مواطن عربى بسيط معجون بكل ذرة تراب عربية ومتيم بها, لا ينفصل عندى حب الحياة عن حب الفن عن حب الوطن, فكل هذه الأشياء زرعت فى تكوينى, أنا ابن ثورة يوليو.. نشأت فى ظلالها ونعمت بثرائها الفكرى والفنى , وفى هذا المناخ تشكل وجدانى وبدأت مشوارى الفنى والسياسى وان كنت حرصت طول عمرى ألا أنتمى لحزب.. فقط أعلنت منذ الوهلة الأولى انتمائي للأرض العربية والشعب العربى فى كل الشوارع والأزقة والحوارى.. ومنذ لحظة اختيارى سفيرا بالأمم المتحدة سأبدا كلامى معكم. يوم العشرين من يناير عام 2000 تم اختيارى سفيرا للاجئين فى الأمم المتحدة, وقبل ذلك ظللنا فى مناقشات ولمدة أربعة أشهر, وأنا فى الحقيقة لا أريد أن اعلن ذلك, لأنى تعودت دائما أن أخذ الأمور بجدية, المهم أننا ظللنا طوال تلك الفترة نتناقش واستمررنا فى الأخذ والرد عندما عرضوا علي ذلك, وتساءلت: لماذا وقع اختيارهم علي أنا؟ وماذا سأفعل فى هذه المهمة؟ فقالوا لى إن اختيارى تم لمواقفى الفنية وعلى المستوى الإنسانى من مكافحة الارهاب وخلافه وحدث أنى قبلت بعد ذلك تنصيبى سفيرا للأمم المتحدة, وهذه مسئولية وفى نفس الوقت مسألة شرفية, ولكن المسألة ليست أن أكون سفيرا وانما يجب أن أعمل, وكانت أول زيارة لي الى اليمن الشقيق, فأنا ذهبت لأكون فى ضيافة الأمم المتحدة هناك, ولكن الحكومة اليمنية مشكورة قالت: لا, عادل امام ينزل فى ضيافتنا نحن, ورفضوا غير ذلك, والحقيقة كانوا فى غاية الذوق جدا, واستقبلونى استقبالا رائعا رسميا وشعبيا, فاستقبلنى رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء. وقد اطلعت على الكثير من خلال هذه الرحلة, حيث وجدت اليمن تربطها عوامل تاريخية وجغرافية بالصومال, لأنه توجد جذور كثيرة بين الدولتين, بالاضافة إلى قرب كل دولة منهما إلى الأخرى, ويوجد فى اليمن أكبر عدد من اللاجئين الصوماليين الذين اتجهوا الى اليمن بطرق غير عادية, حيث يوجد مهربون يأخذون الصوماليين فى قوارب, ويأخذون على الفرد عشرين دولارا, وأحيانا هذه القوارب لا تكون فى حالة جيدة ولا تتحمل فوق سطحها اعدادا كبيرة مما يؤدى الى غرقها فى بعض الأحوال, ومن ينجون منها يتجهون الى الساحل, لأنه ممنوع على المهربين أن يتجهوا بقواربهم الى الساحل اليمنى, فيذهب هؤلاء الصوماليون الى اليمن, وتجد بينهم أسر غرق نصفها ونجا النصف الآخر منها, وتقيم الأمم المتحدة هناك معسكرا لهؤلاء اللاجئين, وبالطبع مثل هذه المعسكرات يوجد فيها الكثير من السلبيات, ولذا تحاول الأمم المتحدة, ومن خلال وكالة غوث اللاجئين أن توجد بعض الإيجابيات من خلال تعليم اللغات والكمبيوتر, وماهو من قبيل ذلك, ولكن توجد بجانب هذه الايجابيات فى مجتمع اللاجئين سرقات وتنشأ الرذيلة وتنتشر أمراض جنسية, وفى نفس الوقت فإن وكالة غوث اللاجئين تظل هى التى تنفق على هؤلاء اللاجئين. المهم أن هذه الرحلة أضافت لي الكثير, وقد خضتها بحب ليس فقط لأننى سفير الأمم المتحدة ولكن بمنظور أننى فنان مهموم بالوطن وإنسان عربى يحلم بأن يكون وطنه أجمل الأوطان.. لا أعمل ذلك وفق برنامج حزبى وإنما وفق مبادئي وارتباطى بالوطن والبيت والأسرة. فأنا لا أفصل بين بيتى ووطنى, وعندما أقول بيتى فإنى أقصد ايضا وطنى, واعتبر اننى عندما أتكلم عن أسرتى فإننى أتكلم عن وطنى الكبير. وأفلامى كلها خير دليل على ذلك, فهى تقرير عن الحالة التى نمر بها فى وقتها, وبما فى ذلك ماقدمته من أفلام كوميدية, والتى يأخذها البعض ببساطة شديدة على أساس ان اسمى فيها (رجب) أو (شعبان) ولكنها تعالج فى الحقيقة عدة قضايا, وخاصة مشكلة (الفلوس), وأنا من أوائل الذين نبهوا الى خطورة موضوع شركات توظيف الأموال, وأنا بطل فيلم (رمضانكو لأعالى البحار) وكذلك فيلم (الغول) بالاضافة الى فيلم (الارهاب والكباب) و(الارهابى), وان كنت أحب أن أشير الى نقطة مهمة هنا, وهى اننى لم أكن وحدى الذى اثار هذه القضايا الحساسة فى أعمال سينمائية, ولكن كان هناك فنانون آخرون معى, وعلى نفس الموجة, عالجوها فى أفلامهم, بالاضافة إلى العديد من الكتاب والمؤلفين والمخرجين ممن لديهم جميعا نفس ما عندى من هموم. وعموما فإأنا موقن تماما بأن كل فيلم من المفروض أن تجد فيه سياسة, فطالما لى ناسى ولى جمهورى, وتوجد ظاهرة مثل (الارهاب) فإنه يجب ألا يقال عنى (الرجل ده كان فين) ممايحدث فى المجتمع, لأن التاريخ فى مثل هذه الحالة سيلومنى إذا لم أقدم وأعالج ذلك فى أعمالى الفنية, وسيأتى من يسألون: (إنت عملت أيه للبلد دى) ومن يتشدقون الآن وبصوت مرتفع ضد (الارهاب) مثلا كانوا فى وقت ظهوره مختبئين وراء الأبواب.!! أما أنا فذهبت الى أسيوط معقل الارهاب فى ذلك الوقت.. ذهبت الى أسيوط وروحي على كفي, ولم أهتم.. فقط كنت أرغب فى ارضاء أحلامى وطموحاتى ومبادئى.. ذاهبا الى أسيوط.. وفى قلب أسيوط كنت مسافرا فى أحلامى ولا يشغلنى غير الوطن, وهذا هم قديم أحمله على كاهلى, وهو ما أكدته فى أعمالى منذ أن قررت أتجه الى مايهم الناس, وأذكر أن البداية كانت مع ابراهيم (ابراهيم الطاير) مسلسل (أحلام الفتى الطائر) وهذا العمل كان من الأعمال الفنية التى جرأتنى على هذا الاتجاه الفنى, وكان المسلسل فى فترة الانفتاح وهو من تأليف وحيد حامد, وبعد ذلك قدمت فيلم (المشبوه) والذى يعالج قضايا الناس الهامشيين فى المجتمع, وأنا مع هؤلاء الهامشيين وفى صفهم وأغفر لهم, لأنه من التناقض أنك تسرق رغيف خبز تدخل السجن ولكن عندما تسرق عرشا تصبح ملكا, حتى فى السرقة يحدث ذلك, فعندما تسرق الملايين تقعد فى السجن (زى الفل), وهذا ماعالجته فى أفلامى مثل (الأفوكاتو) وأيضا فى مسرحية (بودى جارد) والتى تروى ماحدث ولأول مرة لواحد من سارقي الملايين أودعوه السجن, ثم أخرجوه منه, وعندما أعادوه اليه أحضروا له (تليكس) داخل السجن, فالقضايا المطروحة الآن ولا أريد أن أذكر أية أسماء طبعا نوعية الشخصيات فيها عجيبة, ولا أريد أن اوضح كلامى أكثر من ذلك حتى لا أهاجم أحدا أو أتعرض للمساءلة, وانما هذه الأشياء تستفزنى. وعلى طريقتى فى اختيار موضوعاتى أعد حاليا لفيلم جديد يوافق طموحاتى وآرائى, وهو (أمير الظلام) وأجسد فيه شخصية أعمى أصيب فى حرب أكتوبر 1973 وكان هذا الضابط طيارا وشاهد الدنيا من فوق وأصيب, وطبعا الأعمى الذى رأى فى طفولته وشبابه غير الأعمى الذى لم يشاهد شيئا طوال حياته, وفى نفس الوقت فإن هذا الطيار لا يريد أن يعترف بأنه أصبح كفيف البصر وإلى حد أنه يقفز من سور المصحة التى هو منها ليذهب إلى (الديسكو) ويرقص ويغنى ويعيش حياته, وإلى حد أنه لعب مع محبوبته (بنج بونج) بل وفوق ذلك حاول أن يقود طائرة وهو أعمى, لأنه فى قرارة ذاته كان يتمنى أن تعاوده القدرة على الإبصار من جديد, ولا تنتهى القصة عند هذا الحد, وانما تمتلئ بالعديد من المفاجآت الفنية المثيرة والمتشابكة ومنها مثلا أنه عندما قاد الطائرة فوجئ الطيار الآخر الذى يشاركه الطائرة وهى تحلق فى الجو بأنه طيار أعمى!! المهم أننى لا أسعى الا لتقديم الدور الجيد الذى يخدم أفكارى, وعاهدت نفسى منذ البداية الا أقدم الا أدوارا جميلة, والحمد لله كان عندى قوة ارادة ساعدتنى على ذلك حتى وصلت الى قمة النجومية بعد رحلة مليئة بالتعب والكفاح والهموم والأشواك, وإن كان كل ذلك زادها لذة وجمالا. يرويها: عادل امام