هكذا تم الانتقال من الاستيلاء على جروزني إلى تكريس الكرملين ما هي الأسباب الخفية التي تجعل اقتصادا ينكفئ باستمرار قادرا على دعم المجهود الحربي مدة طويلة؟ لقد استطاعت روسيا أن تشن حربا كبيرة في القوقاز للمرة الثانية خلال سنوات قلائل في الوقت الذي لم تحقق أي نمو اقتصادي منذ انهيار الاتحاد السوفييتي, ويعاني نظامها المصرفي من حالة خراب متقدمة بينما يفقد (الروبل) أكثر فأكثر المزيد من قيمته. وذلك بعد أن كانت الأزمة المالية الآسيوية قد انفجرت في آسيا محدثة (عاصفة) أنهت نظرية الوصول إلى (روبل) قوي وإلى توازنات كبيرة في الميزانية كان صندوق النقد الدولي قد شجع عليها. كانت الحرب الشيشانية الأولى قد عجلت بتفكيك لحمة القوات المسلحة الروسية إذ أظهرت عجز وزارة الدفاع الروسية المتكرر عن دفع مرتبات العسكريين بل وفاتورات كهرباء الثكنات. وقد تردت الأوضاع من سيئ إلى أسوأ في هذه الثكنات تبعا للوزن الاقتصادي للمناطق ومهارة الضباط في الحصول على المال الذي غدا شحيحا على الرغم من أهميته من أجل بقاء الوحدات. تبعات اقتصاد مريض تنفق موسكو اليوم ثروة كبيرة على حملتها الثانية في القوقاز, ويقدر الخبراء غالبا الكلفة الشهرية للمجهود الحربي الروسي في الجمهورية الشيشانية بحوالي 100 مليون دولار وربما 150 مليونا. وهذا يعني انه تعين على موسكو أن تؤمن بين شهري سبتمبر وديسمبر 1999 مبلغا يصل إلى ما بين 400 مليون و600 مليون دولار من أجل تلبية المستحقات العسكرية للحرب. ولحسن حظ الحكومة الروسية ارتفعت أسعار النفط الخام منذ نهاية حرب الخليج الأخيرة من عشرة دولارات للبرميل إلى 25 دولارا. وإذا استخدمنا القاموس الطبي فيمكن القول ان البترول خدم كـ (مخدر) سمح للاقتصاد الروسي المريض بامكانية دفع بعض المستحقات المتأخرة من المرتبات وتمويل الجهد الحربي. كما سمح بهامش أكبر من الحرية لروسيا في علاقتها بالبنك الدولي, أو بصندوق النقد الدولي, وفتح المجال أمام امكانية احراز بعض النمو الاقتصادي بالنسبة لعام 2000. في الغرب, حيث الأوساط المالية نتائج الانتخابات التشريعية الروسية التي جرت في شهر ديسمبر 1999 حيث تمت طمأنة المستثمرين إلى ان الاصلاحات الاقتصادية والسياسية سوف تستمر في روسيا. كما أصبح بمقدور الحكومة الروسية بفضل وجود برلمان مؤيد لها الشروع بصياغة قانون ضريبي جدير بأن يحمل هذه التسمية واعداد مشروع اصلاحات كبير بخصوص ملكية الأراضي. كما ان انتقال السلطة من يلتسين إلى بوتين بدد المخاوف حول احتمال وجود (فراغ دستوري) . وباختصار اهتم المستثمرون من جديد بالسوق الروسية. وبعد أن كانت (بورصة) موسكو قد انخفضت قيمتها بنسبة 85% خلال الأيام والأشهر التي تلت تخفيض قيمة الروبل عادت لتكسب ما بين 10% إلى 20% بعد فوز بوتين في الانتخابات التشريعية واستقالة بوريس يلتسين. وقد تساءل أكثر من محلل عما إذا كانت لم تأت اللحظة المناسبة للمخاطرة في سوق تتمتع بدرجة عالية من المضاربة ولكنها تبقى دائما ذات سحر خاص. وتفيد تقديرات (لجنة الاحصاءات) ان الانتاج الصناعي قد ازداد عام 1999 بنسبة 8%. وإذا كان من المؤكد انه جرى تضخيم هذا الرقم وبأنه قد تم تقديمه في سياق الحملة الانتخابية لفلاديمير بوتين. فإنه يدل مع ذلك على شيء من التحسن في بعض الفروع الصناعية كالكيمياء والبتروكيماويات والصناعات الفولاذية. وبالطبع, لم يكن هذا كافيا لاعادة المصداقية لسياسة الكرملين فإن هذا لا يمنع ان الاحصائيات المقدمة تصب لصالح لعبة بوتين منذ مطلع عام 2000. وهكذا أصبح يمثل صورة القائد المصمم على النضال ضد الارهاب وعلى تحسين الوضع الاقتصادي. مع ذلك لم يصبح بمقدور المواطن الروسي (المتوسط) أن يساهم حقيقة في النهوض الاقتصادي الذي ظل هامشيا وبعيدا عن المنتوجات ذات الاستهلاك الواسع, لا سيما وان دخل ذلك المواطن (المتوسط) هو حوالي ستين دولارا في الشهر. أضف إلى هذا الهروب الكبير لرؤوس الأموال. وفي المحصلة النهائية وجد الكرملين نفسه في عام 2000 أمام خيارات مورقة على صعيد الميزانية, ذلك ان الصحة والتربية تواجهان خطر دفع كلفة سياسة المدافع في الجمهورية الشيشانية. بالاضافة إلى ما سبق بدت مكانة روسيا كقوة كبرى تواجه التهديد (الديموجرافي) إذ تناقص عدد سكانها عام 1999 وحده نسبة 0.5% أي أعلى نسبة منذ انهيار الاتحاد السوفييتي. وهناك أيضا مشكلات الاسراف في تعاطي الكحول والاجهاض وعدم كفاية تجهيزات المستشفيات مما يؤدي في النتيجة النهائية إلى انحدار القوى الحية في روسيا. هذه الأسباب كلها تجعل من الصعب على روسيا أن تستغني عن المساعدات الأوروبية الأمريكية وكان الكرملين قد حصل من (نادي لندن) على الموافقة على التخلي عن جزء من الديون الخارجية الروسية. كذلك تنازلت مؤسسات خاصة من البنوك الأوروبية والأمريكية عن حوالي الثلث من مجموع الـ 32 مليار دولار التي كان النظام الروسي القديم قد اقترضها. وكان من الواضح ان تجاوزات الجيش الروسي في الجمهورية الشيشانية ليست من طبيعة قد تؤدي إلى وقف المساعدات الأمريكية والأوروبية حيال الكرملين. دماء جروزني إن تقليص الديون الخارجية الروسية من قبل (نادي لندن) وغيره لا يمكنه سوى أن يؤدي إلى تصعيد العمليات العسكرية الروسية. وقد أعلن فلاديمير بوتين انه ينوي زيادة حجم الطلب العسكري بنسبة 50% خلال عام 2000. كما أكد على تطوير الأجهزة الخاصة والجيش. ولم يتردد بوتين أثناء جولاته المتكررة على القوات المسلحة الروسية في التأكيد على ان روسيا هي قوة نووية كبرى وان الاسطول الروسي سيعاود حضوره من جديد في البحر الأبيض المتوسط. وفي خضم الحديث عن تعزيز قوة الجيش الروسي استأنفت موسكو هجومها في مطلع هذا العام على (جروزني) وعززت رقابتها على الحدود مع أنجوشيا, ومنع الجيش الروسي الرجال الشيشانيين الذين تتراوح أعمارهم بين عشر سنوات وستين سنة من الانتقال بين جمهورية وأخرى بحجة (خشية ان يحاول المقاتلون الدخول تحت غطاء مدني من أجل استرداد جرحاهم) . وفي 13 يناير 2000 اعترفت موسكو مرة أخرى بأنها تكبدت خسائر كبيرة, واستمر المقاتلون الشيشانيون بمقاومتهم بينما كانت أعداد الجنود الروس الذين بمواجهتهم في تزايد مستمر. ذلك ان الرئيس الروسي كان قد قرر ان يعطي من الامكانيات العسكرية ما يستجيب لطموحاته السياسية. وفي 18 يناير 2000, وبعد أربعة أشهر ونصف الشهر من القتال, أكد العسكريون الروس انهم قد وصلوا إلى مركز العاصمة جروزني بعد معارك ضارية وبمساندة قصف جوي كثيف ودرجة لا تضاهى من العنف. لكن المقاتلين الشيشانيين استمروا بالمقاومة بكل (الطاقة) التي يولدها اليأس, واستطاعوا أن يأسروا جنرالا روسيا. وفي ظل متابعة القصف الجوي استطاع الجنود الروس احتلال العديد من المواقع الاستراتيجية في المدينة, وبدأ أوائل المقاتلين الشيشانيين بالقاء أسلحتهم وتسليم أنفسهم. وفي الأول من فبراير 2000 أعلن المسئولون الشيشانيون ان القوات الشيشانية تلقت الأوامر بالانسحاب من المدينة خلال الليل. وفي الواقع كان المئات من المقاتلين يبحثون عن وسيلة للهرب, لكنهم كانوا محاصرين في ضواحي المدينة. وتناوبت أشرس المعارك والمفاوضات بين الطرفين المتحاربين, حيث كان الأمر يتعلق بفتح ممرات (إنسانية) مقابل مبالغ مالية ضخمة. وعلى الرغم من الحصار استطاع الألوف من المقاتلين الشيشانيين الهروب من المدينة التي تحاصرها القوات الروسية. لكن على الطريق المؤدية من المدينة إلى الجبال كانت وحدات المقاتلين المنسحبة تواجه أخطار الموت بسبب الألغام أو قصف الطيران الروسي الذي لم يكن يميز بين عسكري ومدني. وتوجب الانتظار حتى السادس من فبراير 2000, كي يعلن الرئيس الروسي بالنيابة فلاديمير بوتين, رسميا, (تحرير جروزني) أي تحقيق الهدف الاستراتيجي والسياسي للتدخل العسكري الروسي في الجمهورية الشيشانية. أما آخر المقاتلين الشيشانيين فقد انسحبوا إلى الجبال, كي يبدأوا من هناك (حرب عصابات) ضد الوجود الروسي في بلادهم. إن الجيش الروسي لم يخرج بـ (مكانة أكبر) من معركة الاستيلاء على جروزني, بعد أشهر عديدة من المقاومة الشيشانية بعددها وعدتها المتواضعين. وفي بيان صدر في السابع من فبراير 2000, عبر القناة التلفزيونية التابعة لوكالة (انترفاكس) وعد القائد الحربي الشيشاني, الذي ظهر وقد فقد أحد ساقيه بـ (شن أعمال عسكرية على مجمل الأراضي الروسية) . كانت المشكلة الأكبر التي تواجه الروس هي ان يقوموا لفترة طويلة بتمويل وجود عشرات الألوف من العسكريين في الجمهورية الشيشانية. وأعلن الجنود الروس باستمرار رغبتهم في العودة إلى بيوتهم وأهلهم. إن الاعتماد على جنود شباب تنقصهم الحوافز للبقاء وعلى مرتزقة ينتظرون الدولارات التي وعدتهم بها قيادة أركان الجيش الروسي لم يكن من شأنه أن يسهل الحملة الروسية بل طرح مشكلات يبدو انها غير قابلة للحل تقريبا. وكان الاغراء كبيرا في صفوف القوات الروسية لبيع الأسلحة للمقاتلين الشيشانيين لتأمين المصاريف الضرورية. واقترح أعضاء في الجهاز الأمني الاتحادي الروسي وبعض الجنود, على الصحفيين الأجانب القيام بـ (جولات سياحية) حقيقية في الجمهورية الشيشانية مقابل حفنة من الدولارات. وقد استطاع عدد من الموفدين الخاصين عبر استخدام هذه القنوات اجراء تحقيقات مصورة عن المعارك, وعن الجرحى. وقد كانت تعرفة التحليق فوق العاصمة جروزني بطائرة عمودية (هيلوكبتر) هي خمسة الاف دولار امريكي. لقد رأت بعض وسائل الاعلام ان هذه هي الوسيلة الوحيدة من اجل اعلام الرأي العام, لاسيما وان قيادة الاركان الروسية رفضت منح اي ( اعتماد صحافي للاعلاميين الاجانب) . تعددت الشهادات عن القطاعات التي لجأ اليها الجنود الروس المتعطشون للثأر وللمال, لقد تم قتل شيوخ ونساء واطفال, فضلا عن عمليات الاغتصاب وفرض الغرامات المالية, وقد اشارت عدة منظمات غير حكومية الى (عمليات الاغتصاب المتكررة للنساء والقيام بعمليات تعذيب تهدف الى احداث عاهات مستديمة حيث ان ارادة التخريب هذه تذكر بأكثر الصفحات قتامة في القرن العشرين) . تواطؤ الأطلسي في الوقت الذي دلت جميع القرائن على ان روسيا قد اقترحت من دون اي عقاب جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية في الجمهورية الشيشانية, عززت موسكو والحلف الاطلسي من علاقاتهما فقد استأنفت روسيا والغرب الحوار رسميا في 16 فبراير 2000 والتقى في الكرملين الامين العام للحلف الاطلسي اللورد, جورج روبرتسون مع الرئيس الروسي بالنيابة فلاديمير بوتين بحضور وزير الخارجية ووزير الدفاع الروسي وقرر الروسيين والحلف الاطلسي (طي الصفحة) واعلن بوتين عن ضمانته الشخصية لاستئناف العلاقات مع الحلف الاطلسي, ومن جهته صرح الامين العام للحلف الاطلسي في مقابلة له مع مجلة (دير) الالمانية بأنه يستطيع ان (يفهم) التدخل الروسي في الجمهورية الشيشانية, ذلك لان الحلف (يمتلك البراهين على انه يوجد بدون ادنى شك ارهابيون بين صفوف المقاتلين الشيشانيين) . وفي 5 مارس 2000 وفي اجابته على سؤال وجهته (البي.بي.سي) قال فلاديمير بوتين انه لايستبعد ان يرى روسيا ذات يوم عضوا في الحلف الاطلسي اذا تمت معاملتها على قدم المساواة مع الاعضاء الاخرين واثار هذا التصريح احتجاجات كبيرة في موسكو, من اعنفها تصريح (خينادي زيوجانوف) زعيم الحزب الشيوعي الروسي, الذي قال: (ان آباءنا واجدادنا لم يحرروا اوروبا من الفاشية كي يأتي الحلف الاطلسي ويشكل تهديدا للأمن القومي الروسي) لكن بعض الصحافيين الروس رأوا في تصريح بوتين مجرد الاعتراف بانهيار النظام السياسي الدولي الذي ساد بعد الحرب العالمية الثانية, اي بتعبير اخر (ان روسيا لاتمتلك الامكانيات الحقيقية لمقاومة التوسع السياسي والعسكري للحلف الاطلسي) . لقد عرف بوتين كيف (يدغدغ) مشاعر القادة الغربيين ومسئولي الحلف الاطلسي المهتمين بتوسيع نطاق الحوار مع روسيا, بعد انهيار جدار برلين وحلف وارسو, مع متابعة الاعتقاد بان انضمام روسيا الى الحلف الاطلسي هو نوع من (اليوثوبيا) لاعلاقة له بالواقع. وخلال الزيارة الاولى التي قام بها رئيس الوزراء البريطاني انطوني بلير الى سان بطرسبرج اعلن عن (فرحته الشديدة) بالاتصالات الاولى التي تنبىء بعلاقات روسية ـ بريطانية ممتازة مستقبلا, ثم اضاف انه سوف ينتظر اولا نتائج تحقيقات معمقة قبل ان يصدر حكمه حول احتمالات انتهاك حقوق الانسان من قبل الجيش الروسي في الجمهورية الشيشانية واعلنت الاجهزة السرية البريطانية انها تنوي التعاون الوثيق مع الكرملين من اجل مكافحة الارهاب وتجارة المخدرات والجريمة المنظمة, وقد تزامنت زيارة رئيس الوزراء البريطاني مع وجود وفد برلماني اوروبي زار جروزني وفوجىء بدرجة الدمار التي عانت منها المدينة الشروط المعيشية القاسية للسكان المدنيين. من جهة اخرى اظهرت الجمهوريات السوفييتية السابقة حسا عمليا,, عاليا وهي التي تهتم بشكل خاص بكل مايمس من قريب او من بعيد روسيا, وبالنسبة لبلدان مجموعة الدول المستقلة) اي جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق باستثناء بلدان البلطيق, كان انتخاب فلاديمير بوتين رئيسا لروسيا بمثابة امر محسوم, الم يكن بوتين هو الذي يحتل مقعد رئاسة مجموعة الدول المستقلة منذ شهر يناير 2000 في مكان رئيس طاجقستان (ديمومالي راخمونوف) الذي تخلى عن دوره بالرئاسة بأمل اقامة افضل العلاقات مع سيد الكرملين الجديد مستقبلا؟ ومن المعروف ان موسكو تدعم طاجكستان, وان هناك قواتا روسية تقوم بدوريات على طول الحدود الطاجكستانية مع افغانستان من اجل منع رجال طالبان من التوغل في اراضي طاجكستان, لاسيما وانهم هددوا بقلب النظام الشيوعي الجديد في دوشامبيه. وقد رأى الرئيس الاوزبكي في انتخاب رئيس شاب على رأس الكرملين امرا ايجابيا من حيث قدرته على التصدي لصعود التيار المحافظ في القوقاز المجاورة لآسيا الوسطى. وكان العسكريون في ارمينيا مؤيدين لفلاديمير بوتين القائد الروسي الوحيد القادر في نظرهم على ان يواجه الصعود القوي لاذربيجان الغنية بالبترول والمصممة على ان تبسط سيادتها على ناجورنو كاراباخ ذات الاغلبية الارمنية الواقعة داخل حدود اذربيجان. وكان بمقدور فلاديمير بوتين الاعتماد على الدعم غير المشروط لرئيس بيلورسيا الكسندر لوكاشينكو المتحمس لعقد معاهدة توحيد بين (مينسك) و (موسكو) . اما رئيس اوكرانيا فقد اعتبر فلاديمير بوتين بمثابة رجل يمتلك قدرا من الذكاء يمسح له بفهم ان اي ضغط من قبل الكرملين على كييف ستكون له آثار سلبية, وكانت موسكو لاترى اية مصلحة لها في ان تتقارب اوكرانيا مع الغرب.