كما أن الموت هو الذي يفرّق, فإن الموت أيضا وفي بيئتنا العربية هو الذي يجمع الشمل ويدفع للتسامي عن الخلافات الدنيوية. وقد حدث شئ من ذلك في الأسبوع الماضي عندما رحل عن دنيانا زعيم الوفد الجديد: فؤاد سراج الدين (باشا), فكان من أول الأحزاب التي أشادت بالرجل الحزب العربي الناصري الذي طالما تلقى الطعنات من حزب الوفد وجريدته فكلاهما لم يتقن الدخول في معركة قدر ما أتقن الحرب بأثر رجعي مع ثورة يوليو ومع شخص عبدالناصر! كان الوفد دائما ومازال طاعنا في شرعية الثورة, فهي كما يقول (حركة) وليست (ثورة)!.. وهي شلة ضباط مستفيدين وليست عملا ثوريا وشعبيا وإن قاده الضباط. كان الوفد, وكأنه يثأر للحظة جاءت فيها الثورة فألغت وجوده.. بل وأدخلت رموزه الى السجن بتهمة الفساد المالي والسياسي.. وكان على رأسهم (فؤاد سراج الدين). ومع ذلك وحين دأب الوفد على دعوة الأحزاب للتجمع في مقره عند الشدائد وحين كان (الباشا) يعتذر عن الانتقال لأي مكان آخر بسبب حالته الصحية, حيث كان ملازما لكرسيه معظم الوقت حتى أثناء الخطابة.. حين حدث ذلك لم يتأخر الحزب الناصري ولم ينظر لثأر قديم! أيضا, وحين رحل (الباشا السابق) سجل بيان الحزب الناصري مع اختلافه حول ثورة يوليو أن الخلاف لم يكن عقبة في سبيل التعاون في النشاط السياسي الداخلي والعربي وقال ان الحركة السياسية قد فقدت فؤاد سراج الدين, وأن الرجل قد بقي دائما مدافعا عن الديمقراطية. وتجربة سراج الدين هي تجربة قرن من السياسة, فالرجل قد توفي وهو في التسعين من العمر, وقضى أكثر من سبعين عاما في الحقل السياسي.. كان في الثلاثينيات من العمر حين أصبح وزيرا وأصبح سكرتيرا عاما لحزب الوفد.. وبينما أخذ عليه البعض تورطه في فضائح مالية واستغلال نفوذه قبل الثورة, فإن الجميع قدروا له موقفه الوطني عام 1951 حين هاجمت قوات الاحتلال محافظة الاسماعيلية فأمر سراج الدين قواته وكان وزيرا للداخلية بالمقاومة حتى الموت.. و.. بالفعل استشهد الجنود والضباط وبات هذا اليوم هو عيد الشرطة في مصر. ويحسبون للرجل كذلك أنه ساند العمل الفدائي قبيل الثورة, وكان يمكن أن يكون على وفاق مع الثورة لولا خبر نشره الصحفي الراحل مصطفى أمين وقال فيه على لسان سراج الدين (أنه وضع رجال الثورة في جيبه).. وحينذاك حدث فراق سياسي لو لم يتم لتغيرت الكثير من وقائع التاريخ حيث كانت عودة الديمقراطية مطروحة حينذاك. على أي حال فنحن أمام تجربة تستحق الدراسة, فما جاء به الوفد إبان زعامة سعد زغلول, مصطفى النحاس سراج الدين.. يختلف عما جاء به الوفد الجديد في العشرين عاما الأخيرة. كانت بضاعة (الوفد القديم) هي المعركة الوطنية والكفاح السياسي ضد الانجليز وهذه البضاعة رائجة توحد حولها الأمة بالضرورة.. لذا, كان الوفد هو الأكثر شعبية بين أحزاب ما قبل الثورة. أيضا, كانت الحياة الحزبية حديثة نسبيا وكان الزعيم وليس الحزب هو البطل فكانت شخصية سعد زغلول, ومن بعده النحاس هي الشخصية التي يتجمع حولها الناس.. وكانت شخصية النحاس على ما أظن قريبة من شخصية الحبيب بورقيبة الذي تخاطب مع شعبه بنوع من الأبوة والتبسط والتدفق الذي لايعرفه صناع السياسة الآن. هذه البضاعة اختلفت في الوقت الراهن فلم تعد القضية الوطنية هي المطروحة, ولم يعد الحديث عن الانجليز والأمريكان يلهب شعور الجماهير.. باتت هناك معارك أخرى من طراز: كيف نبني وطنا ونقود تنمية ونشيد اقتصادا أو نرفع مستوى المعيشة؟ معارك البناء, سياسيا واقتصاديا, شئ مختلف.. وهو ما لايدركه الوفد الجديد الذي ظل رمزه الرئيسي سراج الدين يعيش حتى الممات بخبرة وسلوكيات وعقلية ما قبل الثورة! الدنيا تغيرت, لكن سراج الدين لم يتغير.. ودور الأحزاب قد اختلف لكن الوفد لم يختلف.. يعارض في صحيفته ويؤيد تحت قبة البرلمان.. يرفع شعار الفقراء ويعمل من أجل الأغنياء.. يطالب بالحكم ويفتقد للرؤية الشاملة للمجتمع وما ينبغي أن تكون عليه السياسات. رحل الرجل والحزب على هذا الحال فهل يصبح أكثر عصرية بعد أن ذهبت القيادة التاريخية؟.. ربما..