل وصول الجثث أعلن متحدث باسم شركة طيران الخليج ان جثث 56 مصريا فقط من ضحايا الطائرة تم ارسالها داخل نعوش ملفوفة بقماش أزرق, وأوضح ان جثث سبعة آخرين ستنقل لاحقا بعد التعرف عليها. بينما لا تعاد جثة مصري من أفراد الطاقم يقيم في المنامة وسيدفن فيها. وقال المتحدث ان 170 مصريا من أهالي الضحايا رافقوا الجثث على متن الرحلة ذاتها. وفي تمام الساعة الحادية عشرة صباحا توجهت أنظار جميع العاملين والمسئولين بمطار القاهرة إلى السماء, وهم يتابعون لحظة ظهور طائرة خطوط طيران الخليج والتي هبطت أرض مطار القاهرة, ووسط دموع ودعوات المستقبلين المودعين لأبنائهم وأشقائهم وأقاربهم, بأن يتغمدهم الله برحمته ويدخلهم جميعا فسيح جناته. وما ان توقفت الطائرة ساد أرض المهبط حالة من السكون الحزين وبدأ الجميع في ترديد كلمة (لا إله إلا الله ولاحول ولا قوة إلا بالله) وما ان بدأ خروج النعوش من قلب الطائرة حتى قام المسئولون والعاملون معا بوضعها في عربات نقل الجثث بالمهبط, وقام المسئولون بالحجر الصحي بتسليم تصاريح الدفن لأسر الضحايا والأوراق الخاصة بهم حتى يتم نقلها إلى خارج المهبط. توافد المئات من المودعين من أهالي ضحايا الطائرة منذ الصباح الباكر, وتجمعوا في السرادقات التي أقامتها هيئة ميناء القاهرة الجوي, احدهما بمبنى المطار الجديد, والآخر أمام بوابة خروج الجثث لاستقبالهم فيها, وتقديم واجب العزاء إليهم حتى موعد وصول الطائرة, ارتدى الجميع ملابس سوداء, وامام البوابة التي وقف عندها أسر الضحايا يستمعون أسماء الضحايا, وبينما يسود الصمت ووسط صيحات النساء وبكائهن, قطع المكان صوت سيدة وهي تلهث وهي تنادي شقيقتها الضحية (نشوى.. يا نشوى.. لا تتركيني) ورغم صعوبة الاقتراب من حشد الموجودين, إلا ان سيدة تحدثت لـ (البيان) ودموعها تسبقها, وقالت: حضرت لاستلام جثة شقيق زوجي وابنه جميل خلف الله محمود وابنه وائل, وكانا على موعد مع القدر, حيث ترك زوجته وابنتيه في البحرين, وحضر بصحبة ابنه لانهاء اجراءات اعفائه من الجيش لأنه وحيد والديه, وبعد انتهاء الاجراءات سافر ولكن ها نحن الآن نتسلم جثثهما. ممدوح مصطفى يقول عن ابن عمته علي عبدالفتاح عبدالحميد عامر أحد ضحايا الطائرة, كان يعمل محاسبا باحدى شركات البترول في الكويت, وسافر بعد أربعة أشهر من زواجه وترك زوجته حاملاً في شهر واحد, وبعيون حزينة لا تكف عن الدموع, قال أشرف حسن أحمد حسن من بلقاس دقهلية: ماتت زوجتي وأبنائي الثلاثة غرقا في مياه الخليج, ولم يقدر أحد على انقاذهم من عمق المياه, ويقول يوسف الشحات ابن المتوفى كمال السيد عبدالحميد فراج, مات ابن عمي ولديه طفلان أكبرهما لم يتجاوز عمره عامين, تغريد نبيل سعد مضيفة طيران وذلك بعد تخرجها من كلية الاداب قسم لغة انجليزية, انهارت عمتها بكاد بمجرد رؤيتها لسيارة الاسعاف, واخذت تهرول وراء السيارة قائلة: (خلوني اعزي أخوي في بنته دي كانت زينة البنات) . وكان المطار اشبه بسرادق عزاء مع صمت موحش يقطعه عويل وبكاء هستيرى متقطع واحاديث جانبيه خافتة لذوى الضحايا المنكوبة ممن كانوا بانتظار عودة الجثث. والموضوع الرئيسى السائد فى ارجاء المطار امس هو حجم مأساة الاربعاء والسبب الغامض للحادث فضلا عن الكارثة التى كادت تقع امس الاول لطائرة مصرية من الطراز نفسه عادت اضطراريا من لندن قبل دقائق من اختناق ركابها الـ 200 بسبب تعطل جهاز الضغط الجوى فى الطائرة. واختلط فى صالات المطار الصحافيون بأقارب الضحايا وركاب الرحلات المختلفة والموظفين والكل يردد روايات قد تكون اقرب الى الخيال عن ضحايا تدخل القدر فى صعودهم الى الطائرة الخليجية لمواجهة القدر المحتوم. وكانت احدى هذه الروايات عن مدرس عمل 12 عاما فى البحرين وكان يستخدم طوال هذه المدة سيارته الشخصية لزيارة ذويه فى مصر فى كل عام لكنه وللمرة الاولى استخدم الطائرة هذا العام ولسبب غير معروف. وكانت الرواية الاشد مأساوية لطيار يعمل فى البحرين وزار مصر فى اجازة قصيرة ليكون بجانب زوجته لحظة ولادتها وسعى الى تمديد اجازته دون رد من مسئوليه الى ان غادر بالفعل على الطائرة دون ان يعلم ان الموافقة صدرت بذلك فى اخر لحظة. وهناك قصة امرأة مصرية مقيمة فى البحرين زارت القاهرة برفقة ابنتها لتخطب احدى قريباتها لابنها الذى عادت اليه وابنتها جثتين هامدتين بدلا من ان تزفا له الخبر السار. أما اكثر قصة مؤثرة فتمثلت فى مأساة مدرس كان قد عاد الى القاهرة لاصطحاب ابنائه السته للاقامة معه فى الخليج بعد ان استقر فى عمله هناك لكن الاسرة قضت نحبها فى الحادث. ومن بين الضحايا مدرس وزوجته التى كانت ذاهبه لتقديم استقالتها بعد ان قررت العودة نهائيا الى مصر بعد ان سبقها ابنها الوحيد فى ذلك بعد قبوله فى الكلية الحربية وحتى لايبقى وحيدا فى مصر. ومن بين الضحايا ايضا مضيفة طيران لم يمض عليها فى هذا العمل سوى ثلاثة اشهر توفيت مع زميلة لها كانت قد ودعت اسرتها واحدا واحدا واتصلت باقاربها يوم الحادث لتودعهم. وهناك اسرة قال اقاربها انها كانت قد حجزت للسفر فى مطلع سبتمبر لكنها بكرت الموعد دون سبب ظاهر سوى القدر المحتوم. ويعيش موظفو مكتب وكالة الانباء الصينية اياما عصيبة جدا بعد ان توفيت زوجات ثلاثة منهم غادرن على الطائرة كترانزيت وتخلفت الرابعة لحسن حظها لعدم وجود مقعد لها على الطائرة المنكوبة. ومقابل الاحزان والروايات المأساوية كانت هناك روايات سعيدة لكنها لاتقل غرابة منها قصة الشاب الذى ودع ذويه وخطيبته وتوجه الى المطار حيث عاد ادراجه الى المنزل ليتلقى العزاء بنفسه من اصدقائه ممن لم يعلموا بتخلفه عن السفر لعدم حمله تصريح العمل لدى المغادرة. وهناك رواية مشابهة لشاب كان قد اوصل خاله الى المطار من قريتهما النائية وعاد اليها لكنه اسرع عائدا الى المطار بعد سماعه بالنبأ من الاذاعة وأمضى ساعات طويلة حزينا وقلقا على مصير خاله الى ان اكتشف اخيرا ان الاخير غادر بالفعل الى المنامه ولكن ليس على رحلة طيران الخليج. ويذكر ان عدد ضحايا الطائرة من المصريين بلغ 63 شخصا معظمهم يعملون فى المنامه وأبو ظبى ومسقط. القاهرة ـ كمال عمران



