اعرب العديد من الباحثين السياسيين في فلسطين عن اعتقادهم بأن الرئيس الامريكي بيل كلينتون يسعى لدخول التاريخ حتى لو كان ذلك على حساب تهويد القدس ونقل السفارة الامريكية اليها, وتساءل هؤلاء المحللون . والخبراء الذين التقيناهم في غزة عن اهداف الرئيس كلينتون من الضغط على الفلسطينيين او فرض حل غير عادل في الايام القليلة الباقية على ولايته في البيت الابيض. واجمعوا في حديث لـ (الملف السياسي) على ان الرئيس كلينتون يريد ان يثبت لليهود انه اكثر الرؤساء الامريكان تفوقا في الضغط على الفلسطينيين والعرب انه اكثر يهودية من كل سابقيه في البيت الابيض واستغربوا التهديدات الظالمة التي وجهها كلينتون للفلسطينيين بعد انتهاء (كامب ديفيد) واجمعوا انها جاءت لارضاء الناخبين اليهود وحثهم على التصويت لصالح زوجته هيلاري التي لم تغفر له الفضيحة الجنسية مع مونيكا لوينسكي. وفيما يلي نص اللقاءات: انهيار طموحات كلينتون: يقول اكرم هنية المستشار السياسي للرئيس الفلسطيني والذي حضر لقاءات عرفات وكلينتون في كامب ديفيد ان الرئيس كلينتون متوقد الحماس والطموح اللامتناه ويحلم بالجائزة الذهبية لتحقيق السلام في الشرق الاوسط ويحلم ان يفوز بها, وهي جائزة شديدة الاغراء كونها تتعلق بأشد مشاكل القرن العشرين استعصاء وكونها تتعلق ايضا بجانب اليهود الذين يشكلون قوة ضاغطة كبرى ويمتلكون الحضور الابرز في المشهد السياسي الامريكي وقال.. لقد كانت هناك لحظة تاريخية حاسمة ربطت كلينتون بقضية الصراع والسلام والتي تمثلت في المصافحة التاريخية بين ياسر عرفات واسحق رابين يتوسطهما الرئيس الامريكي. واشار الى ان كلينتون وادارته قفزا في اللحظة الاخيرة فوق صهوة حصان اسود كان قد فاجأ الجميع وسجل فوزا غير متوقع تمثل في اتفاق اوسلو. ويرى هنية ان كلينتون ارتبط منذ تلك اللحظة بصورة مباشرة بقضية السلام في الشرق الاوسط, وكان هذا الارتباط بقضية السلام والمرتبط بجاذبية الانجاز المحتمل دافعا اضافيا لكلينتون ليثابر على العمل من اجل تقدم المفاوضات, وكانت صورة كلينتون يتوسط عرفات ورابين وهما يتصافحان قد حجزت لنفسها مكانا بارزا في ملفات التاريخ واصبحت الصورة الابرز في فترة ولاية كلينتون, لذلك كان كلينتون وبناء على نصيحة مستشاريه اولبرايت وبيرجر وروس يعتقد انه سيصنع في قمة كامب ديفيد ما فشل العالم في صنعه وحل ما هو غير قابل للحل وصنع السلام في الشرق الاوسط ويمضي هنية: ولكن من المؤكد ان الرئيس كلينتون بدأ يشعر بعد مضي اسبوع على افتتاح اعمال قمة كامب ديفيد ان تقييمات مستشاريه لا علاقة لها بالممكن او بالواقع, فقد كانت رياح الفشل تهب بقوة على المنتجع في اليوم السابع للقمة. وقال (ان كلينتون في لحظات معينة بدأ يدرك تماما حجم الورطة التي قاده اليها مستشاروه ولكن لم يكن بإمكانه التراجع وكان في النهاية يتبنى ويدافع عن مواقف المؤسسة الامريكية المؤيدة تأييدا مطلقا لاسرائيل وكان في النهاية يدافع عن طموحه الشخصي بأن يحتل مكانا بارزا في التاريخ) . انحياز أمريكي صارخ: وعن موقف كلينتون من المفاوضات الفلسطينية ـ الاسرائيلية الاخيرة في كامب ديفيد يرى الكاتب والمحلل السياسي الفلسطيني هاني المصري ان كلينتون ربما اخذ بنصيحة اسداها اليه كسينجر لجهة كيفية التعامل في قمة كامب ديفيد, وهي (دع كل طرف يعتقد انه انتصر) واضاف (لقد كان الرئيس الامريكي يحاول طوال الوقت انقاذ القمة من الفشل ليس لفرض حل عادل ومتوازن وقادر على البقاء بل لتجنيب سمعته ومكانته من الاذى الذي يمكن ان يلحق به من فشل قمة كامب ديفيد. وقال (كان بمقدور سيد البيت الابيض خاصة انه ليس بحاجة للصوت اليهودي بعد ان شارف على انهاء فترته الرئاسية الثانية والاخيرة ان يضغط على اسرائيل لتطبيق ليس المطالب الفلسطينية وانما السياسة الامريكية نفسها التي تتضمن ضرورة الالتزام بقرار 242 واعتبار القدس الشرقية والاراضي الفلسطينية ارضا محتلة يجب الانسحاب منها, وتؤكد هذه السياسة رفض الاستيطان باعتباره غير شرعي وعقبة في طريق السلام. ومضي المصري يقول (بدلا من الاصرار الامريكي على تطبيق السياسة الامريكية تقدم ادارة كلينتون في قمة كامب ديفيد افكارا وحلولا وسطا بين الحقوق الفلسطينية العادلة واللاءات الاسرائيلية الظالمة, اي بين الاحتلال والضحية وبين الشرعية الدولية ومنطق فرض الامر الواقع بقوة الاملاء والغطرسة. واعتبر ان استمرار هذا الانحياز الامريكي لصالح اسرائيل لن يؤدي الى نجاح قمة كامب ديفيد بل الى تشجيع اسرائيل في تعنتها ورفضها دفع ثمن السلام المتمثل اساسا في الانسحاب الكامل من الاراضي الفلسطينية المحتلة العام 1967, بما فيها القدس, واقرار حق العودة واذا ارادت الادارة الامريكية اقرار السلام فعلا, فلا مفر من ممارسة كل الضغوط الضرورية على رئيس الوزراء الاسرائيلي باراك لاقناعه بأن الحل الذي يريده تحت سقف لاءاته ويفكر فيه بكيفية الوصول الى اتفاق يحقق المصالح الفلسطينية ويؤمن انهاء الصراع والامن لاسرائيل والتعايش بينها وبين الدول العربية غير ممكن. كلينتون.. ودخول التاريخ: يقول الكاتب السياسي الفلسطيني في غزة هاني حبيب ان تصريحات الرئيس كلينتون للتلفزيون الاسرائيلي بعد 24 ساعة من انفضاض قمة كامب ديفيد تشير الى ان الادارة الامريكية تسعى للصدام مع الجانب الفلسطيني من خلال تهديد كلينتون بنقل السفارة الامريكية الى القدس والتهديد بتعزيز منظومة الدفاع الاسرائيلي وتهديد السلطة الفلسطينية بموقف امريكي حاسم اذا ما اعلنت من جانب واحد عن قيام الدولة الفلسطينية ويفسر حبيب هذه التهديدات بأنها مجرد تعبير عن صدام او اشتباك تفاوضي بين السلطة وادارة كلينتون, ويرى ان هذه التهديدات قد تحسن من وضع باراك الذي عاد من كامب ديفيد متنازلا عن بعض لاءاته وخطوطه الحمر كما يرى اليمين الاسرائيلي خاصة فيما يتعلق بمسألة القدس ويعتقد ان التهديدات الامريكية للجانب الفلسطيني سوف تشد من ازر باراك في وضعه المتأزم وتسهم في تجميل صورته بحدود معينة في اسرائيل ما قد يساعد باراك في الافلات بنجاح من محاولات المعارضة اليمينية لاسقاطه من خلال مشاريع حجب الثقة عن حكومته والدخول في انتخابات مبكرة ما يعني تجميد العملية التفاوضية حتى الرئاسة الامريكية المقبلة. ويرى الباحث الفلسطيني هاني حبيب ان هذه التهديدات تخدم هيلاري كلينتون التي وجدت من خلال تكرارها وسيلة لارضاء اليهود لضمان تصويتهم لصالحها كمرشحة لعضوية الكونجرس. وقدم تفسيرا آخر لاشتباك كلينتون مع الجانب الفلسطيني وتهديداته, يتعلق باحتواء نتائج تأثير الجولة, التي يقوم بها ياسر عرفات لشرح الموقف الفلسطيني لدى الدول العربية والصديقة لضمان تأييدها ودعمها, فمن خلال هذه التهديدات يعتقد كلينتون ان العواصم العربية والصديقة ربما تنصح عرفات بالتريث وربما اعادة النظر بالثوابت, خشية ردود الفعل الامريكية, وربما اعادة احدى المقولات المهمة في تاريخ الصراع العربي ـ الفلسطيني الى الواجهة من جديد (في كل مرة يعرض علينا شيء نرفضه, وفي المرة اللاحقة يعرض علينا اقل فنقبله فلماذا لا نستغل فرصة ما هو معروض علينا هذه المرة ونقبل به خاصة وان التهديدات الامريكية تتوازى مع احتمالات عودة اليمين في اسرائيل الى السلطة فلنقبل اذا ما هو معروض علينا ولا نفوت الفرصة كما فعلنا في الماضي) ! ويعتقد الكاتب المعروف هاني حبيب ان هناك جولة ثانية من قمة كامب ديفيد سوف تعقد, وقال ان امام هذه القمة في حال انعقادها عدة خيارات تحقيق اتفاقية نهائية او مؤقتة يتم بموجها تأجيل بعض القضايا الشائكة او الفشل وفي كل الحالات لا يريد الرئيس كلينتون ان يفشل, ففي الخيار الاول سنكون امام قدس يهودية واخرى عربية مما يفتح الباب امام نقل السفارة الامريكية اليها دون ضجيج واضاف (في حالة الفشل الكلي او الجزئي يريد كلينتون ان يدخل التاريخ كأول رئيس امريكي نقل السفارة الامريكية الى القدس من تل أبيب متفوقا على كل الرؤساء السابقين. ولذلك يفضل كلينتون الوصول الى مصالحة تاريخية تنهي الصراع الفلسطيني, الاسرائيلي لكن اذا ما تعذر ذلك فهو سيدخلها من بوابة (هيكل سليمان) متجاوبا بذلك مع الدعاوى الصهيونية اكثر من تأييده للدعاوى التوراتية. وخلص حبيب الى القول ان الرئيس كلينتون مهتم بدخول التاريخ حتى لو كان ذلك على حساب الجميع بمن فيهم اليهود الارثوذكس وبدون اي اهتمام بالعرب وقضاياهم. وقال: يسجل تاريخ الرئيس كلينتون انه وظف في ادارته اكبر عدد من اليهود مقارنة مع كل الادارات السابقة الامريكية لارضاء الجالية اليهودية حتى لو كان ذلك على حساب المصالح الامريكية في العالم العربي. مخاطر نقل السفارة الامريكية الى القدس: وعن العلاقة بين سياسة كلينتون ومحاولات انجاح آل جور في الانتخابات وكذلك زوجته هيلاري قال خبير القانون الدولي ابراهيم شعبان ان قرار نقل السفارة الامريكية الى القدس هو قرار سياسي يحتاج الى اجراءات سياسية بالمقابل, ونظرا لانه اجراء غير قانوني فعلاجه لا يكون الا سياسيا وفوريا وحازما واضاف ان مسألة نقل السفارة الامريكية الى القدس لم تعد مجرد تصريحات احد السياسيين المتعصبين او المتصهينين ولم تعد مجرد قرار تشريعي جائر لمجلس الشيوخ الامريكي او لمجلس النواب او التزاما لمرشح رئاسي وانما اصبح نقل السفارة تعهدا امريكيا رئاسيا وله سقف زمني لا يتعدى نهاية هذا العام. وقال ابراهيم شعبان وهو قانوني فلسطيني بارز اذا علمنا ان الموقف الامريكي تراوح في السنوات العشر الاخيرة بين مد وجزر وبخاصة منذ عام 1990 فقد كانت السلطة التشريعية الامريكية تسن قانونا بشأن القدس, وما يلبث الرئيس الامريكي ان يعلق تنفيذه اما الآن فيبدو ان الرئيس كلينتون عازم على تنفيذ قانون نقل السفارة الى القدس والخطورة ان مؤسسة الرئاسة في الولايات المتحدة تعتبر الاقوى مقارنة بأي نظام رئاسي. وقال ان المفاوضات حول القدس تدخل مرحلة بالغة الحساسية والاهم من هذا كله ان الموقف الامريكي الحالي يخالف المواقف الامريكية التقليدية ويخالف موقف المجتمع الدولي والشرعية الدولية لان عدد الدول التي لها سفارات في القدس لا يتجاوز عدد اصابع اليد الواحدة, واذا ارادت واشنطن ان يكون لها سفارة حتى لو كان ذلك في القدس الغربية فلا شك ان دولا كثيرة ستحذو حذوها وحينها تكون الامور قد خرجت عن السيطرة ويصعب العودة الى الوراء. وذكر ان الرئيس كلينتون يرتكب خطأ كبير اذا اعتقد ان اقامة سفارة امريكية شرقي القدس هدفه الضغط على المفاوض الفلسطيني لان ذلك من شأنه القضاء على عملية السلام برمتها.