بعد عقدين من القطيعة والسلبية في العلاقات العراقية ـ السورية بدأ الدفء يعود تدريجيا الى هذه العلاقات في السنوات الاخيرة وشكل استئناف قطار خط الموصل ـ حلب بعد عشرين عاما من التوقف عنوانا مهما في مسيرة الانفتاح الجارية بين البلدين. وفي الاساس شكلت المسيرة الكبيرة التي شهدتها شوارع دمشق في ديسمبر عام 1998 والتي تحولت الى مظاهرة انتهت باقتحام السفارة الامريكية احتجاجا على الاعتداءات الامريكية على العراق ارضية لمد الجسور الاقتصادية والدبلوماسية بين دمشق وبغداد التي انقطعت بسبب الحرب العراقية ـ الايرانية 1980 ـ 1988 واصبح الاقتصاد منذ ذلك الوقت خيارا لاعادة الروابط الى العلاقات المتداخلة بين البلدين اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا حيث تتميز العلاقة السورية ـ العراقية بخصوصية حكم حزب البعث العربي الاشتراكي في البلدين. ومع ان استئناف الخط الحديدي بين سوريا والعراق يندرج في اطار تعزيز العلاقات الاقتصادية وزيادة التبادل التجاري بموجب اتفاق النفط مقابل الغذاء الذي وصلت قيمته خلال ثلاث سنوات قرابة 400 مليون دولار فان هذه الخطوات بالنسبة لسوريا تعكس رسالة من القيادة الجديدة بالمزيد من الانفتاح على دول الجوار الاقليمي ومد خطوط الثقة مع العراق وتركيا والاردن بعد سنوات من السلبية في العلاقات مع هذه الدول فيما تعني بالنسبة للعراق انهاء الحصار الامريكي على ارض الواقع والعودة التدريجية الى الاسرة العربية من البوابة القومية, حيث في ظاهرة ملفتة للنظر حمل قطار الموصل ـ حلب في اول رحلة له صورا للرئيسين السوري بشار الاسد والعراقي صدام حسين ولافتة عريضة كتبت (قطار الموصل ـ حلب تجسيد للاخوة العربية) . سبقت هذه الخطوات مجموعة خطوات في مجال التعاون الاقتصادي والتجاري والسياسي تمثلت بفتح الحدود المشتركة بينهما امام رجال الاعمال والمسئولين عام 1997 والتوقيع على محضر لاعادة اصلاح خط انابيب النفط الذي يربط حقول النفط في كركوك في شمال العراق بمرفأ بانياس السوري على البحر المتوسط في عام 1998 والمشاركة المتبادلة في العديد من المعارض التي اقيمت في دمشق وبغداد وفتح العراق شعبة لادارة مصالحه في دمشق في مارس 2000 حيث تشهد حركة تبادل البضائع والسلع بين البلدين نشاطا ملحوظا من قبل الفئات الشعبية الى درجة ان البضائع والسلع الواردة من العراق موجودة بكثرة على ارصفة شوارع دمشق والمدن السورية الاخرى وبالرغم من عدم وجود رقم دقيق حول قيمة التبادل التجاري بين البلدين بسبب تداخل التجارة الرسمية مع الشعبية الا ان خبراء من الجانبين يقدرون هذه القيمة بنحو مليار دولار في ظل التحسن المطرد في العلاقات الاقتصادية والتجارية والتي باتت تشكل مدخلا قويا لاعادة العلاقات الدبلوماسية والسياسية بين البلدين فضلا عن عودة الروح للعلاقات الاجتماعية على جانبي الحدود حيث ما تزال هناك عائلات واسر افرادها موزعون على طرفي الحدود. لقد بات موضوع تحسين العلاقات مع دول الجوار وتعزيزها من البوابة الاقتصادية خصوصا مع العراق موضوعا في اولويات دمشق اعتقادا منها بان الاقتصاد هو افضل مدخل لبناء علاقات مستقرة آمنة مع هذه الدول بدلا من البعد السياسي المباشر الذي يحمل في طياته عوامل التوتر والسلبية بحكم الاختلاف والخلافات العديدة الناتجة عن البيئة الجيوسياسية والتاريخية لنشوء الكيانات السياسية في المنطقة ولعل استراتيجية اطلاق القطارات الى الدول المجاورة والاقليمية اضحت مرآة تعكس هذه السياسة على امل ان يجسر الاقتصاد ما افسدته السياسة خلال العقود الماضية. دمشق ـ يوسف البجيرمي