الذين قرأوا كتاب كوبلاند الشهير (لعبة الامم) الصادر في 1970, وكتابه الآخر, الاقل شهرة, (لعبة اللاعب) الصادر في 1989, اخذوا فكرة عامة عن المختبرات الاصطناعية للعب السياسي.. كان كوبلاند رائدا في كشف ملامح تلك المجاريات السياسية, مع انه لم يكن عالما سياسيا مختبريا, ولا عالما سياسيا نظريا, ولا اظنه كان عالما بشيء, انما كان الطبعة الامريكية من شخصية (لورنس) البريطاني. وقد كان كوبلاند خليطا من الدبلوماسي والصحفي, والاستخباري.. وعاش كثيرا وافسد كثيرا بعبثه بشئون الشرق الاوسط, حتى هيأ في النهاية لأنتوني ليك, ودينيس روس ليكملا مهمته بالمكشوف. كان كوبلاند يتباهى في كتابه الاول بالمختبرات التي اعدتها وكالة المخابرات الامريكية (CIA) لانتاج شخصيات امريكية تتقمص ارواح شخصيات زعامية عربية وتتصرف مثلها. وقبل ان تصدر الادارة الامريكية قرارا بشأن الشرق الاوسط, كانت تبلغه لأولئك الاشخاص المختبرين وتتلقى ردود افعالهم عليه, وعلى ذلك تتوقع ردود افعال الزعامات العربية التي تتقمصها تلك الشخصيات! تطوير الفكرة رغم ان الفكرة بدت مثيرة كثيرا للقراء الا ان كوبلاند لم يكن قد اطلعهم الا على مرحلة بدائية من ذلك الاتجاه المختبري) في العلوم السياسية, الذي كان يقوم على الاستفادة من معطيات ونتائج تجارب علم النفس, ويسمى بـ (الالعاب العملية) , ولكن كوبلاند بحسه الصحفي, اخترع له اسماء طريفة, اتحف بها القراء يوم ذاك. ومع تطور علوم الكمبيوتر, تطور ذلك الاتجاه في (الألعاب العملية) الى مرحلة ما يسمى Imulation والمقصود به في شأن العلاقات الدولية, وهو البناء الكامل للكارثة بتفاصيلها قبل ان تقع وهنا يقوم العلماء (في الغالب يختلط علماء السياسة, بعلماء النفس لانتاج تلك التصورات) بفرز العوامل المنتجة للكارثة, وتقيمها الى عوامل دائمة واخرى متغيرة, وتكون العوامل الدائمة قليلة العدد, وبينما العوامل المتغيرة تكون كثيرة العدد, مختلفة في حجم التأثير, وفي كيفية تداخلها مع العوامل الدائمة, ومع بعضها البعض وهنا يجتهد العلماء في تقدير اهمية كل عامل من تلك العوامل وحجم تأثيره, وفهم طريقة نشاطه في دورة الاحداث.. والغرض هو مساعدة صناع القرار فيما بعد على التعامل بدقة, مع كل عامل من تلك العوامل المختلطة في اثناء وقوع الكارثة. لست ادري مدى دقة تلك العمليات المختبرية, ولا مدى فائدتها, او اضرارها بصناع قرارات السياسة الخارجية الامريكية, ولم اكن في ايام الطلب متحمسا للتعمق فيها, اذ بدت لي شيئا شبيها بـ (الموراث) (العلموية) التي لا تناسب مزاجي الفكري, وحسبت ان هنالك اشياء اهم, واكثر فائدة ينبغي ان انصرف لدراستها, بدل التعلق بشيء اشك في جدواه, وان كان شكي ذاك ربما لم يكن في محله لأنه مجرد شك مبني على الجهل بالشيء لا على العلم به. المبالغة في التضليل مهما يكن فقد وقفت بعيدا اراقب تلك الاشياء, واسمع عنها, من غير ان اقترب منها, قليلا او كثيرا, وان كنت قد لاحظت, من على البعد امرا طريفا, وهو انه كلما زاد تحذلق علماء السياسة, كلما زاد تعلقهم بذلك المدخل (العلموي) المختبري المستحدث في مجال فهم الكوارث قبل وقوعها.. وليت الامر وقف على الحذلقة وحدها, وانما وصل الى حد التضليل باسم العلم, فكل من هب ودب من هؤلاء العلماء المهووسين اخذ يتخيل من كوابيسه كارثة ستقع, وشرع في تنفيذ مخطط لها ليسعف به صناع القرار! وهذا هو احد هؤلاء انه استاذ علاقات دولية باحدى جامعات الجنوب الامريكي وامامي الآن نص له ظللت احتفظ به منذ ان اصدره في اغسطس 1998, لأنه ازعجني جدا وقد ظل ذلك النص يختفي ويظهر بين اوراقي الى ان طغى على السطح قبل اسابيع قلائل فأعدت قراءاته لاسترجع ما فيه من ادعاءات (علموية) جاءت غاية في السخف. انني اعرف ذلك الاستاذ شخصيا, واعرف انه غير متخصص في العلاقات الدولية وانما في فرع آخر من العلوم السياسية, ولكنه عندما كلف بتدريس العلاقات الدولية لطلاب في الصفين الاول والثاني الجامعي, أراد ان يثبت معرفته للعلاقات الدولية بأكثر من اللازم, فأنشأ لطلابه مختبرا للكارثة التي يتوقعها, وطلب منهم جميعا ان يسهموا كل بما عنده, في تفصيل العوامل المسببة لها وتحديد درجاتها, وكيفيات تفاعلها مع بعضها البعض. اما الكارثة فلم تكن سوى صدام امريكا مع الاسلام. وقد بدأ الاستاذ مقدمة نصه المكون من خمس صفحات كالآتي: (بالرغم من اختتام صراع الشرق والغرب, وانحسار صفحته من اجندة السياسة الخارجية الامريكية, الا ان الكثير من المحللين , من داخل وخارج اوساط الحكومة الامريكية, باتوا يبدون انزعاجهم من انبثاق علامات الحرب المقبلة بين الولايات المتحدة والاسلام) وقبل ان يعرف ماذا يقصد بالاسلام: هل هو الدين في ذاته ام هم اتباعه, ام هي الدول الاسلامية ام الحركات الاسلامية بدأ يضخم مجمل توقعاته, مؤكدا ان تلك الحرب ستلحق اضخم الخسائر بالمصالح القومية الامريكية.. ودعم توقعاته تلك بمعلومات واسانيد منقولة عن الصحف والمجلات ذات النزعة اليمينية المتطرفة, التي لا تحترم المصداقية في الاختبار ولا تتورع عن اذكائها بلهيب من التعليقات, ولكنه ساق تلك المعلومات وكأنها مسلمات, وجعل كلا منها بمثابة (عامل) ادخله مختبره (العلموي) ليخضعه للوزن والقياس. اخلاط معلومات لا يدري المرء كيف تتفاعل معلومات او عوامل متنافرة مثل هذه الاخلاط التي يذكرها الكاتب.. يقول الكاتب: ان روسيا ستدخل ايران في النادي النووي مقابل اربعة بلايين دولار دفعتها لها في 1998.. كما انها ستعيد العراق ليقف على قدميه مرة ثانية بعد ان ترفع عنه عقوبات مجلس الامن وتستأثر بأسواقه وتنفذ بنود الاتفاق الاقتصادي الذي ابرمته معه بخمسة عشر بليون دولار, وان المتطرفون سيستولون حكم الجزائر بمعونة من حكام السودان, وان المستوطنين الاسرائيليين سيتسببون بحماقاتهم في اشعال نار الانتفاضة من جديد في الضفة الغربية وغزة, وان باكستان وايران ستعاونان ثوار جامو وكشمير, غير انهما (اي ايران وباكستان) ستدخلان في حرب ضد بعضهما البعض ولكن تلك الحرب لن تؤثر على الحلف الذي يضمهما مع تركيا, ودول آسيا الوسطى الاسلامية, وهو الحلف المسمى بمنظمة التعاون الاقتصادي (E.C.O) بل ان ذلك الحلف سيتقوى اكثر بانضمام العراق اليه! وهكذا ستنضج حالة الثورة في العالم الاسلامي ضد امريكا, وتجر افكاره الى اتخاذ قرار مقاطعة امريكا, ومفاصلتها, والدخول معها في حالة حرب! هذه المعلومات لو ذكرها لي تلميذ لاشفقت على مستوى تفكيره, وعلى فقر خياله, وعلى عدم قدرته على الاتساق حتى في الاختلاق.. ولكن هذا الاستاذ طلب من تلاميذه ان ينقسموا الي مجموعات لتتخصص كل مجموعة في دراسة عامل من هذه العوامل المتشاكسة التي أوردها وكأنها بدهيات لا تحتاج الى اثبات.. ومن هذه البدهيات يريد ان ينتج معمليا الكارثة التي سمع من هنتنجتون ومن مراكز الفكر والاعلام ذات الانتماءات انها على وشك الانفجار.. عندما كنا في صفوف الدرس وقف طالب كوري وآخذ يقدم لنا مداخلة عن افكار استراتيجيات صدام حسين.. وعندما بدأ يتبرع بجهله اوقفته وقلت له ها انت الآن تتصرف بما لا تعرف ويستحسن ان تستشبر المراجع في هذه النقطة بالذات.. وكان في تلك النقطة يتحدث عن صدام حسين باعتباره قائد الثورة الاسلامية العالمية.. وعندما اخبرت احد الطلاب العرب بتلك المفارقة ضحك وقال ومن اسف فإن هذا الطالب سيتخرج بدرجة الدكتوراة بعد عام ولو لا انك اوقفته لكان يذهب الى طلابه فيلقنهم تلك المعلومات, فيتلقونها عنه وكأنها من المسلمات المحكمات! من امثال هذه النزهات يصطنع (العلمويون) الكارثة, ويعضدون بها فلسفة صمويل هنتنجتون وتشنجات اليمين الديني الامريكي. لم انزعج يومها فقط لاستهداف هؤلاء لاقطار العالم الاسلامي وانما انزعجت بالقدر نفسه لامتهان هؤلاء لعلومهم, ولمناهج البحث العلمي التي غدت تخضع للرغائب والنزوات, وللخيال المرجف, والمعلومات المغشوشة بقصد. بقلم: د. محمد وقيع الله