هل توجد للرئيس الامريكي (بيل كلينتون) اجندة سياسية محددة الملامح يريد بها اختتام رئاسته لبلاده بشكل مشرف؟.. وهل يحتاج في هذه المرحلة لمثل هذه الاجندة؟.. وان كانت لديه بالفعل اجندة ختامية فهل لنا ان نتصور فحواها؟... وهل توجد في بؤرة تفكير كلينتون قضايا ملحة يلهث وراءها يريد انجازها لتتويج فترته الرئاسية قبل الرحيل؟ يجيب عن كل هذه الاسئلة وغيرها حقيقة واحدة تتمثل في النتيجة التي توصل اليها الدكتور فيليب جونسون خبير الشئون الامريكية ومدير مؤسسة العلاقات الاوروبية الامريكية في بروكسل في حواره مع (الملف السياسي) حيث قال: بمقارنة مضمون الخطابات التي القاها كلينتون ابان حملاته الانتخابية التي اوصلته للبيت الابيض, بفحوى الخطابات التي القاها على الشعب الامريكي وفي المحافل الدولية, وخاصة الخطاب الشهير الذي القاه في اول شهر ابريل عام 1998 اثناء نظر استجوابه امام الكونجرس الامريكي بشأن الفضيحة الاخلاقية مع المتدربة (مونيكا لوينسكي) حيث ركز كلينتون في كل خطاباته على ان امريكا هي التي تقود العالم اقتصاديا, والحفاظ على مكانتها العسكرية القوية وعدم سماح الحكومة الامريكية لاكتساح المنتجات الصناعية الرخيصة القادمة من العالم الثالث للاسواق الامريكية, حيث تشكل عملية استماع الشعب الامريكي بأنه شعب المقدمة والاقوى في العالم اهمية خاصة وتسيل لعابه, اما كلماته للعالم الخارجي فقد تضمنت مكافحته لعمل الاطفال صغار السن والحفاظ على البيئة النظيفة, واطلاق وعوده بمساعدة صندوق النقد الدولي الذي يضم اعضاءه دولا ذات سطوة ونفوذ عالمي, اما الافعال الحقيقية لسياسة كلينتون فكانت بالدرجة الاولى هي ارضاء مشاعر واحلام وطموحات الشعب الامريكي في فرض القوة على العالم ولعب دور الشرطي العالمي. * هل تؤثر فضيحة لوينسكي حتى الآن على كلينتون؟ ـ نعم تؤثر على مساراته السياسية بالسلب, لكنه استطاع بفضل عدد من المستشارين استخدام فضيحة لوينسكي وتطويعها بشكل ايجابي خفي لخدمة مصالحه, وأرى من المفيد توضيح بعض الأمور في هذا الاطار, بداية يعتبر الرئيس كلينتون هو أول ديمقراطي ينجح في فترتين رئاسيتين استمرتا ثماني سنوات منذ أن حكم الولايات المتحدة الأمريكية (فرانكلين روزفلت) , كما انه ـ كلينتون ـ عاش في عام 98 فترات حرجة كادت أن تفقده ثقة الشعب الأمريكي وكرسي الرئاسة وزوجته في آن واحد بسبب أفعاله المشينة, لكنه تمكن من عبور المحنة ووقوفه على صخرة عالية كالطاووس, ليس لبراءته من الاتهامات ولكن انطلاقا من فهمه العميق لشعبه الذي رفض أفعال الرئيس علانية, بينما رأى الشعب في قرارة نفسه صورة كلينتون الرجل (دونجوان عصره) , وقد لعب على هذا الوتر لمعرفته بتركيبة وخواص الشخصية الأمريكية, التي تعشق الإثارة والنفوذ والقوة, وأثبت تاريخ المجتمع الأمريكي أن من ينجح في تلبية المتطلبات النفسية للشعب الأمريكي يستطيع تحقيق السلطة والشهرة والمال والنفوذ, ليس فقط في السياسة والجيش, لكن فعلت ذلك المغنية (مادونا) , والمغني الراقص (مايكل جاكسون) وغيرهم الكثير, ولقد تأكد كلينتون انه لو أجريت انتخابات جديدة لقام الشعب باختياره مرة أخرى, وأثبتت نتائج لاستطلاعات الرأي تمت في شهر ابريل عام 1998 ان شعبية كلينتون تتنامى ولم تتراجع بسبب اتهامات التحرش الجنسي التي لاحقته منذ عام 1993 واحدة تلو الأخرى, ولقد جعلت عمليات التحقيقات الموسعة التي أجراها المدعي المستقل كينيث ستار من الحياة الجنسية لكلينتون قضية سياسية كبيرة ومهمة, تحولت لقضية رأي عام جماهيرية داخل وخارج الولايات المتحدة الأمريكية, تلك التحقيقات التي نوقشت علانية, واستمع لها أعضاء الكونجرس الأمريكي الذي أصر على قيام رئيس الكونجرس باستجواب كلينتون شخصيا, وكذلك متدربة البيت الأبيض مونيكا لوينسكي, وكشفت التحقيقات عن تفاصيل جنسية شخصية جدا.. جدا, كانت مخجلة, وهي تفاصيل استمعت لها الجماهير الأمريكية, ونشرت في معظم وسائل الاعلام العالمية, وتناولتها شبكات الانترنت بالصور والمعلومات بمختلف اللغات, ولم تكن فقط فضيحة مونيكا هي الوحيدة, بل سبقتها السيدة ليندا ترايب البطلة الحقيقية التي كشفت قضية وأسرار (مونيكا لوينسكي) , أيضا بولا جونز اتهمت كلينتون بالتحرش الجنسي وكانت الأوساط المسيحية التي توصف بالتطرف تقف وراءها وتدعمها, اضافة للجمعيات والمنظمات النسائية النشطة في مجالات حقوق المرأة. * هل توجد قضايا داخلية وخارجية يريد كلينتون انجازها لتتويج فترة رئاسته؟ ـ سأذكر لكم انه في الوقت الذي كانت الاتهامات اللاأخلاقية تحاصر كلينتون من كل جانب كان رئيس الولايات المتحدة الأمريكية مشغولا من شعره حتى اخمص قدميه في ملفات سياسية واجتماعية كثيرة, وهي ذات الملفات التي تعكسها هذه الأيام تصرفاته وسلوكيات المرشح الديمقراطي للرئاسة الأمريكية (آل جور) , ويرغب كلينتون في (ترميمها وليس انجازها) قبل رحيله من البيت الأبيض وأذكر أهمها: قضايا داخلية حساسة منها: ـ ارضاء يهود أمريكا منعا لاستغلالهم مركزه الضعيف وتأليب مزيد من الرأي العام ضده, ولعل اختيار (ال جور) لنائب يهودي له يوضح الثمن الذي يستمر الحزب الديمقراطي في دفعه مقابل تمرير يهود أمريكا لفضائح كلينتون السابقة, ومن ناحية أخرى بمثابة عربون دعم المرشح الديمقراطي في انتخابات الرئاسة التي ستجرى في شهر نوفمبر المقبل. ـ محاصرة تنامي العنصرية وتحجيم كراهية البيض للسود في مختلف الولايات الأمريكية. ـ توسيع مظلة الضمانات الاجتماعية والتأمين الصحي خاصة للمسنين. ـ مغازلة مسلمي أمريكا والحصول على ضمانات توقف موجات غضبهم على النظام الأمريكي. ـ العمل على ابقاء خيوط قيادة البيت الأبيض بين أصابعه. ـ وقف حملات الغضب في أوساط المسيحيين الأصوليين. وقضايا خارجية استراتيجية مثل: ـ الوساطة الأمريكية لمفاوضات السلام في أيرلندا. ـ رعاية عملية السلام في الشرق الأوسط وعلى رأسها المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية. ـ إحكام قبضة الحكومة الأمريكية على نفوذ ومسارات حلف شمال الأطلسي. ـ العمل على عدم خروج الاتحاد الأوروبي من العباءة العسكرية للولايات المتحدة الأمريكية. واختتم الدكتور فيليب جونسون حديثه بقول: ان موقف كلينتون مؤخرا من مفاوضات السلام الاسرائيلية الفلسطينية كشف مدى التحيز الأمريكي الواضح لاسرائيل خاصة في الفترات التاريخية الحرجة قبل الانتخابات الرئاسية الأمريكية, وربما لو كانت المفاوضات في وقت غير ذلك لكان الموقف أفضل نسبيا. أجرى الحوار في بروكسل ـ سعيد السبكي