بحضور ممثلين لكافة الاتجاهات والطوائف الاسلامية في السودان, عدا حزب الزعيم المثير للجدل الدكتور حسن الترابي, بدأت في الخرطوم جلسات المؤتمر العام لاعادة بناء (الحركة الاسلامية) وسط دعم حكومي واضح. فقد احتشد ما يفوق سبعة آلاف شخص في المقر الدائم للمعسكرات (جهاز حكومي) بضاحية سوبا جنوبي الخرطوم, في خطوة اعتبرها مراقبون آخر حلقات مسلسل اقصاء الترابي. وتقدم الحشد الذي بذل منظموه جهداً كبيرا لاضفاء (نفس) الاخوان المسلمين عليه, عدد من رموز وقيادات الجبهة الاسلامية التاريخيين. وطغت على المؤتمر في البداية الصبغة الرسمية وروح المؤتمرات الشعبية الحكومية, بيد ان اللقاء سرعان ما استعاد روح الحماسة العفوية بعد خطاب ألقاه المرشد العام للاخوان المسلمين في السودان (الذي انشق على الجبهة الاسلامية في العام 1969م محتفظا بالاسم القديم) , وخطاب آخر القته الدكتورة سعاد الفاتح البدوي مستشارة رئيس الجمهورية واحدى القياديات البارزات في الجبهة الاسلامية. ومضى الحشد الذي تحاشى مخاطبوه تماما التعرض لذكر الزعيم السابق للحركة الدكتور الترابي بالاسم إلى اعلان ان الحركة الاسلامية ستظل هي المدافع الأول عن الحكومة الحالية ولن تبتعد عنها أو تتركها للغير. وقال محمد محمد صادق الكاروري رئيس المجلس التأسيسي للحركة وأقوى المرشحين لتولي أمانتها العامة ان حكومة الانقاذ هي ثمرة جهد قادة الحركة الاسلامية ولن نقف منها محايدة بل سندعمها بالنصيحة التي هي أصل الدين وسنعمل على تقوية تحالفها السياسي العريض المتمثل في المؤتمر الوطني والذي يعد كسبا للحركة الوطنية, ولن يكون اعادة تأسيس الحركة خصما على الشفافية التي يتمتع بها هذا التنظيم. وأردف مطمئنا أعضاء الحزب الحاكم ليقول معاهدهم بألا تكون الحركة الاسلامية مدعاة لازدواجية جديدة في القرار وألا تحسم أمور السياسة خارج الجهاز السياسي, المؤتمر الوطني وأنحى الكاروري باللائمة فيما وصلت إليه الحركة الآن من انشقاق على القيادة السابقة قائلا: (اننا نعاهدكم) ألا تكون الحركة الاسلامية حركة باطنية في المؤتمر الوطني تملي عليه ما تريد وانما هي على عهدها مع من تآلف معهم بأن الشفافية هي التي تحكم حلفنا وان الشورى هي التي تحكم دولتنا, لأن غيابها هو السبب الأول لما نحن فيه الآن من تردٍ, لهذا لن نصادر حق الحركة في اسداء النصح والمشورة متى ما أرادت وسنكون ملاذا للاسلاميين وسنفتح علاقتنا مع الآخرين. وبدورها شنت سعاد الفاتح مستشارة رئيس الجمهورية هجوما عنيفا على من أسمتهم بـ (الخارجين) في اشارة إلى الترابي ومجموعته. وقالت: اننا كنا نعمل في ظل ظروف أقل ما توصف به أنها قاسية, إلى ان جاءت الدولة والتي بها بدأت مرحلة التمكين للحركة. وأشارت في خطابها الذي قوبل بهتاف عال: (جاء الحق وزهق الباطل ان الباطل كان زهوقا) , إلا ان الحكومة لن تتنازل عن السلطة مهما كلفها ذلك بقولها: (بعدما استلمناها ما أظن هناك قوة في الأرض تستطيع ان تنازعنا فيها وإلا انتهينا أو تمزعنا واتقطعنا) . وطفقت د. سعاد الفاتح في حديثها داعية إلى تجاوز الترابي وعدم الالتفات إلى الوراء, فقالت: (نحن لن نخرج من هذا المؤتمر إلا بعد ان نصل إلى كلمة واحدة لن نلتفت بعدها للوراء أبدا) . ودعت الجميع إلى ان لا يعلو صوتهم فوق صوت رئيس الجمهورية بقولها: (نحن سنسير خلف البشير, ويجب ألا يعلو صوت بعد الآن على صوته وإذا انحرف اكسروا رقبته وأسقوه دمها) !! وكانت سعاد الفاتح دعت في كلمتها إلى خلق تحالف عريض يضم جماعة انصار السنة المحمدية إلى جانب الطرق الصوفية وجماعة الاخوان المسلمين وهيئة شئون الانصار. ومضت الفاتح لتقول: يجب ان نجمتع لنعمل سويا على رفع راية الاسلام وتوحيد إرادته. إلى ذلك شكل المؤتمر التأسيسي للحركة الاسلامية صورة تقريبية للخارطة السياسية المستقبلية والذي حكى الحضور الكثيف لجماعة الاخوان المسلمين الذين يتزعمهم صادق عبدالله عبدالماجد عن الاتجاه لائتلاف جديد بينهم والحكومة خلال الأيام القليلة المقبلة. ووجد ظهور مرشد الاخوان المسلمين في المؤتمر اهتماما كبيرا من قبل الحضور وكان للخطاب الذي القاه دلالات واضحة إلى زوال العقبات التي أدت بهم إلى الانشقاق عن الحركة الاسلامية في المؤتمر الشهير عام 1969. وعلى خلاف التوقعات دعا صادق الذي يكن عداءً شديدا للترابي إلى العمل من أجل اعادة الأخير لصفوف الحركة من جديد, وقال: (لا تقاطعوهم ولا تنافروهم, مهما كان الطريق وعراً) . وبدوره كشف د. عصام أحمد البشير أحد أبرز مساعدي مرشد الاخوان المسلمين في تصريحات صحفية عقب الجلسة الافتتاحية عن حوار بدأ مع قادة الحركة الإسلامية قائلاً: (كل الاحتمالات واردة من وحدة التنظيم كأقصى نتيجة إلى الاتفاق على برنامج وخلق آلية للتنسيق بيننا. ومضى عصام قائلا: نحن وهؤلاء لافرق بيننا, فنحن منهم وهم منا ولا يوجد ما يمنع ان نعمل معا . وحضر المؤتمر عدد من زعماء الطرق الصوفية يتقدمهم الشيخ الطاهر الطيب ود. بدر إلى جانب وفود أنصار السنة وهيئة شئون الانصار القاعدة الدينية لحزب الأمة المعارض الذي يتزعمه رئيس الوزراء السابق الصادق المهدي. وفي المقابل قاطع الترابي ومساندوه الاجتماع بصورة تامة حيث غابت الحركة الطالبية التي أعلنت من قبل مساندتها الكاملة لحزب المؤتمر الوطني الشعبي, وكان الفريق عمر البشير رئيس الجمهورية قد وصل إلى سرادق المؤتمر في نهاية الجلسة الافتتاحية التي تصدرها نائبه الأول وجهازه التنفيذي منذ بدايته. وأطلق د. غازي صلاح الدين وزير الثقافة والاعلام تصريحات صحفية ثمن خطوة اعادة بناء الحركة الاسلامية واعتبر انها أكدت ثبات الاسلاميين على مبادئهم نافيا وجود خلاف حول موضع اعادة البناء. كما نفى ان تكون الحكومة قد قامت بتمويل المؤتمر. وعن علاقة المؤتمر بالحزب الحاكم قال ان المؤتمر التأسيسي هو الذي سيحدد تلك العلاقة. ومن المتوقع ان تستمر جلسات المؤتمر حتى مساء اليوم الجمعة لاختيار أمين عام للحركة الاسلامية بعد ان يناقش عددا من الأوراق. الخرطوم ـ عثمان فضل الله