التوجه الجزائري الجديد تجاه ايران والذي أطلقه الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة عندما أعلن صراحة استعداده لمقابلة الرئيس الايراني محمد خاتمي على هامش اعمال قمة كراكاس النفطية اثار العديد من علامات الاستفهام, وبادرت جريدة (البيان) الى سبر أغوار بعض الجزائريين: أحزابا وكتّابا ومحللين ودبلوماسيين لمعرفة خلفيات وطبيعة الأمر. وقد أجمع المتحدثون على جدية التوجه وسلامة المقصد مؤكدين عودة العلاقات الجزائرية الايرانية قريبا, متطلعين لجديد الانفتاح والعمل المشترك بين دولتين كان يجمعهما الكثير من العلاقات, واليوم تربطهما المصالح قبل المبادىء. حركة النهضة تدعم توجه بوتفليقة الجميع يعلم اننا نشجع وندعم, بل اننا ندعو الى تمكين الصلات ودعمها بين الدول العربية عربيا واسلاميا, وذلك على جميع الاصعدة, وعليه نثمن هذا المسعى على ان يكون وسيلة لتحقيق الأهداف المرجوة. ويضيف رئيس حركة النهضة: ان بعث العلاقات العربية والاسلامية هو قضية استراتيجية, خصوصا في هذا الظرف الذي يشهده العالم, والذي يتميز بتكتلات جهوية ودولية, و الحقيقة ان دور الجزائر, كدولة محورية, وكدولة غنية بكل المقاييس, ان تباشر مهامها على الساحة الاقليمية, بما يحقق الاهداف السامية التي سبق ذكرها. ارضاء الأطراف الاسلامية وإثارة للرأي الأمريكي يرى عبدالعالي رزاقي ان الجزائر تبحث الآن عن أي حليف جديد, يمكن ان يساهم في حل ازمتها وتوجهها الى ايران هو محاولة لإرضاء اطراف اسلامية وليس ابعد من هذا. أما التفسير الثاني, هو ان يكون التوجه نحو ايران نوع من اثارة الرأي الأمريكي, للاهتمام أكثر بالجزائر, خاصة وان الصراع الأمريكي الفرنسي على الجزائر لم يتضح الهدف منه. ويضيف الكاتب والمحلل السياسي الجزائري: لقد كانت الجزائر في فترة السبعينيات هي صاحبة اتفاق الجزائر سنة 1975, فضلا عن العلاقة القديمة ودورها في الوساطة في اطلاق سراح الرهائن في عهد الخميني, وعليه فإن بوتفليقة يريد ان يمحو آثار من سبقه, في جميع الجهات ويسعى لتأسيس علاقات جديدة. المصالح قبل المبادىء الدكتور محمد سليم قلالة (باحث وكاتب سياسي من جامعة الجزائر) يرى في اللقاء المرتقب اهمية قصوى, وذلك لاعتبارات عديدة, اهمها انه ليس من السهل بعد كل الذي حدث بين البلدين ان تبدأ بينهما علاقات جديدة, وعلى أعلى مستوى بالرغم من كون ايران كانت سباقة للاعلان عن نيتها لطي صفحة الماضي وبدء علاقات جديدة مع الجزائر. ويؤكد قلالة انه كانت بين الجزائر وايران علاقات ممتازة في عهد الرئيس الراحل هواري بومدين, الذي استطاع ان يلاقي بين الشاه محمد رضا بهلوي والرئيس العراقي صدام حسين, لتسوية مشكلة شط العرب, ومنع تحول النزاع الى حرب بين الطرفين, وفي عهد الرئيس الأسبق الشاذلي بن جديد, استمرت هذه العلاقات تتطور نحو الأحسن بعد انتصار الثورة الايرانية, وموقف الجزائر المساند لها, وتدخلها الناجح في مسألة الرهائن الأمريكيين وبعد اندلاع الحرب الايرانية العراقية, بالرغم من التزامات الجزائر العربية انفردت بموقفها مع سوريا المؤيد لإىران ولو بطريقة غير مباشرة, والداعي باستمرار لوضع حد للحرب بين الطرفين, ودفع الثمن غاليا مقابل ذلك: تحطم الطائرة الحاملة لوزير خارجية الجزائر آنذاك محمد الصالح بن يحيى الذي كانت المصادر تتحدث وقتها عن قرب توصله لتسوية النزاع القائم بين البلدين. ومع ذلك, فقد طوت الجزائر ملف تحطم الطائرة خدمة للمصالح العربية على حد تصريح الرئيس بن جديد آنذاك, وفهم المحللون ان الجزائر لا تلوم طهران على تحطم الطائرة بقدر ما تلوم العراق, الذي كان له مصلحة في استمرار الحرب في تلك الفترة. وعلى المستوى الشعبي, كانت العاطفة الاسلامية للجزائريين تغلب دوما العاطفة العربية, وكان الشارع الجزائري في غالبيته يعتبر ان الحرب العراقية الايرانية هي حرب بالنيابة من قبل العراق ضد (الجمهورية الاسلامية الصاعدة) . وفي هذا السياق يناقش قلالة معادلة غزو العراق للكويت ثم توقيف المسار الانتخابي في الجزائر الذي كان سببا في قطع العلاقات بين البلدين, ذلك ان ايران اعتبرت موقفها المؤيد للجبهة الاسلامية للانقاذ موقفا يتماشى' ومبادئها كدولة اسلامية, والجزائر اعتبرت ذلك تدخلا في شئونها الداخلية. مصالحة مع التيارات الدينية وتسريع الشرق أوسطية أحد الباحثين الجزائريين ـ لم يشأ ذكر اسمه ـ اعتبر الموضوع نوعا من التفكير في المصالحة مع التيار الاسلامي, وشبّه تلك المصالحة بالوئام في الجزائر الذي يأخذ هذه المرة بعدا دوليا, كإبعاد التطرف من طرف الشعب أو الدولة. ورأى صاحب هذه المقاربة انه لا ينبغي في سياق موضوع الجزائر ـ ايران ان نغفل المسعى الخفي في محاولة الاسراع في تجسيد الشرق أوسطية: تسوية القضية الفلسطينية وإدخال ايران في الشرق أوسطية, والدليل على ذلك زيارات خاتمي لبعض الدول الأوروبية, في غياب العراق, الذي يمدد الحصار عليه لأنه القوة القادرة على تحطيم الشرق أوسطية. مد الجسور مناسب والظروف مواتية من جهته, يرى محمد ملوح, سفير جزائري سابق ان الرئيس الجزائري عندما استلم مقاليد الحكم, كان من أولى أولوياته العلاقات العربية والاسلامية التي اعطاها دفعا قويا. وفي نفس الوقت حاول فتح ملف العلاقات الجزائرية الايرانية, ذلك ان بوتفليقة هو أعرق الناس بهذا الملف. واذا رجعنا الى الوراء فترة 1975, واجتماع منظمة (الأوبك) بالجزائر وحتى الثورة الاسلامية والترحيب الجزائري المعروف بها, بل انه عندما نصبوا فخا للثورة الايرانية في عملية الرهائن والاختطاف توسطت الجزائر وحلت المشكلة, ولكن مجيء ظروف اخرى هي التي عقدت الأمور خاصة في التسعينيات ووصلت الى حد قطع العلاقات, وأعتقد ان قطع العلاقات كليا كان فيها نوع من التسرع. اما مد الجسور اليوم مع ما يسمى بالاتجاه الجديد للثورة الايرانية بعد عشرين سنة, وبعد تخلصها من الكثير من الظروف الداخلية والخارجية, فاعتقد ان الظرف مناسب, وخاصة ان هذه المحاولات تأتي في فترة الاعداد للقاء منظمة الاوبك قريبا في فنزويلا, واعتقد ان بوتفليقة يفكر في تسهيل مهمة الطرفين الجزائري والايراني من اجل الوصول إلى ارضية مشتركة ثم بعدها معالجة المشاكل العالقة سواء بين ايران وجزر الامارات, أو ايران وبعض الدول الاخرى. تفعيل سياسة الوئام في الداخل والخارج يجب الا ننسى اولا ان ايران من الناحية الجيوستراتيجية هي من الدول المحورية, كما يقول الدكتور فوزي أو صديق عميد كلية الحقوق بالبليدة, اي لها تأثير ومفعول على العلاقات ليس العربية العربية فقط, بل حتى على العلاقات العربية والاسيوية, من جهة اخرى فان ايران هي عضو فاعل في دول الاوبك, وثالثا الدور الذي لعبته في استقرار منطقة الخليج العربي, وعلى هذا الاساس نجد ان التوجه الجديد للجزائر وطي صفحة الجفاء, رغم ما فيها من العديد من المآسي, والافراح لذلك نجد ان رئيس الجمهورية اراد ان يفعل سياسة الوئام الوطني, داخليا في الجزائر, وخارجيا مع باقي الدول, وقد بدأت الخطوة الاولى مع السودان, والثانية مع ايران, واعتقد ان اللقاء المرتقب بين الرئيسين في كاراكاس سيلعب دوره في الدفاع عن حقوق الشعوب الضعيفة, والسائرة في طريق النمو, وكذلك في استقرار الاسعار, وفي تفعيل النمو داخل هذه الدول, واعتقد ان هذا التوجه الجديد ليس غريبا عن حنكة الرئيس بوتفليقة نظرا لحنكته, وتجربته السياسية. خمسة وفود جزائرية زارت ايران سبق لرئيس اتحاد الكتاب الجزائريين وعضو مجلس البرلمان الجزائري ان زار ايران اكثر من خمس مرات, لذلك يرى بأن العلاقات الجزائرية الايرانية لها جذورها في التاريخ, ووقعت اهتزازات في هذه العلاقات, لها ما يبررها اذا وضعناها في سياقها الزمني. يقول لقد سمحت لي الظروف شخصيا ان ازور طهران على هامش ملتقى سعدي الشيرازي, وكانت الزيارة ثقافية وشبه سياسية, لاني كنت ضمن الوفد الذي يرأسه عبدالقادر حجار النائب والسياسي الجزائري المعروف, ممثلا لرئيس الجمهورية في فعاليات هذا الملتقى العربي الايراني الهام كما يقول عزالدين ميهوبي, الذي يعترف ان مسألة العلاقات قد اثيرت مع عدد من صانعي السياسة الايرانية, ومنها الرئيس الاسبق رفسنجاني, ومع ابطحي رئيس ديوان محمد خاتمي, وما اثير هو مايلي: قلنا للايرانيين ان الجزائريين كانوا سباقين في عدد من الزيارات بعد قطع العلاقات في سنة 1992, زار ايران خمسة وفود جزائرية برلمانيين واقتصاديين ودبلوماسيين ومثقفين, هذه الاشارة واضحة إلى انه يمكن ان يكون الوضع طبيعيا, وزار الجزائر وفدان, الرئيس خاتمي هنأ الرئيس عبدالعزيز عقب انتخابه رئيسا للجمهورية, فرد الرئيس في دبي اثناء زيارته للامارات العربية المتحدة, قال: اننا نمد ايدينا للاخوة في ايران, واضاف اكثر من هذا نحن مستعدون لان نستقبل الرئيس خاتمي في الجزائر, حتى وان كانت العلاقات مقطوعة, يعني ان مسافة الخلاف بدأت تضيق, وان كلا من ايران والجزائر ينظر هذا الطرف إلى ذاك, على انه يقدر وضع الاخر, الايرانيون يقولون نحن نقدر للجزائر مواقفها, ولا ننسى ان للبلدين وزنا وثقلا في مستوى الخارطة العربية والاسلامية الجزائر في مغرب الامة وايران في قلبها, وبالتالي الابقاء على وضع كهذا لا اعتقد انه يخدم المصالح العليا للامة العربية والإسلامية, واعتقد ان المستجدات الدولية تفرض كبح هذه التشنجات واعطاء فرصة اخرى لاقامة علاقات مبنية على اساس الا تكون معوقات بين البلدين, بعلاقات حقيقية, دون التدخل في شئون الاخر. عناصر الالتقاء اكثر من عناصر الاختلاف عودة العلاقات الجزائرية الايرانية في رأى الكاتب والمحلل السياسي محمد خوجة تدخل ضمن منظور له عدة مستويات: المستوى الاول هو عودة الجزائر إلى الساحة الدولية, وهذا كما هو معروف احد محاور رئيس الجمهورية, والمستوى الثاني, هو ان ايران دولة اقليمية وذات وزن جهوي في منطقة الخليج العربي, وبالطبع باعتبار الجزائر, في اطار عودتها إلى الساحة الدولية, كان من الضروري وجود نقاط تقاطع بين الجزائر وايران, اما المستوى الثالث فهو العلاقات الموجودة بين البلدين بغض النظر عما حدث, خاصة التنسيق على مستوى الاوبك. هذه المستويات الثلاثة في تشابكها وترابطها ساهمت في اضعاف عوامل الاختلاف بالاضافة إلى مستوى رابع وهو النقاط التي هي عنصر الاختلاف والخلاف بين البلدين, وهو المشكل الذي كان مطروحا, والذي عرف مسارا معينا, وهو مشكل الحزب المحظور, وتداعيات الازمة, نلاحظ انه بالزوال التدريجي لهذا المشكلة, بفعل مبادرات الرئيس بوتفليقة, الوئام المدني, ووجهة نظره فيما حدث, وكذلك من الجانب الايراني المنهج الذي يتبعه الرئيس محمد خاتمي, والانفتاح الذي بادر به للدخول بايران بوجهة نظر مختلفة عن السابق, وهذه العوامل كلها تضافرت لخلق المسار الموجود الان بين البلدين, واعتقد انه بالرجوع إلى التاريخ فعناصر الالتقاء اكثر من عناصر الاختلاف بين الجزائر وايران. من الفراق إلى اللقاء بعد هذه الآراء السؤال هو كيف تحول الموقف اليوم من الفراق إلى اللقاء بتعبير الدكتور محمد سليم قلالة, بعد هذا الشرخ العميق؟ يعتقد صاحب السؤال ان هناك سببين اثنين هما: الاول ويتعلق بتطابق المصالح الاستراتيجية بين البلدين خاصة في مجال السياسة البترولية وهذا ما يفسر توقيت التصريح بمناسبة زيارة الرئيس الفنزويلي للجزائر في اطار قمة كاراكاس المقبلة. اما السبب الثاني فهو في الطبيعة الشخصية للرئيسين, بوتفليقة جاء ليكسر العديد من (الطابوهات) في الجزائر, من اليد إلى رئيس الوزراء الاسرائيلي (ايهود باراك) إلى العفو الشامل عن عناصر الجيش الاسلامي للانقاذ الجناح المسلح للجبهة الاسلامية للانقاذ إلى غيرها من الدلائل الواضحة على عقلانية وبراجماتية, اما الرئيس خاتمي فبالاضافة إلى التحول الذي حدث في بلده منذ وفاة الامام الخميني, وكونها لم تعد تؤمن بتصدير الثورة ولا بالاطاحة بالشيطان الاكبر نجده يصرح في الاجتماع السنوي للمثليات الدبلوماسية الايرانية ان التجربة الديمقراطية الايرانية تحظى بتعاطف المسلمين وان (الاسلام) و(الديمقراطية) اتجاهان يتقدمان في نهج واحد. وهكذا يرى قلالة في هذين العاملين الموضوعي والذاتي انها عملا معا لتقريب وجهة النظر بين الطرفين, ولعل بوتفليقة يدرك ان الجزائر ينبغي الا تبقى البلد الوحيد الذي تضع مصالحه باستمرار باسم التمسك ببعض المبادىء التي تخلى عنها اصحابها, في الوقت الذي تحول بعض الدول سياستها بين عشية وضحاها مقابل تحقيق بعض المصالح المحدودة. ويبدو أن هذا النوع من التفكير اصبح يصبغ الدبلوماسية الجزائرية, بعد ان وجدت نفسها معزولة في السنوات الماضية بسبب مواقفها التقليدية, وطرائق عملها القديمة في عالم لم تعد تحكمه مبادىء ولا استراتيجيات السبعينيات وتبدلت كليا ميكنزمات التحول فيه ومن ثم فاننا لا نستبعد ان تعود العلاقات الدبلوماسية تدريجيا بين البلدين بعد لقاء الرئيس بوتفليقة وخاتمي مباشرة.