بدأ العد العكسي للانتخابات النيابية اللبنانية التي ستجري مرحلتها الاولى الاحد المقبل في محافظتي جبل لبنان والشمال, والثانية يوم الأحد الذي يعقبه في محافظات: بيروت, الجنوب والبقاع. ومع العد بدأ التخوف المبرر بمعظمه تخوفا من ان تتم عمليات الاقتراع وسط دهاليز رسمية تفقدها النزاهة, وحياد السلطة, وديمقراطية فرز الاصوات, وسلامة اعلان نتائج فوز 128 مرشحا في المحافظات الخمس يشكلون الهيكل العظمي للمجلس الجديد المعمر لأربع سنوات, مبدئيا, الا اذا اطاح به مرسوم بحله قبل ذلك من قبل رئيس الجمهورية, أو طاب لأعضائه المناخ فجددوا لأنفسهم سنوات اخرى, وفق ما ينص الدستور اللبناني. النزاهة الغائبة اقتراع (الأحدين) محكوم سلفا باللانزاهة واللاحياء. ورغم ان التهمة ضد الحكومة, الا انها هي التي سلمت رقبتها بنفسها لمعارضيها, بمجرد استمرارها في الاشراف على الانتخابات ومعظم اعضائها مرشحون فيها (!). رئيسها الدكتور سليم الحص, رئيس لائحة اساسية في محافظة بيروت ضد لائحة المعارض الاشرس له الرئيس السابق رفيق الحريري. وزير داخليتها ميشال المر, رئيس لائحة في دائرة المتن ضد لائحة المعارض القوي نسيب لحود. أما الوزراء المرشحون الآخرون: سليمان فرنجية, نجيب ميقاتي, أنور الخليل, عصام نعمان, ميشال موسى, غازي زعيتر, فهم يمسكون بوزارات الخدمات الاساسية, وبالتالي متهمون سلفا, وإن كانوا من ذلك براء, بتقديم خدمات الحكومة للمواطنين, لصالح حملاتهم الانتخابية, وما يوفر حظوظ انزال اسمائهم في صناديق الاقتراع. (زحمة) الوزراء المرشحين ستحرمهم مع حكومتهم من اثبات نزاهتها وديمقراطيتها وحيادها انتخابيا. فالنزاهة السياسية, حسب مرجع معارض (مثل عود الكبريت لا يشتعل الا مرة واحدة) . ويتابع: (لكن هذه الحكومة اشعلته مئة مرة) . تدخل الحكومة واضح يغالي المعارض في عدد هذه المرات, لكنه لا يفشي سرا بتأكيده ان بعضا منها حصل ويحصل. بدأ تدخل الحكومة بالانتخابات قبل اشهر حين مررت مشروعا الى مجلس النواب بتقسيم محافظة بيروت الى ثلاث دوائر, فصدر قانون يتضمن: * بيروت الاولى: الاشرفية, المزرعة والصيفي. * بيروت الثانية: المصيطبة, الباشورة, الرميل. * بيروت الثالثة: دار المريسة, رأس بيروت, زقاق البلاط, المدور, المرفأ وميناء الحصن. ماذا يعني هذا التقسيم؟ ببساطة, انه يهدف الى ضمان فوز الاقطاب الثلاثة في العاصمة, كل في دائرة تؤيده اكثر من الآخرين, وهم: سليم الحص, رفيق الحريري وتمام سلام. مشروع الحكومة قسم العاصمة ليضمن فوز رئيسها في احدى دوائرها, أليس هذا تدخلا؟ يتساءل أحد المعارضين. وانضم الى التساؤل قبل ايام رئيس مجلس النواب نبيه بري نفسه. قال: (انني نادم على اصدارنا لقانون تقسيم بيروت, لذلك فإن مطلبي بقانون انتخابي جديد لكل لبنان, هو في البند الأول من ترشيحي للانتخابات) . المال والاعلام ثمة مشروع آخر سعت اليه الحكومة من دون جدوى, ويتعلق بالاعلام والانفاق المالي الانتخابيين. أرادت تحديد سقف انفاقي واعلامي. وقد كان هذا مطلبا سياسيا ورسميا على مدى عقود. وكان ليبدو اصرارها على تحقيقه نزيها ومنزها لو لم يكن رئيسها ومعظم وزرائه مرشحين غير قادرين على الانفاق كسواهم, ولا يملكون وسائل اعلامية خاصة كمعارضين. من هنا, بدأ تورط حكومي آخر يفاقم احتمالات اللانزاهة. صار رئيس الحكومة مفرطا في الحديث عن تدخل (المال السياسي) في الانتخابات. فصديقه اللدود الحريري من أصحاب مليارات الدولارات. لكن ألا يحق لأي مرشح الاستفادة من ماله الخاص والمشروع, مهما كان حجمه؟ لم يأت الجواب من المعارضين, بل من السلطة المباشرة المعنية نفسها. فأعلن النائب العام التمييزي القاضي عدنان عضوم يوم الأحد الماضي ان القضاء لا يتدخل بـ (المال السياسي) الا في حال الضبط المتلبس بدفع الرشوى أو قبضها. هذا هو القانون بعينه. أما اتهام الحكومة لمعارضيها باستخدام أموالهم ورد المعارضين على ذلك باتهام الحص والوزراء المرشحين باستغلال السلطة وأموالها لمصالحهم, فهما مجرد لغط سياسي لا أكثر. لو استقالت الحكومة! هنا, يصل أهل السياسة والساسة الى بيت القصيد. يقولون: لو جرى طرح تنظيم الانتخابات من حكومة حيادية بالتمام والكمال, لكان في الأمر نقاش وتقدير وتبادل مودة بين الجميع بحيث يسقط تلقائيا مبدأ الموالاة للسلطة أو المعارضة لها. لكن تنظيم ذلك عرضته حكومة الحص التي لا ينطبق عليها الموالاة للسلطة, بل هي السلطة نفسها, خاصة في الانتخابات حيث عشرة وزراء من اصل 15 مرشحون للنيابة. هل كان على الحكومة ان تستقيل والمجيء بحكومة لا مرشحين فيها من اجل تطوير تنظيم الانتخابات مع الحفاظ على النزاهة والحياد؟ يقول الحص لـ (البيان) : (انا ارفض طرح الامر من هذه الزاوية. فنحن لسنا اول حكومة لبنانية ولن تكون آخر حكومة تشرف على الانتخابات, منها اعضاء مرشحون فيها) . ما يقوله رئس الوزراء صحيح, ليس من حيث المبدأ, وهو الملتزم به في العادة, لكن على الاقل من يحث التجارب الانتخابية السابقة. والواقع ان فيها تقبع الطامة الكبرى التي يجري رميها حاليا في وجه الحص وحكومته, ولو كان الرمي هذا في محله سابقا وحاضرا, ويجب ان يبقى مستقبلا. فبالعودة الى أول عملية انتخابية (بعد نيل لبنان الاستقلال) وقد جرت عام 1947 حتى الانتخابات السابقة عام 1996, فلاحظ ان هناك حكومات اشرفت على دورات انتخابية, ووصلت بأعضائها جميعهم, أو بأكثريتهم أو بنصفهم على الأقل, الى البرلمان ـ فقد سبق انتخاب رؤساء حكومات نوابا, كذلك وصل وزراء داخلية اشرفوا على عمليات سير الاقتراع الى النجاح في رتبة (ممثلي الشعب) . لو بادر الحص! وفي الانتخابات الحالية بدءا من الأحد المقبل عود على بدء, وزراء بينهم نواب حاليون, منهم رئيس الحكومة سليم الحص, يعاودون الكرة ويترشحون للانتخابات, وهم (متمسكون) بشعار الحياد, فهل يمر (قطوع) الديمقراطية بخير وسلام؟! لن يكون الجواب سهلا, لا سلبا ولا ايجابا. وسيبقى في كل من الحالتين صعب الاثبات الى حد الاستحالة. لكن الغلبة دائما. في الانتخابات (خاصة اذا كانت لبنانية, أو ربما عربية كما يرى البعض) , تبقى لصالح التشكيك بنزاهة العملية الاقتراعية وديمقراطيتها وحيادية السلطة. يختصر معارض اشرس جدا للحص الصورة, وهو احد ابرز اصدقائه القدامى, ومن مواكبي مسيرته السياسية البيضاء في بيروت كما في خارجها, لبنانيا وعربيا, فيقول: (الحص نزيه, لكن حكومته الله أعلم, لكن, لو بادر الحص فاستقال وتنزه عن حكومة تشرف على الانتخابات, لكان النزاهة بشحمها ولحمها) . بيروت ـ وليد زهر الدين