يبدو ان الحكومة جد حريصة على مشاركة الامة في الملتقى التحضيري الذي دعا له رئيس الجمهورية في مطلع يوليو الماضي ولذلك وافق الرئيس على القيادة (الجماعية) للملتقى بدلا من انفراد المشير (م) ، سوار الذهب واحمد عبدالحليم ـ المحسوبين على الحكومة وحزبها الحاكم ـ بادارة الملتقى, وقبلت لجنة التسيير بتأجيل انعقاد الملتقى مرة بعد الاخرى استجابة لطلب قيادة حزب الامة لاجراء المزيد من التشاور, وفي الحقيقة لن تكون للملتقى أية قيمة سياسية اذا لم يشارك فيه حزب الامة خاصة بعد ان اعلن التجمع الوطني الديمقراطي بالداخل عدم مشاركته واذا تأكدت عدم مشاركة كل من جبهة الاحزاب الافريقية (يوساب) والمؤتمر الشعبي ومنظمتي جاد وحق الذين لم يشاركوا حتى الآن في اي من اجتماعات لجنة تسيير الملتقى رغم الدعوات المتكررة واللقاءات التي عقدتها رئاسة اللجنة مع قادة تلك التنظيمات. ورغم الاهمية البالغة لمشاركة حزب الامة لانجاح الملتقى الا ان استجابة الحكومة لمطالبه جاءت ضعيفة وشكلية فقد طالب الحزب بعقد الملتقى في بلد تمكن جميع القوى السياسية المعارضة من المشاركة, وان تعلن الحكومة تأجيل الانتخابات المزمع عقدها في اكتوبر المقبل, وان تقوم بالغاء القوانين المقيدة للحريات التي لا تزال تسمح بالاعتقال التحفظي وإيقاف الصحف والندوات السياسية وتسيير المواكب, وان تعيد التزامها بميثاق اعلان المبادىء (نداء الوطن) الذي عقده الرئيس البشير مع الصادق المهدي في جيبوتي, وان تحدد اجندة الملتقى بصورة واضحة. ويتضح من هذه المطالب ان اهمها من الناحية السياسية هما تأجيل الانتخابات والغاء القوانين المقيدة للحريات, وهما تحديدا ما ترفض الحكومة الاستجابة لهما حتى الآن بدعوى ان امرهما متروك لاجندة مؤتمر الحوار الجامع. وبدون الاستجابة لهذين المطلبين يصبح اشتراك حزب الامة في الملتقى التحضيري ديكورا لمظاهرة سياسية حكومية لا تتقدم خطوة واحدة في سبيل الحل السياسي السلمي لازمة الحكم في السودان, وفي ذات الوقت تضعف مصداقية الحزب كتنظيم ظل يقود المعارضة لنظام الانقاذ بكافة الوسائل طيلة الاحدى عشرة سنة الماضية, وقد تشكل هذه الخطوة من حزب الامة خروجا من تجمع الداخل وبالتالي يكون الحزب قد قطع علاقته تماما مع التجمع الوطني الديمقراطي وهو الذي كان يؤمل في العودة الى تجمع الخارج حيث ينعقد مؤتمره العام في الفترة المقبلة. وقد يتمكن الحزب من الاشتراك في الملتقى التمهيدي الذي سينعقد في القاهرة لان دولتي المبادرة المشتركة (مصر وليبيا) ستحرصان على دعوة حزب الامة ولكن الحركة الشعبية ستثير غبارا كثيرا حول مشاركة حزب الامة اذا ما تم التنسيق او الدمج بين مبادرة الايجاد والمبادرة المصرية ـ الليبية ولن تدافع بقية فصائل التجمع عن حزب الامة لانها تعتبره خذلها بمشاركته في لقاء الخرطوم التحضيري. اذن ماهي مصلحة حزب الامة في المشاركة في لقاء الخرطوم التحضيري الذي لن يقود الى تحقيق السلام او الديمقراطية, ولن يقوي مركز الحزب بين انصاره او بين القوى المعارضة؟ لعل الاجابة تكمن في وجود تيارين قويين داخل الحزب تيار اقرب للتجمع بمواقفه المعارضة والمتشككة في صدق نوايا الحكومة تجاه الوفاق الوطني والديمقراطية التعددية وتيار اقرب الى الحكومة لانه يئس من فاعلية التجمع ويظن ان الحكومة برهنت على جديتها في ابتغاء الحل السياسي السلمي الذي يقوم على الديمقراطية والسلام. يقود التيار الاول قيادة حزب الامة بالداخل (الامير نقد الله, مادبو, بكري عديل, سارة الفاضل) الذين ذاقوا الامرين من سلطة الانقاذ من ملاحقة واعتقال وتعذيب في بيوت الاشباح حين كانت الانقاذ تظن ان لها تفويضا سماويا بسحق المعارضين لها, ولانهم شهدوا عن قرب كيف يتبدل خطاب الحكومة من وقت لآخر وكيف يختلف خطابها اللين عن افعالها الفظة. ويقود التيار الآخر قيادة الحزب العائدة من الخارج (د. عمر نور الدائم, مبارك الفاضل, الزهاوي ابراهيم) الذين زهدوا في فاعلية التجمع الذي جمع فئات شتى لا يجمع بينها جامع غير كراهية سلطة الانقاذ ومن بينهم من يحمل اجندة اجنبية لا صلة لها بمصلحة الوطن, ومع ذلك فان هذه الفصائل الهامشية لا تعرف لحزب الامة وزنه الجماهيري ولا تحفظ له جهاده السياسي ضد الحكم القائم, ويقولون ان بصائر بعضهم معتمة لا ترى المتغيرات السياسية الاقليمية والدولية من حولهم. ويرى هذا التيار ان حكومة الانقاذ مهما كانت فهي افضل من كثير من فصائل التجمع. يلاحظ المرء ان كلا من قادة الداخل والخارج لا يثق فيمن عاش وسطهم وتعامل معهم طيلة السنوات الماضية, فقيادة الداخل لا تثق في الحكومة وقيادة الخارج لا تثق في فصائل التجمع, وبما ان رئيس الحزب عاش منذ اغسطس 96 في الخارج فهو اقرب الى رؤية قيادة الخارج. وكانت رؤية قيادة الخارج ستكون منطقية ومتسقة لو كان في نية الحزب عقد اتفاق سياسي ثنائي مع حكومة الانقاذ التي لا شك في انها ترحب بذلك ولكن الحزب صرح مرارا على لسنان الصادق المهدي وآخرين انه يريد اتفاقا سياسيا شاملا ولا يرغب في عقد صفقة ثنائية مع الحكومة. فان كانت المشاركة في اللقاء التحضيري بالخرطوم لا تشكل خطوة في طريق السلام او الديمقراطية, ولا تحقق مكسبا سياسيا للحزب بل تضعف من موقفه السياسي المعارض ولعلها تهدد وحدته التنظيمية, ولا يريد الحزب في ذات الوقت ان يعقد تحالفا مع الحكومة يخرجه من مربع المعارضة الى مربع المشاركة في السلطة فان المشاركة تصبح لغزا غير مفهوم, ولعل حزب الامة يتذكر تجربة مصالحته المؤقتة مع نميري في عام 77 التي افقدته وهج المعارضة ولم تكسبه منافع السلطة كما حدث لحليفه الحزب الاتحادي الديمقراطي الذي استمسك بموقف المعارضة ممثلة في الشريف حسين الهندي وجبهة الميثاق الاسلامي التي انخرطت في تحالف غير مقدس مع نظام مايو ولكنها استفادت من المشاركة في السلطة, ان السياسة السودانية رغم عدم استقرارها لا تقبل المواقف المتذبذبة أو سريعة التحول أو المواقف الرمادية الحيادية, فالاستقطاب الحاد الذي يسود المجتمع ودرجة التسييس العالية التي تسود فيه وحالة الضنك الذي يعيشه الناس لاتسمح بمثل هذا الترف السياسي, واذا ما قبل حزب الامة ان يدخل مع زمرة احزاب التوالي السياسي التي لا وزن لها ولم تكن لديها مشكلة مع الحكومة في يوم من الايام, فان الحكومة زادت الامر تعقيدا في وجهه باعلانها ان نتائج الملتقى التحضيري ليست ملزمة للحكومة وانما ملزمة للاحزاب كما جاء على لسان نائب رئيس القطاع السياسي بالمؤتمر الوطني, مع ان الحكومة هي التي دعت للملتقى وحددت موعده واعتمدت رئاسته ومقرره, واستضافت جلسات لجنة التسيير في مركز الدراسات الاستراتيجية وقاعة الشهيد الزبير, وانتدبت له بعض الموظفين في اعمال السكرتارية, وهي التي ستتحمل ميزانية الملتقى حين ينعقد بقاعة الصداقة بأكثر من مئة وخمسين مليونا من الجنيهات, فكيف لا يكون الملتقى بعد ذلك شأنا حكوميا صرفا؟ ومع ذلك فقد لتفهم الوسط السياسي مشاركة حزب الامة في الملتقى التحضيري ان هي ادت إلى الغاء القوانين المقيدة للحريات وإلى تأجيل الانتخابات الرئاسية والبرلمانية إلى ما بعد مؤتمر الحوار الجامع.