يكشف تقرير خاص (وغير معلن) الانهيار المروع الحاصل في مختلف المرافق الاقتصادية في لبنان, ويتوقف عند بعض القطاعات لتأكيد الازمة الخانقة والعاصفة. ففي قطاع المصارف الذي يعد عماد الاقتصاد اللبناني, تراجع في النمو على صعيد الميزانية المجمعة وبنودها: الودائع, التسليفات .. ويلقي ذلك الضوء على تردي مؤشرات اخرى في قطاعات مختلفة: الصناعة والتجارة والخدمات والعقار والبناء والمقاولات وغيرها. وازمة البناء ساطعة وواضحة, ونتجت عن (فلسفة رسمية) تقول: ان الفورة العقارية اعاقت الاقتصاد, وسلبت بعض موارده لتجمدها في الاسمنت. اما الكهرباء فانتاجها الى تراجع وتخبط ادارتها لامثيل له, فبعد مضي 5 اشهر على الضربة الاسرائيلية الاخيرة لا يزال التقنين غير المبرمج يشمل مختلف المناطق من دون استثناء. والصناعة تشكو قلة الطلب المحلي والزراعة تكرر وجعها السنوي في ازمة التصريف والسياحة في حال انتظار طالت. والتقشف الحكومي لم يجد نفعا فالعجز الى تفاقم, ووصل الى 53 في المئة في منتصف العام (العجز الكلي للموازنة والخزينة) علما بان المشاريع الاعمارية شبه متوقفة وليس ادل على ذلك من احصاء مستقى من مجلس الانماء والاعمار يفيد ان متوسط الانفاق السنوي على المشاريع الاعمارية والانمائية بلغ 750 مليون دولار بين 1992 و 1998, في مقابل 158 مليونا فقط في 1999, واقل من 100 مليون في النصف الاول من العام الجاري. واطلقت خطط وبرامج لم تر سبيلها الى التنفيذ, فالخطة الاعمارية الخمسية بقيت في ادراج واضعيها, والتصحيح المالي ذهب ادراج الرياح. قطاع البناء وفي تفاصيل اوسع ان قطاع البناء تعمقت ازمته خلال العامين الماضي والجاري على نحو خطير, من دون اي اجراء حكومي لانتشاله, لابل كان المسئولون وفي مقدمتهم وزير المال جورج قرم, ينحي باللائمة على الفورة العقارية السابقة, وما فتىء يذكر بأن القطاع مأزوم, ولا علاج له, مستقيلا من دوره لتحفيز حركة البناء بالتشريعات الضريبية المناسبة. وفي مواجهة ذلك لم تنفع صرخات اهل القطاع لايقاظ الحكومة من سباتها لتحريك عجلة العقار في لبنان الذي يعد (ذهب لبنان) بالنظر الى ضيق المساحة وتزايد الحاجات, ونتج من تراجع حركة البناء فقدان 85 الف فرصة عمل بحسب نقابة المهندسين, التي تؤكد احصائياتها ان القطاع تخلى عن 40 الف فرصة عمل مباشرة, منذ نهاية 1998, وهي فرص عمل عادية للعمال العاديين والمهرة الى جانب 40 الف فرصة عمل اندثرت في القطاعات الرديفة, وابرزها صناعة مواد البناء فضلا عن بطالة 5 آلاف مهندس خلال المدة المذكورة. الطاقة تقاعست الحكومة عن الافادة المطلوبة من منشآت الكهرباء فيما سجل العام الماضي ارتفاعا في استيراد المشتقات النفطية, وبلغ المتوسط الشهري 413095 طنا, اما المتوسط الشهري لهذا العام (6 اشهر) فهو الى تراجع لافت بالقياس الى العام الماضي, بنسبة لا تقل عن 25%, ونسبة التراجع بالمقارنة مع العام 1998 هي 19.3% ويعزى ذلك الى تراجع الحركة الاقتصادية عموما وارتفاع اسعار النفط خصوصا, فضلا عن تخلف كهرباء لبنان عن استيراد الفيول في موعده لمعامل الانتاج. وتراجع انتاج الكهرباء وتراجع استيراد المشتقات النفطية ايضا, مؤشران الى تباطؤ الحركة الاقتصادية, وبطء دوران عجلة الاستهلاك الفردي والصناعي والتجاري. انكماش الطلب ويتجلى هذا البطء بما يمكن تسميته: (انكماش الطلب) , فمع تفاقم الركود الاقتصادي تراجعت الواردات بنسبة 12.6 في المئة العام الماضي قياسا بالعام 1998, واستمر الانخفاض هذا العام. ويقدر بنسبة 17.5 في المئة قياسا بالعام 1998, وتبلغ قيمة متوسط الاستيراد الشهري الآن نحو 738 مليار ليرة في مقابل متوسط شهري 779 مليارا في 1999 و 893 مليارا في 1998. كذلك تقهقرت الواردات الجمركية بنتيجة ذلك, على الرغم من زيادة الرسوم في ابريل 1999, وتراجعت حركة النقل البحري عبر مرفأ بيروت. ومن نتائج تراجع الاستيراد وبالتالي الاستهلاك صرخات تطلقها جمعيات التجار, لا يرجع صداها وادي الحكومة العميق, ولجأ التجار اخيرا الى تمديد شهر التسوق ليصبح شهرين ونصف الشهر للتسوق, علما بان المستهلكين يعانون ضيقا معيشيا اظهرته دراسة للاتحاد العمالي العام, وفي الدراسة ان نحو 29 في المئة من اللبنانيين تراجعت مداخيلهم في 1999, واضحى اكثر من 48 في المئة من اللبنانيين عند حد الفقر او دونه. ومن المؤكد ان هذا الحد سيتراجع اكثر فاكثر, في ظل تراجعات خانقة مماثلة تشهدها مختلف القطاعات الاقتصادية والاجتماعية في طول البلاد وعرضها. و (شر البلية) الذي يضحك هو ان تلك المعاناة المريرة تحولت الى مادة دسمة للترويج الى هذا المرشح او ذاك في الانتخابات التي ستجري اواخر الشهر الجاري في لبنان! بيروت ـ رانيا يونس