اصبحت ظاهرة الهجرة ضرورة ملحة بالنسبة للدول المتطورة وذلك على الرغم من المعارضة التي تثيرها بعض الفئات الاجتماعية هناك. ففي الولايات المتحدة الامريكية لابد من وجود المهاجرين من اجل دعم تطور (الاقتصاد الجديد) . اما في اوروبا فيشكل هؤلاء الحل الوحيد امام معضلة هبوط معدلات العمالة الناجمة عن تسارع وتيرة الشيخوخة. تمضي السنون وجدران الشقة الصغيرة في بروكلين هي الشاهد الصامت على افكار اندي جرفي عندما قرر والده, ولم يتجاوز عمره العشرين عاما, ترك المجر خلفهم والانتقال مع ممتلكاتهم المتواضعة الى الولايات المتحدة حيث فكر جروقي شأن غيره من المهاجرين كيف سيتمكن من النجاح في ارض الفرص لكنه حتى تلك اللحظة لم يكن قادرا على الاجابة عن هذا السؤال. ومع ذلك فالزمن كان كفيلا بتفسير جميع شكوكه وذلك عندما بدأ اسم جروقي يكتب بالذهب بعد قرار تأسيس شركة (انتيل) عام 1968. وفي عام 1997 اختارته مجلة (تايم) على انه (رجل العام) واستقبل قرار المجلة بحفاوة من شخصيات مهمة في العالم. اذ بفضل انشائه لشركة تشيب لانتاج الرقائق الالكترونية اعتبر جروقي احد آباء (الاقتصاد الجديد) . واليوم اصبح عمره خمسا وستين عاما بعد ان ترك وراءه آثاره الدافعة في تاريخ الولايات المتحدة. غير ان جروقي لا يعتبر استثناء لان الولايات المتحدة قامت عمليا على اكتاف المهاجرين عموما وهم من ابدع في جميع الميادين ابتداء بالعلوم مثل اينشتاين وحتى الرياضة مثل مارتينا نافرا تيلوفا. لكن كل ذلك لا يمنع بعض الفئات المتشددة في الغرب من ان تعتبر المهاجرين وكأنهم يشكلون عبئا اجتماعيا واقتصاديا على البلاد السبب الذي تصر من اجله بعض الحكومات على اغلاق حدودها. وهذا يحدث كثيرا في اوروبا اليوم وهي القارة التي اعتادت على ما يبدو على نسيان ان سكانها انفسهم قد هاجروا بالآلاف الى امريكا كلما ظلم الانسان هناك او كلما اندلعت حرب جديدة فيها. والحقيقة هي ان للأجانب وزن كبير في الاقتصاد الامر الذي يعبر عنه رئيس الاحتياطي الاتحادي الامريكي جرينسبان بوضوح حين يقول: (مع سوق العمالة المحدود فإن المهاجرين هم مفتاح المعجزة الاقتصادية في الولايات المتحدة) . وفي اوروبا الامر كذلك ايضا حيث تبدو الهجرة هي الحل الوحيد لمواجهة مشكلة شيخوخة شعوبها. وحسب تقرير لمنظمة الامم المتحدة فإن انخفاض اعداد العمال سيكون احد اهم التحديات الكبرى التي ستواجه دول الاتحاد الاوروبي خلال القرن الحادي والعشرين, والادهى من ذلك انه سيكون على القارة القديمة الاكتفاء بالحد الادنى من النمو الاقتصادي ان لم تفعل. الى ذلك فلقد كثرت الدراسات التي تثبت مشاركة المهاجر الفاعلة في نمو البلد المضيف وهي مشاركة قوية يعود سببها الى ذلك الطموح الذي يسعى المهاجرون الى تحقيقه والذي يتمثل بايجاد حياة افضل لابنائهم اضافة الى انهم لايهابون المغامرة من اجل بناء الثروات فهم مغامرون لأنه ليس لديهم ما يخسرونه. وفيما يتناقش السياسيون الامريكيون حول الهجرة, فإنهم يواجهون مشكلة لا يمكن انكارها وهي انه بدون المهاجرين ما كانت بلادهم لتصبح اليوم قوة عالمية وبالتالي كان من المستحيل عليها قيادة مسيرة التسلح التي افضت الى انهيار الاتحاد السوفييتي وما كان هذا ليحدث بدون اعتمادها على مجموعات من العلماء المهاجرين. كذلك لم يكن بامكانها بناء القنبلة النووية خلال الحرب العالمية الثانية وما كانت لتمثل اليوم موقع الريادة في الابحاث حول (الايدز) وما كانت لتتمتع بمزايا الانترنت. وفي الوقت الذي ما زال يعتقد الكثيرون بهذا البلد ان الاجنبي فقير مجرم دائما فإننا نجد الكثير من الامثلة على الشخصيات التي تثبت العكس مثل قصة مادلين اولبرايت وزيرة خارجية الولايات المتحدة الحالية والمستثمر جورج سوروس ومستشار الامن القومي السابق هنري كيسنجر, وهناك دراسة لمعهد (ديسكفري) الامريكي تفيد بأن ثلث جوائز نوبل التي حصلت عليها الولايات المتحدة هي لشخصيات ولدت في بلاد اخرى. امام هذه الحقائق يصل الى امريكا مليون مهاجر كل عام باحثين عن (الحلم الامريكي) مع العلم أن السلطات هناك تسمح بوصول 675.000 مهاجر شرعي فقط. ويشير ايان فاسكيس من مركز دراسات امريكا الشمالية بالقول: (مع ذلك هناك عدد متزايد من الشركات التي تضغط باتجاه رفع اعداد المهاجرين الشرعيين وبشكل خاص المحترفين من بينهم والذين يتمتعون بتأثيرات اتش 1 بي التي تسمح للاجانب بالعمل ست سنوات في الولايات المتحدة وبعدها يستطيعون تقديم طلبات للاقامة الدائمة) . لكن أي الشركات الاكثر حاجة لذلك؟ تتكرر الاجابة نفسها: انها الشركات التكنولوجية مثل تلك التي تعمل في وادي السيليكون الذي يقترن اسمه بتقنيات المعلومات ومن وجهة نظر المستثمرين فإن المهاجرين المدربين جيدا لا ينتزعون فرص العمل الخاصة بالامريكيين وانما يستحدثون فرص عمل جديدة عن طريق رفع مستوى الانتاجية في الشركات. وعلى سبيل المثال فلقد تم تأسيس شركات عالمية ذات تكنولوجية تقنية عالية من قبل اجانب بدءا من صن مايكروسيستم ومرورا بلايم ريسيرش واخيرا وليس آخرا امتبل لوجيك وذلك من بين شركات عديدة اخرى. والمسألة لا تقف عند هذا الحد اذ ان ثلث المهندسين العاملين في وادي السيلكون مولودون خارج الولايات المتحدة. وفي جميع الحالات فالسقف الحالي المحدد بـ 115000 تأشيرة اتش 1 بي لا يلبي طلب سوق العمالة في الحقل التكنولوجي وهذا يضر بروح المنافسة في امريكا كما يقول المستثمرون. وحسب الاحصاءات الصناعية, يتراوح العجز في العمال التقنيين بين 300 و600 ألف عامل, لهذا السبب يتم اليوم في الكونجرس الامريكي تداول مشاريع مختلفة تهدف الى تغيير سياسة الهجرة ولذلك قام كل من مرشحي الرئاسة آل جور وجورج بوش بالاعلان عن وقوفهما الى جانب زيادة الهجرة الشرعية ومن بين الذين يعترضون على اجراءات زيادة الهجرة, هناك النقابيون الممتعضون من العبء الضريبي للاجانب (وهذا ما يفترضونه هم طبعا) مع العلم ان دراسة لمركز امريكا الشمالية للدراسات تكشف انه فضلا عن كونهم مساهمين فعليين في النمو الاقتصادي وبالتالي الضريبي فإن ما نسبته 70% من المهاجرين من فئات عمرية تتجاوز الثمانية عشر عاما, مما يعني ان تعليمهم الاساسي تم تمويله من قبل بلادهم الاصلية. ويكشف التقرير نفسه عن ان الفائدة الاجمالية الصافية التي يحققها نظام الضمان الاجتماعي ستصل في الفترة ما بين 1998 و2022 الى 500 مليار دولار وذلك في حال استمرت المعدلات الحالية للهجرة. وفي الاثناء التي ينظر فيها الكثير من الامريكيين بعين الريبة الى دخول الاجانب لبلادهم فإن آلان جرينسبان لا يكل من تكرار ان مشكلة الاقتصاد الامريكي تتمثل في نقص الايدي العاملة والتي تهدد في الوقت ذاته بزيادة معدلات التضخم. وتبعا لحسابات قامت بها مجلة الاحتياطي الاتحادي فلقد استحدثت 12.7 مليون فرصة عمل جديدة ما بين 1990 و1998 وكانت حصة المهاجرين منها 38 بالمئة وذلك على الرغم من استياء الكثيرين بسبب (سرقة) فرص العمل ويؤكد الاخصائيون على ان السياسة المالية ما كانت تسمح بالنهوض الاقتصادي في الولايات المتحدة لولا وجود العمال الاجانب. على صعيد اوروبا, لا يريد الشباب انجاب الاطفال, الامر الذي يفسر الوضع السلبي لمستويات الشيخوخة بمعنى ان الذين يموتون هم اكثر من الذين يولدون من السكان . وهذه الحقيقة مثبتة في دراسة لمنظمة الامم المتحدة, تكشف انه سيكون هناك انخفاض حاد بعدد السكان في جميع البلاد الاوروبية وذلك في الفترة الواقعة ما بين الآن ولغاية عام 2050, هذا في حال لم يتم رفع المعدلات الحالية للهجرة طبعا. على سبيل المثال, وبسبب انخفاض معدلات الخصوبة والوفاة معا, ستفقد اسبانيا وحدها تسعة ملايين من سكانها وهذا العدد سيرتفع ليصل الى 12 مليونا عندما نتناول السكان الذين في عمر العمل. وسينخفض عدد السكان العاملين في ايطاليا من 39 مليونا الى 22 مليونا عام 2050, في حين ستفقد المانيا خلال الفترة نفسها 13 مليونا من سكانها الذين تتراوح اعمارهم بين 15و65 سنة. اذن من اجل تخفيف الصدمة الاقتصادية يشير التقرير ان على الامم الاوروبية فتح حدودها واستدراج 159 مليون مهاجر خلال الخمس وعشرين عاما المقبلة هذا في حال رغبت بالمحافظة على قوة عمالتها ودرء نقص سكانها. وهو هدف مستحيل اذا اقتصرت اعداد دخول الاجانب على 700 ألف شخص المسموح لهم بالدخول الشرعي عن معادلة بديلة تسمح بالمصالحة بين التبعية الاقتصادية للمهاجرين والرفض الاجتماعي الذي يثيرونه في كثير من الاحيان. اما رد الحكومات على هذه الظاهرة فيعتبر طارئا, اذ ان الهبوط في معدلات الولادة يجعل الوضع كارثيا حيث يتضاءل عدد العمال في مقابل ارتفاع عدد اصحاب العمل. ويشير ديفيد تاجواس الباحث الاسباني في شئون العمالة الاوروبية الى ان هذا الوضع سيؤدي في اسبانيا على سبيل المثال الى تغيير جذري في مستويات الرفاة الاجتماعي كما نفهمه حاليا حيث يتم تمويل الانفاق الاجتماعي عن طريق الاسعار. وتبعا للامم المتحدة ستحتاج اسبانيا الى 12 مليون مهاجر من الآن ولغاية عام 2050 وذلك للملاءمة بين تعداد السكان العاملين وغير العاملين اما ايطاليا والمانيا فعليهما استدراج ما بين 350 و500 ألف اجنبي سنويا. وكما تثبت الارقام فإن المهاجرين لا يسببون ضررا اقتصاديا وانما يخلقون ثروة وسبب رفضهم بشكل عام هو نتيجة الشعور بعدم الثقة والكراهية, لذلك يعابون بمساوىء هم منها براء ولا يجب نسيان ان الاشخاص الذين ينتقلون الى بلاد اخرى, يقومون بذلك للبحث عن اوضاع اجتماعية افضل لا يجدونها في بلادهم او للهرب من الفقر والتخلف وهم بالتالي فرسان حقيقيون هاربون من الوسطية ويرغبون بشيء واحد فقط هو العمل. عن ميركو ريو ـ تشيلي ترجمة: باسل ابو حمدة