يعيش الرئيس الامريكي بيل كلينتون اشهره الاخيرة في البيت الابيض بعد ان قضى فترتين رئاسيتين محاولا ان يترك بصمة واضحة في السياسة الامريكية كما تركها بعض من سبقه الى المكتب الرئاسي, واذا كانت الفترة الاولى التي قضاها كلينتون، قد ركزت على ترتيب المنزل الامريكي من الداخل باستثناء بعض القضايا الخارجية التي تهم بالدرجة الاولى الفترة الثانية من حكمه, فإنه قد اعتمد في الفترة الرئاسية الاخيرة على التحرك الخارجي السريع محاولا بذلك ان يبني تاريخه عله يميزه عن الرؤساء السابقين فتوجه الى مجموعة من القضايا العالمية التي تحرك من خلالها سواء اثمرت هذه القضايا او بقيت في ارضها مدفونة تحت التراب. القيادة الخفية من خلال التحديات التي واجهت الرئيس الامريكي في فترة حكمه نستطيع ان نقرأ اشكال تعامله مع الشأن الامريكي, فحال دولة كالولايات المتحدة يفرض اشكالا مختلفة من السياسات المتبعة في شئون هذه الدولة وخاصة ان الولايات المتحدة تحاول فرض استراتيجيتها الداعية الى السيطرة العالمية بكل صورها ومحدداتها ومن خلال اطروحة وحيدة هي (السيطرة ضمن مفهوم العولمة) واذا كانت هذه الصورة قد بدأت بالتبلور قبل كلينتون فإن نضوجها يعني العمل من خلالها على اسس شبه ثابتة وفي مقدمتها الحفاظ على القدرات الكبيرة التي تملكها الولايات المتحدة وفي شتى المجالات وهذه القدرات لم تأت من فراغ او من رئيس واحد بل تحددت عبر مسيرة الولايات المتحدة الامريكية لتصل الى المستوى الذي نراه اليوم, فهي اولا ذات بعد امتدادي تخللتهامجموعة من الظروف ساعدت في نشأة القوة الاكبر في العالم رغم كل ما تعانيه هذه القوة من ازمات في مجتمعها الداخلي المتعدد في العرق والانتماء والقومية. ولعل الامر الثاني الذي نشأت عليه الولايات المتحدة يتمثل في التحديات الخارجية التي وصلت الى حدها بعد المد الشيوعي وخاصة من الاتحاد السوفييتي السابق وهنا وبعد هذا التحدي بشكل نسبي حينما انفرط عقد الاتحاد السوفييتي عام 1991 ووصول كلينتون الى السلطة بعد هذا الانهيار بقليل, لم تكن قد توضحت سياسة الاتحاد الروسي تجاه القضايا الكبرى وخاصة الحرب الباردة فأتى كلينتون محاولا التأثير على روسيا من خلال الاقتصاد اولا ومن خلال محاولاته اللاهثة للسيطرة على اسلحة روسيا النووية متهما اياها بعدم القدرة على ادارة تلك الاسلحة كونها تعاني من انهيار اقتصادي ادى بالمحصلة الى انخفاض مداخيل الخبراء النوويين وحتى العاملين في هذا الحقل ولكن هذا الحلم فشل بشكل كبير رغم الزعم الامريكي بأن الاسلحة النووية تسيطر عليها ايد غير امينة قد تمررها الى الدول المشاكسة او (المارقة) كما تسميها الادارة الامريكية. وهنا وقع كلينتون امام نارين الاولى تطالبه بضبط التسلح النووي والثانية تطالب بالسيطرة النووية التامة وخاصة بعد انضمام بعض دول اسيا الى النادي النووي كالهند وباكستان اللتين عمل كلينتون جهده في محاولة منه لاقناع الدولتين بالتوقيع على معاهدات الاسلحة والتجارب النووية دون جدوى, فوقع ستارت 2 مع الاتحاد السوفييتي رغم انه ما زال يحاول تعزيز القوة النووية في العالم وخاصة في حوض المتوسط لكسر الشوكة الاوروبية والوقوف في وجه الوطن العربي قبل ان يفكر في انشاء هذه القوة. والمعروف ان الكونجرس الامريكي لا يؤيد مطلقا توجهات الرئيس وخاصة في مجال منظومة الدفاع التي يصر على اقامتها رغم فشل تجاربها مما دعا (جان نولان) المسئول الامريكي السابق لنظام توجيه الاسلحة الى القول: (بينما انصرف الرئيس بيل كلينتون في الحديث عن مخاطر الاسلحة النووية انكب الفنيون في المخابر الوطنية على تجديد المخزون الاحتياطي للرؤوس النووية في البنتاجون وبشكل سري دون اي احترام لأية اتفاقية في هذا المجال) . واذا كان هذا الكلام يؤكد واقعيا الخلاف بين الكونجرس والرئيس الامريكي او الصراع بين الرئيس والبنتاجون فإن ذلك ينسحب على مجمل الظروف السياسية المحيطة بالولايات المتحدة, ففي البيت الابيض هناك المستشارون الذين يتحدون كلينتون بل ان مساعدي الرئيس يقفون امام توجهاته وبشكل مباشر, ولا يقتصر ذلك على المستشارين والمساعدين الذين يتوجب عليهم ان يكونوا في صف الرئيس بل نجد التحدي في مجلس الامن والوزارات والكونجرس وغالبا ما يعترض الكونجرس على قرارات الرئيس ففي سبتمبر عام 1999 تعهد كلينتون تخصيص 970 مليون دولار لمساعدة الدول الفقيرة للتخلص من ديونها ولكن هذا العرض تصدى له الكونجرس الامريكي قائلا ان بعض هذه الدول يعتبر من الدول المارقة لذلك يجب وضع ضوابط بهذا الشأن اي ان الكونجرس يقول بصورة مباشرة ان الولايات المتحدة لا تقدم المنح الا اذا استطاعت الحصول على ولاء الدولة المقدم لها تلك المنح. اذا مفهوم الصراع بين الرئيس والكونجرس ليس مفهوما احاديا بل هو محاولة تنتج عنها لعبة شد الحبل والضحية يكون العالم الفقير واي شكل من اشكال الضحية مقبولة عند الكونجرس ضد كلينتون والعكس صحيح ولكن دون تأثير مباشر وسلبي على الولايات المتحدة بل لعل التأثير يكون خارجيا وضد الشعوب التي تعيش بالاساس حالة من الفقر والمرض اللذين لن يكونا الا لعبة ضغط تمارس عليهم دون الحد الادنى من الانسانية فلم نسمع يوما ان دولة فقيرة اصبحت بمساعدة الولايات المتحدة غنية ولم نسمع حالات لانقاذ الشعوب الا على حسابها الذي غالبا ما يؤثر على بنيتها الاقتصادية والاجتماعية فيزداد همهاهما وفقرها فقرا بينما تسر الحكومة الامريكية وعلى رأسها رجال الكونجرس والرئيس الامريكي الذي يعتبر بالمقابل ورقة لعب في ايدي اصحاب القرارات الحساسة والذين يدفعونه احيانا الى التسرع بقرارات مباشرة تؤثر سلبا على شخصيته كما حصل عندما اتخذ الرئيس قراره بالهجوم الصاروخي على معمل ادوية الشفاء في السودان في اغسطس عام 1998 وحتى على افغانستان او العراق ويمكن سحب ذلك على ضربات الناتو التي تقودها الولايات المتحدة فالهجوم علي صرب البوسنة في سبتمبر 1995 والهجوم الجوي على يوغسلافيا دون تأمين الضمانات للاجئي كوسوفو. ولعل هذا الحراك العسكري من قبل الرئيس كلينتون مرهون بولائه لاستراتيجية التفوق العسكري الذي طالما نادت به حكومات الولايات المتحدة المتعاقبة وهو بالمقابل يجعل السيطرة العسكرية في البنتاجون سيطرة مشروعة رغم ان قراراتها واوامرها تأخذ من الرئيس الذي لا يستطيع تجاهل مطالبها وبالمقابل فهي رهينة الاوامر ولكنها لا تعمل دون قناعة تامة رغم الولاء المعروف للرئيس الذي لا يمكن له ان يخفض ميزانيتها على الاقل, ولعل الارقام قد تدلل دلالة مباشرة على السيطرة العسكرية للبنتاجون فميزانية الشئون الدولية الخاصة بكافة النشاطات السياسية والخارجية والمساعدات والمشاركة في المنظمات الدولية تعادل 7% من اجمالي ميزانية البنتاجون وهذه النسبة التي كان من المتوقع ان تتقلص بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وانتهاء الحرب الباردة بقيت ثابتة مما يعطي المؤشر الواضح على الحماس العسكري الذي يؤدي الى التفوق. هو والسلام الكونجرس الذي حاكم كلينتون في فضيحة لوينسكي جعل ردة فعله سريعة ولكن ليس ضد الكونجرس وشيوخه بل ضد اطفال العراق وبنيته التحتية وضد مصنع الدواء السوداني وذلك لتدعيم مواقف الفضائح بمواقف القوة العسكرية لاثبات رجولة قد يكتفي بشهادة مونيكا لوينسكي عليها حينما وصفته بالمتسرع القلق!! فكلينتون ذو الاخطاء العشر حاول تقديم وصاياه في الاتفاقيات والقمم العشرة التي جمعت الفلسطينيين واسرائيل, وهذه الوصايا اعتمدت بالاساس على محاولته ادارة الصراع السياسي في منطقة الشرق الاوسط فهو اول رئيس امريكي يلقي خطابا في بعض التجمعات العربية وكان ذلك في مايو عام 1998 حينما خطب في الامريكيين العرب واعترف بموقعهم وشأنهم واسهاماتهم الكبيرة في المجتمع الامريكي وبالمقابل حمل في جعبته مشاريعه الخاصة بالشرق الاوسط التي تدعم مشروع الشرق اوسطية بقيادة اسرائيلية وبمعونة لها قدرت عام 1997 بنحو 3.6 مليارات دولار اضافة الى المعونات العسكرية السرية وهو ايضا قد شجع بل دعم التحالف التركي الاسرائيلي ليحاصر المنطقة بهذا المشروع الذي يعتبر الحلم الحقيقي للدولة العبرية المطاعة من ادارة كلينتون الذي يعتبر الراعي الاول لعملية السلام ضمن شكل الرعاية المقترحة من الحكومة والاحزاب الاسرائيلية سواء كانت داخل (دولتها) او خارجها ولعل قمة كامب ديفيد الاخيرة تعطي الصورة الواضحة لعملية السلام التي ارادت لها اوراق كلينتون ان تكون وبلا شك على حساب الفلسطينيين والعرب والمسلمين لارضاء اللوبي الصهيوني كي يقف مع مرشح حزبه للانتخابات المقبلة وليس اكثر من ذلك. واذا كان الفشل من نصيب القمة فإن بيل كلينتون رئيس الدولة العظمى قد اعطى لنفسه وسام الفشل في الصراع العربي ـ الاسرائيلي الذي لم يحقق الطموح (الكلينتوني) في وسام السلام فالفشل كان ملازما له على المسار الفلسطيني ـ الاسرائيلي وعلى المسار السوري ايضا حينما فشلت مقترحات كلينتون في جنيف مع الرئيس الراحل حافظ الاسد. وبهذا الفشل قد يذهب الرئيس الامريكي من البيت الابيض رافعا يافطة كتب عليها: (انتهيت من السياسة.. سأعود اليك يا مونيكا) . بقلم: محمد أحمد يوسف ، كاتب وصحفي فلسطيني مقيم بدمشق