في الايام الخوالي كانت الحواجز الطبيعية المحيطة بسواحل مال ـ عاصمة المالديف ـ مصممة لحماية الجزيرة من هجمات قراصنة البحر أو غارات السفن الغربية الباحثة عن التوابل والنفائس في جنوب شرق آسيا. وما تبقى من الأسوار المرجانية العالية اليوم يجعل البلدة الصغيرة ـ التي يقطنها عشرة آلاف شخص ـ تبدو كقلعة من قلاع البحر المتوسط التاريخية, برغم الاختلافات المعمارية والجغرافية. لكن عدو العاصمة المالديفية تغير بمرور الزمن .. فمنذ تدمير هذه الأسوار في بداية القرن الماضي, تحاصر مدينة مال آلاف الألواح من الخرسانة اليابانية المقامة لمقاومة عمليات المد البحري والأمواج المتوحشة الناجمة عن نشاط الزلازل في المنطقة . على مدى السنوات العشر الماضية أنفق حوالي 60 مليون دولار على تدعيم هذه الدفاعات الخرسانية التي حلت محل الحواجز المرجانية وعلاوة على ذلك حرصت سلطات الأرخبيل في السنوات القليلة الماضية على استصلاح الأراضي المحيطة بالعاصمة بالمطار في جزيرة هوليول المجاورة لحمايتها من فيضانات المحيط الهندي . وبرغم الصعوبات الطبيعية وندرة الموارد الاقتصادية تستمر الحياة في عاصمة المالديف مال (التي لا يزيد طولها على 1.7 كلم) بالاعتماد على عائدات النشاط السياحي إنها لمعجزة أن تبقى المالديف على قيد الحياة إلى اليوم تقول المرشدة السياحية الشابة ليان اتكينسون ضاحكة, ثم تضيف كل شيء هنا يتم استيراده, باستثناء الأسماك وجوز الهند بل إن هذا الأرخبيل المكون من 1196 جزيرة الذي لا يزيد ارتفاعه على سطح البحر بأكثر من متر ونصف المتر, معرض للغرق بأكمله بين عشية وضحاها .. المالديف كلها كانت وستظل دائما تحت رحمة الأمواج والرياح والنحر وتغيرات الطقس. وبالرغم من أنها لم تمض في مال (عاصمة المالديف) سوى بضعة أشهر ـ بعد أن استكملت تعليمها في سيدني باستراليا ـ تبدو ليان (المالديفية الأب والأسترالية الأم) على دراية بالأوضاع في هذا الأرخبيل الذي تتنقل يوميا بين جزره بصحبة مئات السائحين الأوروبيين واليابانيين أو السنغافوريين الذين يفدون بانتظام في رحلات تنظمها شركة سكوربيون للسياحة (التي تعمل بها) السياح يأتون إلى المالديف بحثا عن الشواطئ الرملية البيضاء ذات الأسماء المميزة مثل: ايهورو, كوروما, آري بيتش, باراديس أيلاند (أو جزيرة الجنة) .. وكل منها قطعة استوائية خضراء في قلب المياه التركوازية اللون التي تحيط بها مياه المحيط الداكنة العميقة. ومنذ أن انتعشت صناعة السياحة في السبعينيات, عملت السلطات المالديفية بالتعاون مع كبرى شركات السياحة العالمية على تحويل هذا الأرخبيل العجيب إلى أرض أحلام مزدحمة بالمنتجعات الفاخرة والشاليهات المتناثرة في أحضان أشجار جوز الهند . والسياح في هذه الجزر يتمشون حفاة الأقدام مستمتعين بأجواء السلام والهدوء فوق الرمال, وبأجمل المناظر الطبيعية والألوان تحت سطح البحر . لكن ثمة سيفا مسلطا فوق هذه الجنة التي أفلتت من قبضة الفقر المزمن بفضل رواج السياحة بها على مدى الأعوام العشرين الماضية, فيقول ريلوان علي المسئول بوزارة الخارجية الفيضانات التي أغرقت نصف أرض العاصمة والمطار بأكمله في 1987 أظهرت مدى هشاشة هذا البلد في مواجهة تقلبات الطبيعة. ومن ثم فقد أسس علي مع عدد من أصدقائه أول منظمة غير حكومية في بلده تحت اسم (السلام الأزرق) بهدف حماية البيئة. ويعرض الرجل صورا فوتوغرافية للمأساة التي يرتعد العديد من أهل المالديف عند تذكرها: منازل غمرت المياه أسقفها, وقوارب حطمتها الصخور, والميناء المدمر, ومدرج المطار الذي أغرقته مياه المحيط . فيضانات 1987 التي سببتها موجة مد محدود, جعلتنا ندرك أمرين ظللنا نحاول طردهما من تخيلاتنا, الأول أن خطر اختفاء بلادنا تحت المياه يوما ما ليس مستبعدا أبدا, والثاني أن هذا التهديد يتنامى نتيجة التغيرات المناخية لقد رأينا دفاعاتنا الطبيعية تتحطم خلال بضعة أيام, وأدركنا مدى خطورة المشروعات المسببة للتلوث على مستقبل هذا البلد الصغير. النينو وبعد عشر سنوات بالضبط من وقوع كارثة فيضانات ,1987 برزت ظاهرة النينو المناخية التي سببت ارتفاع حرارة الغلاف الجوي وإحداث تغيرات بيئية خطيرة في جنوب شرق آسيا . شاهول حميد مدير أحد المنتجعات في جزيرة ايهورو القريبة من شواطئ العاصمة مال, يتذكر الأيام العصيبة التي ارتفعت فيها درجة حرارة مياه البحر إلى حد أن هلكت أطنان من الشعاب المرجانية, فيقول لم نمر بتجربة مثل تلك من قبل .. لم تتحرك موجة واحدة, ولم نشم نسمة هواء واحدة. وفي غضون أيام قلائل, اختنق الأرخبيل وبلغت درجة حرارة المياه 33 درجة مئوية ولم يعد المرجان البحري قادرا على امتصاص غذائه. ونتيجة لظاهرة النينو الجديدة تحولت كميات هائلة من الشعاب المرجانية الملونة إلى أحجار باهتة ميتة تشبه الأضرحة. كارثة بيئية وكارثة اقتصادية على المالديف كما يقول حميد مضيفا من ناحية, يضاعف موت الشعاب المرجانية من خطر النحر وتآكل شواطئ الجزر, ومن جهة أخرى فإن هلاك الشعاب الملونة يهدد مستقبل السياحة التي هي مورد الرزق الرئيسي للمالديف. من ذا الذي سيأتي لتمضية إجازة في جزر خالية من أي جمال طبيعي, وليس بها أسماك ؟. وفي مواجهة هذه الكارثة, تحدث رئيس جمهورية المالديف مأمون عبد القيوم عن التهديدات التي تحيق بالجزر الصغيرة في المحيط نتيجة ما وصفه بالسلوكيات غير المسئولة للدول الصناعية. ولا يمل الرئيس المالديفي من دق ناقوس الخطر في جميع المحافل والمؤتمرات الدولية التي يشارك بها. ويشدد هذا الأستاذ الجامعي الذي تولى رئاسة المالديف منذ 25 عاما, على الحاجة إلى ظواهر الاحتباس الحراري ودراسة التغيرات المناخية بشكل أفضل لاحتواء الكارثة المتوقعة. يقول محمد فوزي مستشار رئيس المالديف لشئون البيئة "بصراحة, مستقبل بلادنا بسكانها المئتي ألف يتوقف كليا على المجتمع الدولي. قد يختلف العلماء والخبراء حول دلالة الاحتباس الحراري وحول من الذي يتحمل مسئولية التغيرات المناخية, لكن بالنسبة لنا ما من أدنى شك في العواقب الوخيمة التي ستجرها هذه الظواهر على المالديف. النينو ما هو إلا مجرد إنذار .. والشعاب المرجانية التي هلكت بدأت تتجدد مرة أخرى. لكن المؤكد أن شواطئنا لن تتحمل كارثة بيئية أخرى. ومع ذلك يظل التهديد قائما .. ممثلا هذه المرة في السحب الرمادية الكثيفة المتجمعة في سماء جزر المالديف. وقد كشفت دراسة دولية ضخمة أجريت قبل عامين أن شمال الأرخبيل تغطيه سحابة من الأدخنة الملوثة القادمة من الهند أو الصين أو من غيرها من دول جنوب شرق آسيا الصناعية. سحابة تشبه الغطاء السميك المسمم الجزيئات الذي لا تستطيع أي ريح تشتيته. الشباب النمو الاقتصادي السريع بفضل السياحة, أمد جيل الشباب المالديفي بفيض من المنتجات الاستهلاكية الغربية. لكنه لا يقدم سوى القليل من الفرص, حسبما يرى أبناء الجيل الجديد. فيقول أنور الموظف الشاب بمجلس ترويج السياحة المالديفي بالنسبة للكثير من أبناء جيلي يبدو الاختيار محسوما: إما أن نعيش كآبائنا في بؤر معزولة حيث لا مهنة متاحة سوى صيد الأسماك, أو نعمل في المنتجعات السياحية .. أو نهاجر إلى الخارج. وواضح أن الاختيارات المطروحة أمام الشباب المالديفي تدعو في مجملها إلى الإحباط خاصة في أوساط المتعلمين منهم, وهو ما يوضحه مسئول كبير بقوله لم تظهر هذه المشكلات من قبل حين كانت غالبية السكان غير متعلمة. كان الجميع في الماضي غير البعيد ـ سعيدا بالعمل في المنتجعات والمصايف, سواء في المجال الإداري أو في أعمال الصيانة أو حتى الأعمال اليدوية البسيطة مثل الحمالين والبستانيين. أما شباب اليوم (علما بأن أغلب سكان المالديف ينتمون لفئات عمرية أقل من 30 عاما) فليست لديهم الرغبة في انتظار السياح. كثيرون منهم يبغون شرع الأجنحة والانطلاق في مشروعات حديثة .. مثل شركات الكمبيوتر مثلا. لكن المشكلة الحقيقية: أين يمكنهم إقامة مثل هذه المشروعات ؟ المشكلة ليست في نقص الإرادة أو الكوادر البشرية, وإنما في الجغرافيا. عليك أن تتمشى لخمسمئة متر فقط عبر أي من جزر الأرخبيل, حتى تبتل قدماك . المشكلة الأكبر أن حتى خريجي معهد الفندقة (المعهد العالي الوحيد الذي يوفر خدمة تعليمية جيدة في المالديف) أصبحوا غير متحمسين للعمل في السياحة المحلية. أغلبهم يرفض أن يمضي وقته في رفقة السياح على شواطئ منعزلة عن العالم. فضلا عن رفض كثيرين آخرين مبدأ الحياة رهن إشارة السائح الأجنبي. شعور بالعزلة تقول تينا التي تعمل موظفة استقبال في منتجع آري بيتش (أحد أفخم فنادق المالديف الذي يبعد 8 ساعات عن العاصمة بالقارب) لم أكن أعرف أي شيء عن عمل المنتجعات السياحية حتى أتيت إلى هنا. ثم تعلمت أن خلف صورة الجنة التي نروجها للعالم, ابتسامة إجبارية ترتسم على وجوهنا جميعا طوال اليوم, وشعور بالعزلة يتفاقم مع مرور الشهور بعيدا عن الأهل والأقارب. للسياح حق في إشباع أحلامهم بتمضية وقت سعيد في جنة المالديف, لكن لنا الحق أيضا في بعض السعادة وهي ما لا نستطيع إدراكها في هذا المكان. وتحلم الطالبة تسليمة بالعمل في مجال الأزياء والموضة ,بل وتذهب في أحلامها إلى حد تخيل أن يكون لها اسمها التجاري يوما ما أما صديقتها رينا ـ التي تجمعها معها هواية الإبحار في الإنترنت في مقهى ذيراغوو ـ فتود أن تصبح أستاذة جامعية في الأدب لكن مثل هذه الأحلام تبدو صعبة التحقيق في بلد ضيقة شوارعه, متخم بالسكان الذين لا يجد بعضهم متسعا من المكان للنوم فيضطرون إلى المبيت في القوارب المربوطة في الميناء. ثمة نقص مزمن في المساحة, وفي فرص العمل وفي الحرية على أرض الجنة المالديفية. وبالنسبة لأولئك الشباب الذين كبروا في مجتمع تتردد فيه عبارات الترحيب والشائعات جنبا إلى جنب, يبدو تحقيق الأحلام بعيد المنال. الكمبيوتر يحين وقت الغداء فتجلس الفتاتان امام شاشة الكمبيوتر في مقهى ذيراغوو ـ مقهى الانترنت الوحيد في عاصمة المالديف الصغيرة. نوع من الإدمان الاسبوعي, والمدة تتوقف على حجم الواجبات المدرسية المتراكمة وكم النقود المتبقية من المصروف, تسليمة ذات السبعة عشر عاما وصديقتها رينا 20 عاما لا يملان ابدا من الابحار في مواقع الانترنت وتمضية الساعات في الثرثرة على الخط مع نظرائهما في انحاء المعمورة. الفتاتان اللتان تعلمتا الانجليزية في افضل مدارس العاصمة المالديفية مال, انتقتا بفضل الانترنت الجامعتين اللتين ستدرسان بهما فور ظهور نتائج اختبارات المرحلة الثانوية, وكغيرهما من البنات المنحدرات من اسرة ثرية في المالديف, تدرك تسليمة ورينا جيدا انهما ستعيشان في (منفى) لسنوات عدة لكي تستطيعان استكمال التعليم الجامعي, لان بلدهما ليس بها اي جامعة ويقتصر التعليم العالي فيها على بضعة معاهد فنية. وفي الوقت الراهن تبدو سنغافورة التي ترتبط بالمالديف عبر رحلة جوية واحدة يوميا, الاختيار الاول للفتاتين. (الاناس الذين يأتون الى هنا لتمضية الاجازة والسياحة لا يعرفون معنى ان يعيش في بلد صغير كالمالديف, مجزأ الى جزر أكثر ضآلة. من وجهة نظر السياح تبدو المالديف جنة على الارض, اما بالنسبة لنا فان هذه الجزر الصغيرة هي الملل بعينه تقول احدى الفتاتين المسلمتين بنبرة تنم عن ثورة مكبوتة. والاسلام هو الديانة الرسمية لارخبيل المالديف المتاخم لشواطىء سريلانكا, اذ يعتنقه اغلب السكان هناك. لسكان الأرخبيل قوانينهم الخاصة بهم إنهم متخلفون نسبيا, يعيشون بإيقاع البحر الذي يحيط بهم من كل جانب يقول محمد ناشد الصحفي الشاب الذي رشح نفسه مؤخرا لعضوية مجلس الشعب (البرلمان المحلي الذي يضم 40 عضوا يمثلون قطاعات الدولة الستة والعشرين). ثم يضيف موضحا لكن هنا في مال (العاصمة) يعيش الناس بعضهم فوق بعض لا يمكنك أن تفعل أي شيء دون أن يعلم جارك بما تفعل. وبالنسبة إلى الشبان والشابات الذين تربوا على قيم الحرية والاستقلالية والخصوصية (المستوردة من الغرب) تبدو الضغوط الاجتماعية غير محتملة بالمرة. ما من شك في أن لمدينة مال سحرها الخاص وشخصيتها الواضحة, بمينائها الصغير وسوق بيع أسماك التونة الضخمة ومبانيها البيضاء المميزة. لكن أجيال الشباب والمراهقين في المالديف تبحث عن أشياء أخرى, أهمها السياحة والسفر والنقاش الحر . يقول أحد الأوروبيين الذين يعملون في وكالة محلية للسياحة منذ سنوات (أقسى ما في الحياة هنا أنك مضطر للتأقلم كليا على سكنى البحر قد تكون حياة مثيرة بالنسبة للسياح والزوار, لكن الأمر مختلف تماما من وجهة نظر السكان المقيمين في المالديف) . وإدراكا منها لعمق المشكلة وخوفا من نزوح مهاجرين من باكستان وبنجلاديش والهند بحثا عن فرص العمل التي يرفضها شباب المالديف, تعمل الحكومة ما بوسعها لترغيب المالديفيين بالبقاء في بلادهم, فأمرت بزيادة في رواتب الأطباء والمدرسين, وعرضت مكافآت وحوافز مالية على المواطنين المستعدين للعمل في الجزر النائية. لكن في هذه الجزر حيث الروتين اليومي يشعر الكثيرون بالملل . لكن بعض المالديفيين متمسكون بأنماط الماضي والعمل في بناء بلدهم ففي جزيرة دهيدو الصغيرة التي يقطنها 200 شخص فقط, كرس بعض الشباب حياته للعمل في بناء الميناء الجديد بتمويل من مجموعة شركات (فيلا غروب) التي تدير أكبر منتجعات البلاد السياحية. وبعضهم يتدرب على الغطس على أمل العمل مستقبلا في إرشاد السياح. تقول المؤرخة المالديفية نسيمة محمد نلاحظ أن أغلب أولئك الذين يريدون هجر البلاد هم من العاصمة, لأنه بعد سنوات عديدة من الإقامة في المدينة وتشرب أنماط المدنية الغربية يصعب عليهم تقبل حياة البحر البدائية. ندرك ذلك لأننا عشنا في هذا المكان من قبل, وكنا نعرف أن ليس بالإمكان تركه أبدا, المحيط يخيفنا حين تعلو أمواجه, وحين تتحطم قوارب الصيد بسبب قوة رياحه. ومع ذلك اعتدنا هذه الحياة منذ الصغر .. لا أتصور أن أصحو يوما دون أن تتفتح عيناي على منظر البحر عبر النافذة .. سيكون حرماني من ذلك المنظر أشد أنواع العقاب بالنسبة لي. المالديف ـ ريتشارد ويرلى من العاصمة مال