الغرفة الاولى صغيرة تقوم فيها الاسرة مقام الارائك, اما الاخرى فواسعة تشغلها ارائك منجدة, الاولى مطمورة في الاسمنت الكئيب لاحد المنازل في اكبر مخيم للاجئين الفلسطينيين بجنوبي بيروت, والثانية مبنية في واد اخضر جميل في شمال اسرائيل. وعلى الرغم من ان المسافة التي تفصلهما لا تتجاوز مسيرة ساعتين بالسيارة, الا ان بيتي الشقيقين من عائلة شحادة ينتميان الى عالمين مختلفين. وتعتبر عائلة شحادة التي انفصلت وشتت خلال حرب عام 1948 التي اعقبت قيام اسرائيل احدى العائلات الفلسطينية الكثيرة التي تعيش حياة منفصلة على جانبين متقابلين لحدود يسيطر عليها العداء, فقبل خمسة عقود, نزح قسم من العائلة الى لبنان, واستقر بهم المقام في مخيم برج البراجنة للاجئين. ووجد افراد آخرون من العائلة نفسها ملاذا لهم في قرى مثل المزرعة التي استسلم اهلها لسلام حذر مع غزاتهم, وسرعان ما اصبحوا مواطنين في دولة اسرائيل على الرغم منهم. والآن يبرز مصير اللاجئين الفلسطينيين وابنائهم واحفادهم كمسألة رئيسية تواجه القادة الاسرائيليين والفلسطينيين في محاولتهم للتوصل الى اتفاقية سلام. ويقدر الفلسطينيون عدد اللاجئين والمنحدرين منهم بما يتراوح بين 3 الى 4 ملايين نسمة وهم يريدون ان يكون لهم جميعا (حق العودة) الى بيوتهم. ومن جانبها تقول اسرائيل ان الرقم يتراوح بين 300.000 ومليون نسمة وتصر على انها لا يمكن ان تقبل بعودة هذا السيل من اللاجئين الذي من شأنه ان يقلب التوازن السكاني العربي ـ اليهودي المتقلقل في البلاد لصالح الفلسطينيين. وبدلا من ذلك, عملت اسرائيل على الترويج لفكرة التعويض المالي بمساعدة تأمل ان تحصل عليها من دول مانحة. ولكن فيما وراء مستوى الاعتبارات الجيوسياسية ـ مثل المسائل المتعلقة بما اذا كانت لبنان والاردن وسوريا ستقبل باستيعاب اللاجئين الذين ابقتهم كشعب له هويته المستقلة تكمن مآزق اجتماعية معقدة. لقد استطاع الاشقاء من عائلة شحادة بمساعدة اقارب لهم في الدانمارك البقاء على اتصال خلال عقود من الانفصال. ولكن هل يمكن حقا لعائلات انفصلت على امتداد جيلين تقريبا ان يلتئم شملها من جديد؟ ان المسألة تعقدت بفعل تفاوض الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات بالنيابة عن لاجئين يقولون انهم ليس لديهم اي اهتمام بالعيش في دولته التي لا تزال قيد التشكل في الضفة الغربية وقطاع غزة. وعلى العكس من ذلك, فإنهم يصرون على العودة الى قراهم التي هجروا منها عنوة في عام 1948 والتي هي كثير من الحالات لم تعد موجودة وتقوم في الغالب على ارض اصبحت الآن جزءا من الارض الاسرائيلية. وفي حين يعتبر من غير المتوقع ان تقوم اسرائيل بفتح الباب على مصراعيه امام عودة اللاجئين الفلسطينيين, فإن اقارب العديد من اللاجئين الذين يقطنون المخيمات يعيشون داخل حدود اسرائىل. كما ان اولئك الاقارب وهم اناس يتمتعون بالمزايا الاجتماعية الاسرائيلية ويصوتون في الانتخابات الاسرائيلية بل وحتى يعتبرون هوياتهم اسرائيلية بقدر ما هي فلسطينية, هم من سارت حياتهم في اتجاه مغاير لحياة اقاربهم في مخيمات اللاجئين في الدول المجاورة. وفيما يتعلق بعائلة شحادة فقد انفصل الاخوة والاخوات والآباء والابناء كل تلك السنين الماضية, عندما اختاروا على عجل طرق الهرب الى الامان, اما الى الشمال باتجاه لبنان, او الى الجنوب مخاطرين بالعودة الى بلد اصبح بنظرهم ارضا معادية. بعض الاقارب نزح الى قرى عقدت هدنة مع اسرائيل, والبعض الآخر بحث عن ملجأ في الدول العربية الاخرى. وتقول عالية, زوجة صادم شحادة: (كنا مرعوبين من قدوم الاسرائيلين, لهذا كان الجميع يغادر القرى. لقد اخذنا بضع قطع من الملابس وبعض الوسائد, لكننا تركنا بيوتنا وممتلكاتنا وكل شيء) . ثم ظهر فيصل, شقيق صادم, وهو الشقيق الاكبر الذي لا يزال على قيد الحياة لتسعة ابناء, ظهر يجر قدميه متكئا على عكازه ليروي الجانب الذي يخصه من القصة وقال فيصل: (لم تكن لدينا اية اسلحة واخبرونا (القادة المحليون) ان الجيوش العربية تريدنا ان نغادر, وانها آتية للدفاع عنا وانه سيكون بمقدورنا العودة الى ديارنا في غضون اسبوعين) . معظم لم يعد ابدا. وبلدتهم كويكات دمرت عن بكرة ابيها, واصبحت فيما بعد كيبوتسا (قرية تعاونية) اسرائيليا. واثنتان من الاخوات لحقتا بزوجيهما العائدين بحثا عن ملاذ في اماكن مثل المزرعة التي كانت قرية درزية عقد مختارها سلاما مع الاسرائيليين. وبالنسبة لأولئك الذين لم يروا خيارا غير النزوح الى لبنان, فقد كان الطريق صعبا. فعالية وصادم عاشا في الخيام مع طفليهما الاولين, وانتقلا الى مخيم من اكواخ الصفيح, حتى وافقت الحكومة اللبنانية غير الراغبة في عمل اي شيء يجعل وجود اللاجئين دائما, تحت الضغط, على بناء بيوت لهم في عام 1975. وفي ظل حظر عمل الفلسطينيين في معظم الوظائف في لبنان فقد كافحا من اجل تربية 11 طفلا بالاعتماد على اجور يومية من اعمال البناء والاعمال المتدنية الاخرى. والآن, داخل هذه المتاحة الاسمنتية المكتظة في برج البراجنة, وحيث الازقة اضيق من ان تستوعب السيارات, والشمس محجوبة في اغلب الاحيان بفعل كثافة البشر والبنايات, يحلم صادم بالعودة الى الارض التي زرعها في شبابه ويقول: (افضل ان اكون هناك حتى لو اضطررت للعيش تحت شجرة او في خيمة) ويضيف انه لن يرضى بتعويض مالي. ويقول: (الضفة الغربية هي للناس الذين يعيشون في الضفة الغربية. انا اريد ان اعود الى كويكات) وهي منطقة تقع الآن بين مدينتي حيفا ونهاريا. وبخلاف معظم اللاجئين, وجد صادم طريقة للعودة الى الوطن ولو لزيارة قصيرة, ولكن ليس للوطن الذي يتذكره. فقد تلقى تصريحا من اسرائيل بزيارة اختيه عام 1993. وما وجده في اقامته التي استمرت 40 يوما لم يكن فقط ذلك الفرح الغريب لمعانقته ابناء وبنات اختيه البالغين الذين لم يقابلهم ابدا في حياته. وانما كان هناك ايضا خطر معين من طبيعة المشاعر التي يشعرون بها وسط جيرانهم الاسرائيليين الذين قضى حياته يلعنهم. ويقول صادم (شعرت بسعادة غامرة, لقد كان الامر بمثابة العرس. ولكن البلد مدمر بالكامل اريد ان اعود الى فلسطين) . غير ان اقاربه يعيشون في اسرائيل. وفي مقابلة مع اخته مريم واسرتها, يبدو ذلك واضحا في الحروف العبرية المطبوعة على قميص (التي ـ شيرت) الذي يرتديه ابنها, وفي الالفاظ العبرية العامية التي تخترق لغتهم العربية, وفي السيارات التي تقف خارج منزل ابيض جميل يقع في شارع يمثل ضاحية اسرائيلية نموذجية. والامر واضح, اكثر من اي شيء اخر في حقيقة ان ابناء شقيقته يرون في العمل والتعامل مع الاسرائيليين جانبا طبيعيا من الحياة. ويقول محمود حصرمي ابن مريم (اقاربي في لبنان لا يصدقون ان اليهود والعرب هنا يمكنهم التحدث الى بعضهم البعض, وان يكونوا اصدقاء. وعندما زارنا خالي كان في الواقع مصدوما. وظن انه في خطر طوال الوقت. فأقربائي يعتقدون ان الاسرائيليين يطلقون النار علينا طوال الوقت, وليست لديهم اية فكرة عن طبيعة الوضع) . وعلى العكس من ذلك, فإن الحياة بالنسبة لهم وللعرب الاسرائيليين الآخرين, الذين يشكلون حوالي 18% من تعداد سكان اسرائيل هادئة بوجه عام على الرغم من انها مليئة بالتناقضات. فهم يتمتعون بمعظم المزايا الوطنية التي يتمتع بها الاسرائيليون: التعليم المجاني عمليا, الرعاية الصحية, الضمان الاجتماعي ومخصصات الاولاد. لكن في حين قدمت لهم اسرائيل مستوى معيشة افضل مما قد يجدوه في معظم الدول العربية الا ان الفلسطينيين الذين يحملون بطاقات هوية اسرائيلية ـ كما يفضل البعض تسمية انفسهم ـ يقولون انهم سيعاملون دائما كمواطنين من الدرجة الثانية في دولة تعتبر نفسها يهودية. وبينما كلمة (اسرائيل) لا ترد على شفاه اشقائها ـ لان مثل هذا الذكر سيعني الاعتراف بها ـ فقد صوتت مريم في الانتخابات الاسرائيلية العام الماضي. واعطت صوتها لايهود بارك على امل ان يوافق على اتفاق حول مشكلة اللاجئين ويجمع شمل عائلتها مجددا. وتقول مريم: (انا مواطنة اسرائيلية) ولكنها تضيف بأن على جميع هؤلاء الناس ان يعودوا من حيث اتوا, اليمنيين والروس يتعين عليهم جميعا ان يعودوا الى بلدانهم, او يجدوا بلدا آخر للعيش فيه. انا لا احبهم فاليهود مسئولون عن تشتيتي انا وعائلتي) . تململ ابناؤها الذين يبدون في الثلاثينيات من عمرهم بعد ارتياح في كراسيهم, فالكثيرون من ابناء جيلهم المدركون لما عاناه آباؤهم تخطوا ذلك الى نوع من التعايش الجديد. عن (كريستيان ساينس مونيتور) ترجمة: ضرار عمير