في المصطلحات الدبلوماسية دوما يكمن سر الحاجة اليها: التخفيف من حدة الحقائق المتصادمة. اذن هدف الدبلوماسية دوما التبريد وكبت التوتر بالتنفيس الذكي والمعسول من التكتيكات. مثلا حين يكذب سياسي ما تهب الدبلوماسية لتبرير كذبه بعبارات من مثل (أسيء فهم تصريحاته) او (لوت وسائل الاعلام الحقيقة) او حتى (هذا من وجهة نظره من دون اغفال اهمية وجهة النظر الاخرى) . ونحن الذين نتدرب على الديمقراطية بضغط ديكتاتورية العولمة يجب ان نكون منفتحي الذهن ونعذر ما جاءت علينا به الدبلوماسية من احتيالات لغوية ناعمة وباردة. قال الرئيس الامريكي بيل كلينتون حين زار غزة وامام مجلسها التشريعي ان للفلسطينيين حقا طبيعيا بحياة حرة ومستقلة وامطر السلطة الفلسطينية في بداية التسعينيات برسائل ضمانات تؤكد انحياز واشنطن لتحقيق السلام مع الاسرائيليين استنادا للقرارات الدولية وفي مقدمتها 242 و 338 اضافة لقرار اللاجئين القاضي بعودتهم لديارهم رقم 194. الآن وحين هم الفلسطينيون بممارسة حقهم في الحياة الحرة والاستقلال واعلان الدولة سارع الرئيس الصادق جدا للتهديد بنقل سفارته الى القدس وحشر ياسر عرفات ووفده المفاوض في كامب ديفيد تحت مطرقة التنازلات وانكر عليهم مطالبتهم بتطبيق القرارات الدولية التي كان ضمنها لهم كتابة وكان ايهود باراك نفسه وقع على اتفاق اعلان الدولة الفلسطينية في شرم الشيخ. هذا التناقض السياسي الحاد وجد ما يبرره في جعبة الدبلوماسية الامريكية عبر ابتداع شعار رفض الممارسات احادية الجانب وكأن ماتفعله اسرائيل من تهويد القدس وابتلاع الارض الفلسطينية بالمستوطنات يتم بقبول الفلسطينيين ومصادقة العرب والمجتمع الدولي. التبريد الآخر ما برعت في اطلاقه حسناء الدبلوماسية الامريكية مادلين اوليبرايت من ان على الطرفين ان لا يحلما بانتزاع مطالبهما مئة بالمئة وكأن اكتفاء الفلسطينيين بالمطالبة بستة آلاف كليومتر من 23 الفا هي مساحة وطنهم يعد في وجهة نظر الحواسيب الامريكية 100% ولينتحر كل علماء الرياضيات منذ ارخميدس. دهاء الدبلوماسية هذه لا يقتصر على الصراعات الخارجية, بل ينعكس حتى على المعركة الانتخابية الرئاسية الامريكية. المرشح (الديمقراطي) آل جور الذي القى ببيوضه جميعا في سلة اليهود عبر اختيار جوزف ليبرمان نائبا له اطلق شعار (انا سيدي نفسي) للتبرؤ من ماضي رئيسه كلينتون الملطخ باحمر شفاه مونيكا لوينسكي على قاعدة تمايزه الاخلاقي عن الاخير وكأن جور هذا امتنع عن مناداة رئيسه بـ (سيدي) حتى بعد خروج الاخير مبعثرا من غزواته العاطفية .. وكأنه استقال احتجاجا على هذه الممارسات التي يتعفف عنها وضحى بمنصبه انتصارا للاخلاق. هكذا اذن هي لعبة الدبلوماسية الامريكية, التي يتوجب علينا الانحناء لها هكذا بالضبط هي: يد تصفع الخد والاخرى تعدل القبعة التي امالتها الصفعة! حولان