لم يبحث احد وراء تقرير (واشنطن بوست) الامريكية الذي يتعلق بالخطة القومية لصواريخ الدفاع والذي قيل عنه بانه (لطمة قوية لجهود كلينتون في تأمين قبول دولي واسع للنظام الصاروخي الجديد) . فالتقرير مثلما عرض السلبيات في هذا المشروع, استفز قدرات وزارة الدفاع الامريكية التي لم تلبث ان ردت بانه مازال الوقت ممتدا حتى عام 2005 وان هناك ستة عشرة تجربة اخرى تؤمن نجاح المشروع وقيامه في وقته المحدد. والصحيفة الامريكية نقلت عن محققين في الكونجرس قولهم ان خطة صواريخ الدفاع القومية التي تبنتها ادارة كلينتون بنيت على تقييمات غير مؤكدة للتهديدات المحتملة, وهو ما يؤدي لزيادة التكاليف والتأخير في بدء بناء هذا النظام. عناصر ثلاثة تضمنها التقرير لكنه اغفل اثنين منها واعتنى بالثالث وهو (تقييم غير مؤكد للتهديد) و(تهديدات محتملة) , و(زيادة التكاليف والتأخير) . وبالطبع كلمات مثل محتملة لاتعني احد في امريكا أو في إدارتها ولكن يعنيها الكلفة والزمن بمعنى أنه امر محتم قيامه لكن الاعتراض يجيء على عاملي الكلفة والزمن, ويؤكد ما ذهبنا اليه في نفس التقرير للواشنطن بوست الذي يقول: حلل المحققون نتائج دراسات اجرتها وزارة الدفاع والوكالات الحكومية وقالوا ان الامور التكنولوجية غير المحسومة في النظام تزيد بصورة كبيرة من احتمالات التأخير في بدء بنائه وان كل شهر يمر يزيد التكاليف بمعدل 124 مليون دولار. الشكوك التي تحدث عنها التقرير تتعلق بالزوايا التقنية للنظام الصاروخي والتي تزيد من احتمالات التأخير المشار اليها, كما انها سجلت أوجه قصور في قدرات وزارة الدفاع الامريكية في اختيار جميع مكونات النظام الصاروخي الجديد, وسيكون صعبا جدا معرفة ان كان سيعمل بكفاءة عند وقوع هجوم أم لا خاصة بعد فشل التجربة الاخيرة. والنظام الدفاعي الصاروخي الذي يسمى ايضا بالدرع الصاروخي الذي تطوره الولايات المتحدة حاليا مصمم لنشر صواريخ اعتراضية يتم توجيهها من قبل نظام للانذار المبكر يعمل بالاقمار الصناعية والرادار والكمبيوتر لاسقاط الصواريخ بعيدة المدى التي تطلق من قبل دول معادية. شكلت الدعاية لهذا النظام الدفاعي جزءا هاما من جولة الرئيس الامريكي الاخيرة في اوروبا, لكنها وصلت إلى ذروتها في قمة موسكو حيث اخفق كلينتون في التغلب على الرفض الروسي للمشروع والذي آزره بعض حلفاء واشنطن في اوروبا. بل يمكن القول ان البرنامج الامريكي لقي اعتراضات متنوعة وكثيرة من اوروبا الغربية وروسيا الاتحادية والصين, كما عارضه بعض اهل السياسة والفكر والعلوم في الولايات المتحدة وهم يرون انه غير ضروري اصلا وانه تبذير في غير محله, بينما يجد انصاره فيه سدا لثغرة كبيرة في الامن القومي الامريكي. اسرائيل ودرع الدفاع يعتمد درع الدفاع الصاروخي الامريكي الذي شاركت في بعض الابحاث فيه وعدّ صاروخها (حتيس) احد اجزاء هذا الدرع, على عدة انظمة تعمل معا بشكل منسق ومبرمج وهي: * نظام اعتراض صاروخي ارضي (قاعدة) يتألف من عربة إطلاق رئيسية وعربة توجيه فضائية وهدف النظام هو تدمير الرؤوس الحربية القادمة. * رادار انذار مبكر متطور يقوم بمهمة الاكتشاف الاول للهدف ومتابعته راداريا. * رادارات تعمل بالاشعة وظيفتها تتبع الهدف وتمييزه. * نظام الادارة والقيادة والتحكم والاتصال في ارض المعركة وتتكامل فيه كل عناصر وانظمة السيطرة. * نظام الاشعة تحت الحمراء يعمل وينطلق من الفضاء والذي يتم تركيبه على قمر صناعي ليوفر امكانيات الاطلاق والتتبع والاستهداف أو التهديف والتمييز, حول الارض, وهذا النظام سيحل فعليا محل الاقمار الصناعية الخاصة ببرنامج الدعم الدفاعي الموجودة حاليا. ورغم فشل التجارب التي اجريت في يناير ويوليو, فانه كما اشير يتضمن اجراء 16 تجربة اخرى حتى عام 2005 حيث خطط لان يكون عشرون صاروخا منها جاهزة للاطلاق في هذا العام, لتأمين خطة البنتاجون في نشر حوالي مئة صاروخ في آلاسكا بحلول عام 2007. التجارب التي يزمع البنتاجون اجراءها تشتمل على بالونات حرارية تمويهية بالغة التعقيد واختبار مركبة مقاتلة في الفضاء تزن 65 كيلوجراما تنقض على الهدف لتدمره بواسطة نظام توجيه وتلسكوب يعمل بالاشعة تحت الحمراء. ورغم حجم هذا المشروع وما رصد له الا انه وفق مصادر كثيرة يعد متواضعا في اهدافه ومعداته ونفقاته امام (مبادرة الدفاع الاستراتيجي) التي كان الرئيس الامريكي الاسبق رونالد ريجان قد اعلنها في مارس عام 1983. وريجان كان قد خطط لتطوير نظام جديد من الاسلحة الفضائية الدفاعية لتدمير الرؤوس النووية (المعادية) قبل وصولها إلى اراضي الولايات المتحدة أو اراضي حلفائها, وكانت اسرائيل من بين الدول التي اوكلت اليها المبادرة القيام بابحاث, ونظرا لضخامة الكلفة المرصودة وزوال الخطر الشيوعي اعلنت الولايات المتحدة الامريكية على لسان وزير دفاعها في 13/5/1993 انهاء هذه المبادرة واستبدالها بنظام الدفاع الصاروخي الذي نتحدث عنه (NMD). عوامل كثيرة تجعل من هذا المشروع خطرا على الامن القومي لكل دولة في العالم من ضمنها الدول العربية, رغم بعد المسافة, فاسرائيل احد مواقع الدرع الامريكي الصاروخي وليس خافيا ما اثير حول (الجدار) الذي تريد الولايات المتحدة اقامته ليلف اسرائيل بسور من الوسائل المضادة للصواريخ ووسائل الانذار المرتبطة ارتباطا مباشرا باقمار الانذار الامريكية في ولاية (كولورادو) الامريكية. وتشير مصادر بحثية ان صدور قرار الانذار من ولاية (كولورادو) الامريكية وتبليغه إلى جبهة قرار اطلاق الصاروخ المضاد في اسرائيل لن يستغرق اكثر من دقيقة ونصف, يحدد خلالها الصاروخ ونوعيته وعلامات تمييزه ومساره, ويعمل المنظمون على تدميره في فضاء الدولة والمطلق وفوق ارضها, وهذا يؤكد ان الدفاع الصاروخي الفضائي الجوي في اسرائيل مرتبط قياديا وعمليا بالولايات المتحدة, والمهم ذكره هنا ان مشروع هذا الجدار كلف حتى الان صنع 240 صاروخا مضادا من نوع (حتيس) و(باتريوت) وغيرها بقيمة 5 مليارات دولار تحملت الولايات المتحدة 72% منها ودفعت اسرائيل ما تبقى من اصل المساعدة الامريكية التي تبلغ 3 مليارات دولار سنويا. وتذكر المصادر ان هذه الصواريخ الـ 40 يقدر ان 60 منها ستوضع في جبهة من الجبهات الثلاث (مصر, سوريا, والاردن) وكان يفترض ان يتم نشرها في مايو الماضي الامر الذي لم ينشر عنه شيء وتم التكتم عليه, وربما كان الانسحاب من جنوب لبنان جزءا من التغطية عليه. مبررات مبررات الادارة الامريكية ركزت على التهديدات المرتبطة بالصواريخ العابرة للقارات والتي تتزايد وفق مصادر الاستخبارات الامريكية ومصادر رسمية امريكية اخرى وقد تصبح فعلية بحلول عام 2015 من روسيا والصين وكوريا الشمالية, ويرجح أن يضاف اليها ايران وربما العراق. والامريكيون لم يتوانوا عن ابداء القلق من انتشار الصواريخ متوسطة المدى التي تبيعها كوريا الشمالية بشكل اساسي والتي غيرت بشكل كبير التوازنات الاستراتيجية الاقليمية, وكذلك تجارب ايران على صاروخ متوسط المدى (شهاب3) القادر على اصابة تركيا. هذه الدعاية الاعلامية التي روجت لها وقادتها المخابرات المركزية الامريكية الـ (سي آي اي) لم تستطع حتى هذه اللحظة الحصول على ضوء اخضر باعلان نشر هذه المنظومة رغم ان التجارب قائمة ومستمرة. فهناك كما هو معروف دوائر اخرى في الحكومة الامريكية تشارك في صنع قرار الرئيس الامريكي الذي سيستند في قراره هو الاخر إلى عناصر متعددة. من جملة هذه العناصر ان الرئيس الامريكي ينبغي له التأكد من ان التهديد الصاروخي بعيد المدى ضد الولايات المتحدة هو قائم فعلا وليس مجرد تكهنات أو توقعات, وهو يملك الحق فحجم التضليل الذي تقوده دوائر هدم الحواجز بين الحقيقة والزيف. ثم ان على الرئيس لكي يقرر ان ينجح في اقناع روسيا باحد امرين, اما بتعديل اتفاقية 1972, أو بالمخاطرة بقبول توتر العلاقات مع روسيا, خاصة وان الاخيرة هددت باتخاذ اجراءات مضادة للدرع الصاروخي اذا ما اقامته امريكا. اضافة إلى ذلك يجب ان تكون الكلفة العالية لانجازه مقبولة فالاقتصاد الامريكي مثقل بميزانيات دفاعه كما هو معروف, كما يجب تحديد التقنيات المناسبة له وحساب كلفتها ايضا. وتأتي بعد ذلك الاثار التي تترتب على الامن القومي الامريكي جراء استخدام هذا النظام مخالفة لمعاهدة (ستارت2) ولدول اوروبا والصين وروسيا الرافضة جميعها له. ويبدو ان الامر الاهم امام رئيس الولايات المتحدة الامريكية, أيا كان, هو موافقة الكونجرس, ولذا عليه ان يخاطبه بالطريقة التي يراها تناسب الحصول على مفاتيح المشروع, وبالطبع فان الرئيس لن يفعل شيئا اكثر من الطلب من المخابرات المركزية اعداد تقرير يمكنه من الحصول على الموافقة. وهكذا نجد جورج جي تينيت مدير جهاز المخابرات المركزية الامريكية يخاطب الكونجرس الامريكي مفصلا للجنة منتخبة منه الاخطار المحدقة والمتطلبة لقيام هذا الدرع. وتينيت مثل كلينتون اراد الدخول من القرن الجديد وثورة المعلومات الهائلة منتقلا إلى الارهاب الدولي ومراكزه ومحددا المخاطر التي تحيط بامريكا ان لم تقم هذا الدرع وبالطبع بمعلومات تقنية وتكنولوجية ورقمية متكاملة. وفي مقدمة مبررات قيام الدرع الدفاعي, توجه امريكا انظار العالم وانظار شعبها ومجلس شيوخها إلى ما تسميه آلتها الاعلامية بالاخطار الاقليمية وتمثلها الدول الخطرة على العالم. ووفق التسلسل الامريكي فان هذه الدول هي (روسيا, القوقاز, الشرق الاوسط, ايران) ثم تأتي بعدها دول آسيا الاخرى, لكنها وهي تفرز هذه المخاطر الاقليمية, تشخص مخاطر اخرى تعرضها في سياق (التحولات الدولية والتهديد) وهي التي تشمل (كوريا الشمالية, افغانستان, جنوب آسيا) وتشكل هذه الدول تهديدا من حيث انها دول تبيع السلاح وتنشره ضد معاهدة حظر السلاح, كما انها دول خطرة تنتج المخدرات وتروج لها وتبيعها, كما تبيع تقنيات المعلوماتية برخص لتمكن اعداء امريكا من ضرب برامجها. اخطار اقليمية تتصدر روسيا قائمة الاخطار الاقليمية بالنسبة لامريكا, ويقلق واشنطن الحقبة التي تلت يلتسين والتي يلعب فيها بوتين دورا متشددا. وضع الامريكيون اسئلتهم حول بوتين من اجل التوصل إلى منطقة ينفذون منها اليه للحصول على موافقته بتعديل معاهدة (ستارت2) الموقعة بينهما, وكان ما يعني امريكا: * هل سيبقي بوتين روسيا مندفعة بتماسك اكثر نحو ديمقراطيتها الجديدة ام انه سيخضع للعاطفة القومية التي تشده للوراء, بمعنى هل سيحاول الابطاء في تقدمه ام سيعود القهقري؟ * هل سيحاول الحصول على اجماع باصلاح اقتصادي ودعم للجهود التي تدفع إلى دخول السوق العالمية ام سيعتمد على اقتصاده الثقيل في خطواته. * واخيرا هل ستعطي موسكو اولوية لعلاقات التعاون مع الغرب ام ان المشاعر المناوئة للولايات المتحدة ستستمر بالنمو لتعيد روسيا إلى عزلتها وعدائها وعدوانيتها. هذه الاسئلة تثير المخاطر من احتمالات مواجهة لاحد لها وستكون خطرة على الولايات المتحدة كون روسيا مازالت تخزن وتنام على اسلحة نووية ومنظومة دفاعية هي اوجه امنها القومي. ويرى الامريكيون ان بوتين يبدو صلبا وبراجماتيا لكنه لن يصمد امام النقد الغربي لحربه ضد الشيشان الا اذا حقق نصرا وهو امر نسبي نظرا لحجم خسائره المادية والبشرية واقتصاده المنهار. تأتي القوقاز في المرتبة الثانية واهميتها مع دول وسط آسيا تكمن في انابيب نفط القوقاز التي ستمر تحت بحر قزوين من تركمانستان خلال اذربيجان وجورجيا وعبر تركيا لتصل للغرب. هذه الانابيب تعني امريكا واصدقائها, وما يخيف الامريكيين ان الانظمة في هذه المنطقة الحيوية لهم, متردية ولا يوجد استقرار في المنطقة, وتزيده سوءا حرب الشيشان وفيها ينتشر ما اصطلحوا على تسميته (بالتهديد التحولي) مثل (الفقر, المخدرات, والجريمة المنظمة) وهي بالتالي بؤرة لكل ما يهدد الامن القومي الامريكي, يضاف إلى ذلك الجيل الجديد من الاسلاميين, الذين يعلنون سخطهم على الولايات المتحدة, ثم اللاجئين الذين شردتهم ظروف الحرب المستمرة, كل اولئك يشكلون خطرا يستوجب قيام دفاع امريكي يحمي ولايات امريكا الخمسين منه. اما الشرق الاوسط فيرى التصور الامريكي ان هذه المنطقة مازالت تمتلك معدلات نمو سكاني متزايدة تصل إلى 3% وهذا يعني تحديات جديدة امام سوق العمل يزعج امريكا فهي لا تريدهم عاملين متمتعين بخيرات بلدانهم. التحدي الامريكي في بنية الشرق الاوسط الاقتصادية واعادة بنائها, فمعظم اقتصادات هذه الدول ضعيفة واستثماراتها متدنية وبعضها يواجه انهيارا, كما ان المنطقة تتراجع إلى الخلف بينما يتقدم العالم, ما خلا بعض الخطوات الايجابية لبعض الحكومات. وستجد هذه الحكومات خلال 5 ـ 10 سنوات مقبلة صعوبة في توفير الوظائف لقطاعاتها الحكومية أو تقديم خدماتها وهي عوامل تعد مخلخلة للاستقرار المحلي. ثورة المعلومات دخلت ايضا الشرق الاوسط فهناك الصحف والمحطات الفضائية والانترنت وهي تقلل من سيطرة الحكومات على المعلومات التي تتدفق على الشرق الاوسط وهذا يهدم كل خطوات امريكا في عقد تحالفات مع الحكومات, ثم ان الجماعات الاسلامية تستفيد بشكل جيد من هذه الثورة المعلوماتية. ولا يستحي الامريكيون من ذكر ان: الشرق الاوسط منطقة ستظل تعتمد عليها بشكل اكبر وعلى نفطها اكثر لاكثر من عقد بدءا من الان وستصبح حاجتنا لها بنسبة 40% غدا مقارنة بـ 26% اليوم, وهذا يدفعنا للدفاع عن مصالحنا ضد اي نهوض قد يقوم به اذكياء الشرق الاوسط, والدرع الدفاعي هنا يبرز اهميته. اخيرا نجد ايران تدخل الاجندة الامريكية في عرض مبررات قيام الدفاع الصاروخي, فهي بسعيها للحصول على التكنولوجيا النووية وتجاربها على صاروخ (شهاب3) ثم احتمالات تحالفها مع روسيا تطلق صافرات الخطر والانذار لدى امريكا وتعزز فكرة قيام الدرع الصاروخي المضاد لكل اعتداء خارجي قد ينجم عنها ضد ولايات امريكا المتحدة. لهيب عبدالخالق