إلى أين يفضي الاستخدام السيئ للديمقراطية في زمن الحرب ، الكرملين ينفق 52 مليون دولار على الانتخابات تحت سقف ثقافة الرشوة كيف يمكن الخروج من نظام شمولي والدخول إلى المنظومة الديمقراطية بلعبتها الانتخابية والسباق إلى السلطة وإلى التحديث؟ (بواسطة الحرب الشيشانية) كما يبدو في اجابة روسيا لفترة ما بعد الشيوعية. وكانت الانتخابات التشريعية لشهر ديسمبر 1995 قد جرت تحت راية الحرب الشيشانية الأولى. وقد استفاد نظام بوريس يلتسين آنذاك من اقتراب موعد الانتخابات كي يدخل في مفاوضات لايقاف تلك الحرب الأولى, من أجل كسب أصوات الليبراليين المعارضين لأية مغامرة عسكرية. لكن الوضع بدا مغايرا تماما في نهاية صيف 1999 مع بقاء الجمهورية الشيشانية في صلب اهتمامات الكرملين. فالرئيس الروسي بوريس يلتسين لم يكن يحلم باعادة انتخابه للمرة الثالثة, فصحته لا تسمح له بذلك. وكان الرأي العام قد تعب من تجاوزات رئيس لم يعد يملك كامل قواه العقلية ويغير رؤساء حكومته كما يغير قمصانه. وعندما أصبح فلاديمير بوتين رئيسا للحكومة وجد انه بحاجة للحرب الشيشانية من أجل تلميع صورته كقومي متحمس وكرجل جدير بأن يكون رئيسا ورأى استراتيجيو الكرملين ان الشروع بحرب جديدة يستجيب لتطلعات شريحة كبيرة من الناخبين الذين ساءهم سقم الدولة المديد وانتشار الفساد على جميع الأصعدة. وكانت روسيا تطالب بقائد شاب وديناميكي قادر على مواجهة العواصف. وكما في 1995 - 1996 لم تكن روسيا تريد العودة إلى سلطة ورثة لينين. وكما في المرة الأولى أيضا ظل الحزب الشيوعي بمثابة القوة المعارضة الرئيسية وذلك بسبب وجود حليف قوي له وغياب استراتيجية انتخابية واضحة. هكذا لم يستطع قائده جينادي زيوجانوف أن يجذب إليه أغلبية الروس. كان يدرك هذا جيدا, وكان الكرملين يدرك أيضا انه لديه الشخص المطلوب وهو فلاديمير بوتين. فوق الشبهات حصل فلاديمير بوتين على ثقة البرلمان الروسي بسهولة, عند تعيينه رئيسا للوزراء في شهر أغسطس 1999. ولاحظ ان استطلاعات الرأي العام تدل على ازدياد شعبيته بواسطة التدخل الروسي في الجمهورية الشيشانية. كما أدرك أيضا انه يمكن أن يلعب على المشاعر المناوئة للغرب لدى جميع شرائح المجتمع الروسي. وقد دلّ استطلاع للرأي العام أجرته وكالة (رومير) على ان 41.1% من الروس يرون ان البلدان الغربية تريد أن تجعل من روسيا أمة من أمم العالم الثالث. وأكد 30% من الذين تم توجيه الأسئلة لهم ان الغرب يريد تفجير روسيا ونهايتها. كانت الحرب الشيشانية هبة ثمينة لفلاديمير بوتين من جميع الزوايا. وبدا ان هذا الرجل البارع في حسابات المواقف يمتلك حاسة سادسة تسمح له بالتأقلم مع مشاعر الناس, كما مع الأحوال الجوية. هكذا عرف كيف يتعامل مع غرائز سكان يفتقدون إلى رؤية واضحة وثابتة ويعانون من الانهاك الشديد, بعد عقد من الاصلاحات السياسية والاقتصادية التي لم تعط ثمارها المرجوة. أضف إلى هذا واقع ان بروز نجم بوتين يعود بدرجة كبيرة إلى الدعاية الاعلامية المبرمجة وإلى أموال الأثرياء المقربين من أسرة يلتسين. إن جميع الأساليب قد تم اللجوء إليها من أجل محاربة خصوم فلاديمير بوتين, وذلك عبر شراء الصحفيين المرموقين في البلاد. هكذا جعلت القناة التلفزيونية الكبيرة (أو. آر. تي) المقربة من الكرملين, من نفسها أداة لخدمة بوتين. ووقفت الصحافة الروسية بقوة خلفه, بعد البدء بالحرب الشيشانية الثانية. ضمن هذا السياق أصبحت (ثقافة الرشوة) هي السائدة كما في العمليات الانتخابية السابقة. كانت السلطة تمتلك امكانيات مادية هائلة. وكان الكرملين يدرك, مستفيدا من تجربة 1995-1996 أن المال يشكل عصب الديمقراطية في روسيا. والحكومة نفسها لم تنكر هذا الواقع, وقررت أن تنفق 52 مليون دولار لتمويل الانتخابات التشريعية. ومثل هذا المبلغ يشكل ثروة كبيرة بالنسبة لأغلبية الأحزاب السياسية. في مواجهة هذا, قام تحالف (الوطن.. كل روسيا) الذي كان يقوده رئيس بلدية موسكو القوي يوري لوجكوف ورئيس الوزراء الروسي السابق يفجيني بريماكوف بتقديم وثائق للجنة الانتخابية تثبت بأن مسئولين في الكرملين حاولوا رشوة بعض المرشحين, كي لا يتقدموا للانتخابات التشريعية, لكن جهود (التحالف) ذهبت سدىً, إذ ان آليات الدولة الرئيسية بقيت بين أيادي زمرة يلتسين. أضف إلى هذا واقع ان فلاديمير بوتين كان يمتلك ميزة كبيرة بالقياس إلى المسئولين السياسيين الرئيسيين في روسيا, وهي انه لم يشارك في الحملة الانتخابية التشريعية, ولم يتقدم كي يصبح عضوا في (الدوما) , أي البرلمان الروسي. واسمه لم يرتبط بأي حزب, وحتى لو كان حزب (الوحدة) الذي ينتمي إلى تيار وسط اليمين وحزب (بيتنا روسيا) قريبين من الأفكار القومية والليبرالية باعتدال التي يقول بها فلاديمير بوتين. لقد حرص رئيس الوزراء الروسي على أن يبقي مسافة فاصلة بينه وبين الجميع, ويلاحظ من بعيد الحرب الضروس التي يتنافس فيها الليبراليون فيما بينهم, ويحسن بثمن قليل صورته كشخصية فوق الألاعيب الانتخابية. وخلافا للانتخابات التشريعية في عام 1995, التي شهدت مواجهة قوية بين الشيوعيين والديمقراطيين, فإن الحملة الانتخابية لشهر ديسمبر 1999 عرفت مجابهات عنيفة بين ثنائي بريماكوف - لوجكوف والاصلاحيين من تيار يميني - الوسط بقيادة سيرجي شواجو, وزير الحالات الطارئة الروسية. وكان رئيس بلدية موسكو يوري لوجكوف يطالب باعادة النظر بالطريقة التي قامت على أساسها حكومة يلتسين بنقل ممتلكات الدولة إلى القطاع الخاص, بينما لم يكن الكرملين يريد (المساس بمكتسبات) النظام القائم منذ عام 1991. وكان رجال النظام يريدون أن يمنعوا بأي ثمن أي ملاحقات قضائية بتهمة الفساد أو تبييض الأموال أو اختلاسها. أمام هذا الشرخ العميق الذي كان يفرق (المعسكر الديمقراطي) برز فلاديمير بوتين من (العدم) . لقد كان جديدا تماما على رقعة الشطرنج السياسي الروسي وبعيدا عن الصراعات التي دفعت بطابعها العقد الأول من حياة روسيا ما بعد الشيوعية, مما أظهره بنظر الرأي العام كشخصية نظيفة. كانت المناسبة واعدة كثيرا لهذا الانتهازي العريق. فقد استفاد في الواقع من غياب نضج الشعب الروسي الذي لا يزال متشربا بردود الفعل التي تعلمها طيلة سبعين عاما من الشيوعية. ولا شك في ان أمة مثل روسيا محرومة من بديل برلماني حقيقي وبدون نقابات وجمعيات بالمعنى الدقيق للكلمة يمكنها وحدها أن تكون عرضة للاستغلال بهذه السهولة. وقد أظهرت الحملة الانتخابية أن الديمقراطية الروسية هي مجرد أطروحات فكرية وأخلاقية مكرسة كي تخدع الغرب بأقل كلفة. إن غياب قواعد ثابتة للعبة صب في خدمة مرامي رئيس الحكومة الذي كان يحتكر وسائل الاعلام ومجمل أجهزة الدولة. ولم تكن جروح الشيوعية قد اندملت بعد. ولم تصبح روسيا هي ذلك البلد الديمقراطي الذي كانت تحلم به الطبقة المثقفة الروسية في نهاية عقد الثمانينيات قبل أفول فترة (الشفافية) الجورباتشوفية. والطبقة السياسية التي كانت تفتقر إلى مشروع حقيقي بالنسبة لبلادها بحثت قبل كل شيء عن الاحتفاظ بما لديها من الامتيازات. ولم تكن المعارضة بشكل خاص قادرة على تحديد موقفها بدقة حيال رئيس الوزراء الجديد الذي جاء كي يخلط أوراق اللعبة السياسية كلها, وخاصة اللعبة الانتخابية. وعشية الانتخابات التشريعية لشهر ديسمبر 1999 خفّ رجال السياسة الروس للاحتفاء بفلاديمير بوتين, الجديد على الحياة السياسية والجاسوس المقبل من سان بطرسبرج ورئيس الحكومة الذي يفتقر إلى أي شرعية سوى ان بوريس يلتسين عينه كخليفة له. كان من بين الحضور رؤساء الحكومات الروسية الثلاثة السابقون: فكتور تشيرنوميردين ويفجيني بريماكوف وسيرجي كيريينكو. وكانوا جميعا بمثابة (ديناصورات) خرجت من حطام الاتحاد السوفييتي. وكانوا يضمرون عواطف متضاربة, لكنهم أظهروا جميعهم نوعا من الطاعة باختصار, وخلال عدة أسابيع فقط أخذ فلاديمير بوتين, موقعا متميزا على ساحة الشطرنج السياسية الروسية. وفي اللحظة التي كان فيها بوتين يشرح لمحاوريه سياسته في القوقاز, بد ان ان الحرب الشيشانية تلقي بظلالها على العملية الانتخابية. وبدت تلك الحرب قاتلة بالنسبة لبعض التشكيلات السياسية, ووجد رئيس بلدية موسكو يوري لوجكوف الذي كان يريد أن يجعل من المشاعر القومية المتأججة (حصان) معركته الانتخابية, ان بوتين قد (سحب البساط) من تحت قدميه. وذلك عندما أرفق القول بالعمل حيث بدا ان الأمر يتعلق باستعادة عظمة روسيا واستعادة الجيش الروسي لثقته بنفسه. وكانت جميع عمليات استطلاع الرأي قد دلت على ان مجرد توجيه أي انتقاد, مهما كان بسيطا, للتدخل العسكري الروسي في جمهورية الشيشان كان يعني انخفاضا كبيرا في شعبية الشخص أو القوة السياسية الذي يصدر عنه مثل هذا النقد. بالمقابل كان أعضاء البرلمان الروسي (الدوما) الذين انتهت مدة تمثيلهم يريدون استعادة مقاعدهم والحفاظ على حصانتهم وسياراتهم التي اكتسبوها بحكم كونهم نوابا, وشققهم وباقي امتيازاتهم ولهذه الأسباب السيئة كلها لم يترددوا في أن يلعبوا لعبة (الكرملين) مثل النائب الشيوعي نيكولاي بيندييكوف الذي اعترف من دون أية مواربة بأن (المرشحين الذين لا يدعمون بنشاط ما تقوم به الحكومة في الجمهورية الشيشانية يراهم الرأي العام أناسا باعوا أنفسهم لمصالح الغرب والولايات المتحدة) . استفاد بوتين أيضا من تدهور الوضع الصحي لبوريس يلتسين. وقد أشارت عدة صحف روسية إلى ان (غياب) رئيس الدولة الطويل كان يخدم مخططات رئيس الحكومة. وأضاف بعضها ان أفضل دعم يمكن لبوريس يلتسين تقديمه لبوتين هو ان (يستقيل) بسرعة لـ (أسباب صحية) . لا سيما وان السلطة القائمة كانت (تخبئ) في (ادراجها) عدة سيناريوهات) لتأمين فوز فلاديمير بوتين بالانتخابات الرئاسية (المبكرة) . وفي نهاية شهر نوفمبر 1999, وردا على وساطة ارادت (المنظمة الأوروبية للأمن والتعاون) القيام بها لتسوية النزاع الشيشاني صرح بوتين بأن روسيا ليست بحاجة إلى وساطة من أجل تسوية لمشكلة تخص (السياسة الداخلية) الروسية. هكذا تم نسيان (الوعود الكثيرة التي كان يلتسين قد قطعها أثناء قمة اسطنبول. ولم يستطع الوفد الأوروبي الوصول إلى شمال القوقاز. وعبر ذلك تم (اخطار) الغربيين بأن رئيس الجيوش ومهندس الدبلوماسية الروسية لم يعد الرئيس وإنما رئيس حكومته. قبل عدة أيام فقط من الانتخابات التشريعية صعد فلاديمير بوتين من حدة الهجوم الروسي في الجمهورية الشيشانية من دون أن يأبه لبوريس يلتسين ولآرائه ومن دون أن يأخذ كثيرا في حسبانه المقاومة البطولية للمقاتلين الشيشانيين الذين يطلق عليهم صفة (ارهابيين) . وفي يوم الذكرى الخامسة لاندلاع الحرب الشيشانية الأولى وجهت القيادة العسكرية الروسية انذارا لسكان جروزني كي يستسلموا. وإذا كان الجيش الروسي قد مني بهزيمة مهينة في الحرب الأولى فإن الحرب الثانية أوشكت أن تنقلب إلى (مأساة وطنية) روسية. ذلك ان المئات من الجنود الشباب الروس سقطوا قتلى أمام بوابات العاصمة الشيشانية, ولم يستطع القادة العسكريون تنفيذ الوعد الذي قطعوه لرئيس الوزراء بالاستيلاء على جرزوني كاملة يوم الانتخابات التشريعية. في موسكو, أعلن رئيس الوزراء الروسي السابق يفجيني بريماكوف ترشيحه للانتخابات الرئاسية. وقد رأى الكثيرون في هذا الترشيح مناورة لا فائدة منها لان جميع عمليات استطلاع الرأي العام كانت تقدم بريماكوف على انه الخاسر الأكبر في الانتخابات التشريعية. وبدا ان بريماكوف البالغ من العمر سبعين سنة والأستاذ السابق في الجاسوسية يجسد الماضي, بينما كان بوتين يواجه عدسات التلفزيون بزي المصارعة اليابانية (الكومونو) الأبيض وحزام (الجودو) الأسود يتوسطه كمصارع ممتاز قادر على أن يلقي جميع خصومه على أرض الحلبة. الانتصار الجميل في 19 ديسمبر تمت دعوة 107 ملايين ناخب وناخبة لانتخاب أولئك الذين سيشغلون الـ 450 مقعدا في البرلمان الروسي الجديد (الدوما) . وينص القانون الروسي على انتخاب نصف هؤلاء على أساس القوائم (الأحزاب والتحالفات) والنصف الثاني بالاقتراع المباشر. كانت الانتخابات مؤجلة في الجمهورية الشيشانية بسبب الحرب. وكانت النتائج تفوق أي توقع بالنسبة للحكومة, إذ حصلت الكتلة المؤيدة لها على 23.2% من الأصوات مقابل 24.3% للحزب الشيوعي. وكان الخاسر الأكبر كما كان متوقعا, هو تحالف (الوطن - كل شيء من أجل روسيا) بقيادة بريماكوف ويوري لوجكوف الذي لم يحصل سوى على نسبة 13.1% من الأصوات. لقد ضرب التحالف المؤيد للحكومة الذي تم انشاؤه في شهر سبتمبر من عام 1999 من أجل دعم ترشيح فلاديمير بوتين رئاسة الجمهورية جميع القوى المناوئة لرئيس الحكومة واضعفها. ولم يتردد أحد مسئولي الكرملين في القول ان (ثورة قد حدثت في روسيا, ثورة سلمية بالتأكيد, لكنها ثورة) . وإذا كان الشيوعيون قد حافظوا على موقعهم كأهم قوة في مجلس (الدوما) فانهم أصبحوا لا يمتلكون امكانية تشكيل تحالف كبير قادر على معارضة السلطة القائمة. وقد أخذوا باعتبارهم ميزان القوى الجديد وفهموا انه من الصعب على زعيمهم جينادي زيوجانوف الفوز بالانتخابات الرئاسية ليونيو عام 2000. طمأنت نتائج الانتخابات التشريعية الرئيس بوريس يلتسين إلى انه لن يكون عرضة للملاحقة القانونية, وبالتالي يستطيع أن يتمتع بـ (تقاعده) بكل هدوء هو وأسرته الذين (لا يمكن المساس بهم) . هذا مع ان الفوز في تلك الانتخابات لم يكن أبدا بفضل شخصية الرئيس وإنما يعود الفضل كله لرئيس الحكومة الذي برز باعتباره الشخصية الأكثر شعبية في روسيا, كما دلت جميع عمليات استطلاع الرأي. وضمن هذا السياق أعطى بوتين دفعة جديدة للعمليات العسكرية الروسية في الحرب الشيشانية. والتحقت قطعات من المتطوعين الشيشانيين المؤيدين لروسيا ومن القوات الخاصة ومن قوى وزارة الداخلية لقوات الجيش التي كانت تحاصر العاصمة الشيشانية جروزني, حيث كان المقاتلون الشيشانيون يحاولون فك الحصار المضروب عليها. وبعد أسبوع من نهاية الانتخابات التشريعية أطلق الروس (الهجوم النهائي) الذي جابهته المقاومة الشيشانية ببطولة نادرة, وانقلب الهجوم إلى كابوس بالنسبة للجيش الاتحادي الروسي الذي لم يستطع احراز أي تقدم ملموس. التعاقد لم يكن لهذا الانكفاء العسكري أية نتائج سلبية كبيرة بالنسبة لرئيس الحكومة الروسي, ذلك انه كان قد انتظر نتيجة الانتخابات التشريعية قبل أن يطلق قواته لاحتلال جروزني. وكان اهتمامه الرئيسي آنذاك منصبا على الاستفادة من آلية سير الانتخابات التشريعية لصالحه بغية تقديم موعد الانتخابات الرئاسية التي كانت مقررة في يونيو 2000 وكانت استقالة الرئيس بوريس يلتسين هي التي يمكنها, وحدها, أن تغير الجدول الزمني الانتخابي. وكانت المعادلة بسيطة, وهي انه إذا قرر الرئيس الاستقالة فإنه سيكون على رئيس الحكومة إدارة الكرملين بالنيابة, حسبما ينص الدستور, وينظم الانتخابات الرئاسية خلال ثلاثة أشهر, بحيث تجرى هذه الانتخابات في نهاية شهر مارس 2000. المسألة إذن هي مسألة وقت. وكان أصحاب الثروات الكبيرة يؤيدون تنحي الرئيس لصالح رئيس حكومته كي لا تتغير قواعد اللعبة السائدة منذ انهيار الاتحاد السوفييتي. وفي 31 ديسمبر 1999 وقبل ساعات فقط من بداية السنة الجديدة أعلن بوريس يلتسين استقالته. وهكذا غادر المسرح السياسي بنظرة حادة وفيها بعض الأسف تقريبا ذلك الرجل الذي حفر قبر الاتحاد السوفييتي, الذي كان قد أعلن من على ظهر دبابة معارضته للانقلاب على جورباتشوف, ولكن كي يقرر بعد عدة أشهر فقط وبـ (جرة قلم) حل الاتحاد السوفييتي, لقد ختم خطابه الوداعي بالجملة التالية: (انني أرحل. ولقد فعلت كل ما كان باستطاعتي عمله) . ورث فلاديمير بوتين سلطة شبه مطلقة وبلدا يبحث يائسا عن استرجاع مكانته كقوة كبرى. وقد تحدث بوتين في كلماته الأولى كرئيس عن الاستمرارية في النهج السياسي لحكومته مع التأكيد على تحديث البلاد وتعزيز قوة الجيش. ولم ينس ان يوجه انذارا لكل من تسول له نفسه الاعتقاد بأن هناك (فراغا في السلطة) ومؤكدا أيضا بأنه سيتم و(من دون تردد سحق أية محاولات لتجاوز الدستور الروسي) . وبعد أن نال بوتين (مباركة) بطريرك الكنيسة الأرثوذكسية تقدم بـ (تمنياته) للشعب الروسي بمناسبة العام الجديد وبأنه سيكون ضامنا لجميع الحريات: حرية التعبير والعبادة والصحافة والملكية. وفي منتصف ليلة 13 ديسمبر 1999 كان فلاديمير بوتين يحلق بطائرة عمودية في أجواء الجمهورية الشيشانية كي يحيي في اليوم الثاني بصفته رئيسا بالنيابة الجنود الروس أمام عدسات التلفزيون. وقال لهم بكلمة: (ان ما تفعلونه حيوي للبلاد. فالأمر لا يتعلق باستعادة شرفها وكرامتها فحسب, وإنما بوضع حد نهائي لتشظي روسيا) . لقد حرص على أن يظهر بهيئة الرئيس الشاب الذي يستمع لجنوده, ويعطي الضمانات لجنرالاته الذي سيقودون الحرب وليس رجال السياسة. تابع المقاتلون الشيشانيون مقاومتهم البطولية في عاصمتهم المدمرة. لقد قاوموا شارعا شارعا وبيتا بيتا, واستطاعوا فتح ثغرة صغيرة في الحصار المضروب عليهم مما سمح لهم بنقل قواتهم والحصول على الأسلحة والغذاء. وفي السابع من يناير 2000 أعلنت موسكو (تعليق) هجومها على العاصمة الشيشانية, وبدلت العديد من الجنرالات, بعد أن سقط المئات من الجنود الروس. وبدت الحرب الشيشانية الثانية شبيهة إلى حد كبير بحرب 1994 - 1996 إذ استطاعت حفنة من المقاتلين (تركيع) أكبر بلد في العالم وثاني جيش في الكرة الأرضية. كان ساشا, الجندي الشاب مبتور الساقين في الحرب الشيشانية الأولى, لا يزال يتسول في إحدى محطات (مترو) موسكو ولا يعرف شيئا عن الجنود الروس الذين سقطوا أمام بوابات جروزني وفي شوارعها. لكنه كان قد فرح فرحا شديدا عند سماعه خبر استقالة بوريس يلتسين الذي كان يكرهه جدا ويعتبره مسئولا عن الهزيمة المهينة للجيش الروسي في الحرب الشيشانية الأولى.