البديع كلمة مشتقة من الابداع ومصدر من مصادره وهي في علم اللغة الضلع الثالث للمعاني والبيان .. وحين يوصف عمل ما بالجودة والاتقان والتميز يقال هذا عمل بديع. اما كلمة بديع في مصطلحات الخطاب اليمني فيمكن ان تستخدم للسخرية حين يكشف انسان ما عن جهله او غبائه او حقيقة نواياه الشريرة .. حينها يقول الناس (ظهر البديع) . يمكن لنا استعارة هذا المصطلح عند وصف النتائج التي اسفرت عنها معارك طواحين الهواء التي دارت بين وزارة الاعلام اليمنية وجامعة الايمان او بالاصح بين السلطة والجناح الايديولوجي في التجمع اليمني للاصلاح فبعد ما يقرب من ثمانية واربعين ساعة من بيان الاتفاق بين الطرفين ظهر البديع فقد سربت الصحف خبرا عن اتجاه النخبة الحاكمة الى تعديل الدستور وتشكيل لجنة حوار حول ذلك بين الاصلاح والمؤتمر وما كان يمكن ان يحدث ذلك لولا معركة التحجيم النفسي والمعنوي للتيار الايديولوجي في الاصلاح والذي كان يعارض من حيث المبدأ اي اتجاه لتعديل الدستور. مشكلة تعديل الدساتير او تعليقها او الغاؤها مشكلة يمنية مزمنة منذ الثلاثينيات وحتى اليوم لانها ارتبطت بالصراع بين الحكم الفردي والحكم الجماعي بين سلطة الفرد وسلطة المؤسسات ومنذ أن ادرك اليمنيون في مطلع القرن العشرين ان الاستبداد والحكم الفردي هو سر معاناة الوطن والمواطنين وهم يناضلون من اجل وضع حد لسلطة الفرد. حين اطاحت ثورة سبتمبر بالنظام الملكي في شمال الوطن سنة 1962 تصور الناس انهم قد تخلصوا من حكم الفرد ولكن ما كادت تمر شهور حتى (ظهر البديع) واذا بهم يخوضون الصراع نفسه من جديد. وما بين اكتوبر سنة 1962 وديسمبر عام 1970 صدرت خمسة دساتير كان كل منها يعكس جوهر الصراع بين رئيس يريد توسيع سلطاته وآخرين يسعون الى الحد من حكم الفرد وهيمنته. دستور اكتوبر سنة 1962 لم ينص على اي سلطة لرئيس الجمهورية سواء اصدار القرارات التي يقرها مجلس القيادة الذي اعتبر المسئول عن اعمال السيادة واعطي حق انتخاب رئيس الجمهورية ويتولى مع مجلس الوزراء حق التشريع. حين تغير ميزان القوى لصالح رئيس الجمهورية اصدر دستور سنة 1963 الذي اغفل طريقة انتخاب رئيس الجمهورية وقوى من سلطاته وقصر المشاركة على 31 عضوا في مجلس الرئاسة يقوم هو باختيارهم. اشتد ضغط المعارضة بعد مؤتمر عمران مما اضطر رئيس الجمهورية الى اصدار دستور سنة 1964 الذي نص على انشاء مجلس للشورى, ومع ذلك ظل القرار الحقيقي بيد رئيس الجمهورية مما جعل المعارضة لا تقبل به وعقدت مؤتمرا في مدينة حمر سنة 1965 وصدر عن المؤتمر ما سمي بدستور حمر. سار دستور حمر خطوات في طريق الحد من سلطة الفرد فقد وسع من صلاحيات مجلس الشورى, وشكل مجلسا جمهوريا يشارك رئيس الجمهورية ما بقي له من سلطات وربط رئيس الجمهورية بقناة واحدة تصدر عن طريقها جميع قراراته وتوجيهاته هي مجلس الوزراء. لم يتم حسم الصراع الا بالاطاحة بالرئيس السلال في خمسة نوفمبر سنة 1967 وفي عام 1970 صدر الدستور الدائم والذي عمل على توسيع صلاحيات مجلس الشورى كبرلمان يمارس التشريع والرقابة وانتخاب المجلس الجمهوري ومنح الثقة للحكومة او حجمها كما وسع الدستور من عدد اعضاء مجلس الشورى ـ وقيد دستور عام 1970 سلطات رئيس الجمهورية باربع وسائل: أ ـ ربط معظم قرارات رئيس الجمهورية بالمجلس الجمهوري. ب ـ ربط كل القوانين والمعاهدات بموافقة مجلس الشورى. جـ ـ ربط كل التعيينات باقتراح جهات الاختصاص. د ـ ربط نفاذ كل ما يصدر من قرارات من المجلس الجمهوري بمشاركة رئيس مجلس الوزراء والوزير المختص في التوقيع. شهد النصف الثاني من السبعينيات انحسارا جديدا للحد من سلطة الفرد, فقد الغت حركة 13 يونيو سنة 1974 مجلس الشورى ومجلس الرئاسة واستبدلتهما بقيادة عسكرية سميت مجلس القيادة .. وقامت بتعليق الدستور .. وابتدعت الحركة في عهد الحمدي أنواعا جديدا من المشاركة الشعبية من اهمها: 1ـ الحركة التعاونية التي كان لها مشاركة واسعة وايجابية في التنمية الاجتماعية. 2ـ لجان التصحيح التي ركزت على المشاركة في التصحيح المالي والاداري. 3ـ المجالس المحلية التي منحت صلاحيات محدودة في الادارة المحلية. لم تكن المحافظات الجنوبية بأحسن حال من المحافظات الشمالية فبعد الاستعمار سنة 1967 اعلنت الجبهة القومية عشية الاستقلال 30 نوفمبر سنة 1967 انفرادها بالحكم كتنظيم سياسي وحيد وخاضت تصفيات شرسة مع منافسيها في سبيل الانفراد بالسلطة وحين تم لها ذلك عادت مراكز القوى داخل الجبهة نفسها لتخوض معارك تصفيات مريرة في سبيل الانفراد بالسلطة, وظل الصراع على السلطة ومحاولات الفرد العودة الى الحكم المطلق هي السمة البارزة للنظام في صنعاء وعدن وحتى قيام الوحدة المباركة في 22 مايو سنة 1990 وبقيامها دخلت اليمن مرحلة جديدة من الصراع التقليدي بين سلطة الفرد وسلطة المؤسسات والذي وصل في حله السلمي الى وثيقة العهد والاتفاق ووصل في حدته وعدم القبول بالوثيقة الى الصراع المسلح سنة 1994. ما كاد الصراع المسلح ينتهي وحسب العادة حتى ظهر (البديع) وذلك بالقيام بتعديل دستور الوحدة والذي تم بموجب التعديل الغاء مجلس الرئاسة واستقباله برئيس للجمهورية بصلاحيات دستورية افضل وبممارسة عملية اكبر. السؤال الذي يطرح نفسه اليوم ما نوع التعديلات الجديدة المطلوبة؟ وهل لا تزال جزءا من الصراع التقليدي بين سلطة الفرد وسلطة المؤسسات؟ اذا ما كان هناك ارادة حقيقية لتعديل الدستور كما سربته الاخبار فلن يكون الا جزءا من الصراع التقليدي بين سلطة الفرد وسلطة المؤسسة. وسيكون حتما على حساب مجلس النواب وصلاحياته .. وعلى حساب السلطة المحلية ولصالح سلطة الفرد والنخبة الحاكمة, ولهذا فان التعديلات المحتملة ستتناول ما يلي: 1ـ ازالة اي لبس دستوري في حق السلطة المركزية في تعيين المحافظين ومدراء النواحي. 2ـ تسهيل اجراءات تعديل الدستور وذلك بالغاء النص القاضي بضرورة الاستفتاء الشعبي على التعديل. 3ـ تسهيل اجراءات حل مجلس النواب وذلك بالغاء النص الذي يشترط الاستفتاء وتبيين الاسباب. 4ـ تقوية صلاحيات المجلس الاستشاري المعين ومنحه حق صلاحية ترشيح رئيس الجمهورية وترشيح اعضاء اللجنة العليا للانتخابات, وحق المشاركة في مناقشة القوانين وكل ذلك بهدف تفادي مخاطر ان تأتي فئات غير موالية الى مجلس النواب عن طريق الانتخاب بينما المجلس الاستشاري سوف يكون بالتعيين من قبل رئيس الجمهورية. قد لا يكون ماسربته الاخبار صحيحا لكنه محتمل جدا وعلينا الانتظار حتى (يظهر البديع) .