قد يكون اللغط الذي يغلف الانتخابات النيابية اللبنانية التي تبدأ اليوم تجسيد الاحدث لاسطورة برج بابل الذي ابتلي بفقدان وحدة اللغة فانهار بمشيديه. فالانتخابات اللبنانية التي تعد الثالثة منذ نهاية الحرب الاهلية قبل عشر سنوات, والتي يحكمها قانون مختلف عما سبقها, ابتليت حتى بما هو أسوأ من لعنة برج بابل. فجاء فقدان لغة التخاطب انعكاسا لتناقض الاهداف المعلنة لنحو 576 مرشحا يتنافسون لملء المقاعد الـ 821 للسلطة التشريعية. ويقول المراقبون انه بغض النظر عن نتائج الاقتراع ستكون تلك السلطة موالية لسوريا طيلة ولايتها المحددة نصا بأربع سنوات وثمانية أشهر. وقد أضيفت الاشهر الثمانية عند تعديل قانون الانتخابات العام الماضي لتمكين المجلس الذي ينتخب هذه السنة من تحديد شخص رئيس الجمهورية بعد انتهاء الولاية الحالية للرئيس العماد إميل لحود أواخر عام 2004. وفي ضوء هذه الحقيقة التي يعرفها المرشحون جيدا ولا يفاجأ بها الناخبون يضيق الفرق بين القضايا التي ينادي بها المرشحون, وتدور حملات اللغط البابلي على اختلافها وأبرزها الصراع الاعلامي بين تلفزيون لبنان الحكومي, الممثل للسلطة رغم تبرؤ وزير الاعلام أنور الخليل من الوصاية عليه, ورئيس الحكومة السابق رفيق الحريري. وتقول مصادر دبلوماسية ان الحريري يسعى للعودة بقوة إلى السلطة التنفيذية كشريك للحود, رغم أن الاخير يبدو صلبا في إصراره على رفض الحريري منذ توليه السلطة قبل عامين وإخراجه من رئاسة مجلس الوزراء بعدما أمضى فيها قرابة ست سنوات. ويشدد لحود, وفقا للتصريحات التي تنقل عنه أو تنسب إليه, على (حياد) السلطة في الانتخابات, أما الحريري فلا يترك مناسبة إلا ويمتدح فيها لحود. ومع ذلك يشتد الصراع بين تلفزيون الدولة وتلفزيون المستقبل, الذي يشرف عليه الحريري. وقد تجاوز تلفزيون لبنان الحكومي, وبغض النظر عن خطورة الاتهامات الموجهة إليه بخرق القوانين الجزائية, كونه مؤسسة عامة تمول من ضرائب المواطنين وتحترم القوانين المطبقة عليهم. فقد التقط تلفزيون لبنان أسلوب الترويج السلبي الذي مارسته المؤسسة اللبنانية للارسال ضد خصومها عندما كان تلفزيونا ناطقا باسم ميليشيا القوات اللبنانية في الحقبة الاخيرة من الحرب الاهلية, وأطلق فيلم تلفزيوني قصير (كليب) بعنوان (أبو زكور والحوت) ليتعرض للحريري من دون تسميته. ويظهر الفيلم الذي يتكرر بثه يوميا (أبو زكور) الذي يرتدي الزي التقليدي لابناء العاصمة بيروت, وينطق بلهجتهم بركاكة, وهو يحاول اصطياد السمك على شاطئ العاصمة ويشتكي لصديقه من عدم توفر السمك لان (الحوت أكله) , ثم يشير بيده إلى البحر محذرا من مجيء الحوت, ويظهر جسم عائم في الماء ألصقت به صور انتخابية للحريري. يذكر أن الحريري هو الجهة السياسية الوحيدة التي رشحت أنصارا ودعمت حلفاء في مختلف المحافظات اللبنانية. وقد طاولت الحملات الرسمية أيضا حليف الحريري, الزعيم الدرزي وليد جنبلاط, رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي ووزير المهجرين سابقا لاكثر من ست سنوات. واتهمه تلفزيون لبنان في تقرير استغرق بثه 17 دقيقة ضمن نشرة أخبار ماراثونية استمرت 8 دقائق, أنه (تواطأ) مع الحريري عندما كان وزيرا في حكومته, لتوطين اللاجئين الفلسطينيين في لبنان. وقد جاء التقرير الذي عرض مساء الخميس من خارج السياق العام للاخبار التي تشغل لبنان, حيث ان مسألة توطين الفلسطينيين غير مطروحة حاليا في البلد المنشغل بانتخاباته النيابية التي وصفت تكرارا بـ (المعلبة) أي المعروفة نتائجها سلفا. ولكن جنبلاط, على غير ما نهجه الحريري, حدد خصمه علنا: (الدولة خصمنا) و (المخابرات) و (الاجهزة) الامنية و(الاشباح) وحدد تحالفه مع الحريري بأنه (نهائي) و (استراتيجي) و (قوي) و (نحن معا في السراء والضراء) . ويكتمل مثلث أقطاب الصراع مع السلطة بالنائب المرشح نسيب لحود في دائرة المتن شمال شرق بيروت, حيث ينافس على أحد المقاعد المخصصة لطائفته المارونية-المسيحية إميل لحود الابن. ونجل رئيس الجمهورية اللبناني هو مرشح على لائحة من يعرف شعبيا وإعلاميا (بأقوى الوزراء) نائب رئيس مجلس الوزراء-وزير الداخلية ميشال المر, والد صهر رئيس الجمهورية, والمسئول عن إجراء الانتخابات وأمنها وحيادها. وخارج حلبة صراع السلطة (المحايدة) مع مثلث الحريري-جنبلاط-لحود تبدو الانتخابات اللبنانية رتيبة إلى درجة استثارة (القرف) , وفق الرئيس الروحي للطائفة المارونية البطريرك نصر الله صفير. كما يبدو أنها محددة النتائج سلفا تحت السقف السوري, وفق صحيفة (النهار) المستقلة التي نشرت رسما هزليا يظهر مجموعة نواب في علبة سردين. أما الثقة بمصداقية نتائج الانتخابات, فقد عكستها صحيفة (السفير) اليسارية في رسم هزلي يظهر مواطنا يدلي بصوته في صندوق اقتراع وقد كتب على الرسم (انتخابات أونطة) . د. ب. ا