د. محمد سعد أبوعامود: الاستراتيجية الأمريكية افتقدت وجود رؤية متكاملة على المستوى الدولي في عهد كلينتون حيث كانت معظم السياسات مجرد ردود أفعال د. جمال عبدالجواد: كلينتون نجح في تطوير الاستراتيجية الأمريكية بغض النظر عن تأثير ذلك على مصالح الآخرين القاهرة ـ مكتب (البيان) شهور قليلة ويغادر الرئيس الأمريكي بيل كلينتون البيت الأبيض بعد أن تولى رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية لثماني سنوات متواصلة استطاع خلالها أن يحقق الكثير على المستوى الداخلي والخارجي رغم مسلسل فضائحه الذي كاد أن ينهي حياته السياسية في لحظة, فعلى المستوى الداخلي حافظ الاقتصاد الأمريكي على أفضل حالاته من حيث معدل النمو وخفض معدل البطالة والنمو المتواصل, كما انخفضت معدلات الجريمة, وإن كان أخفق في مجال الرعاية الصحية حيث لم يوافق الكونجرس على مشروعه, وعلى المستوى الخارجي في عهده تم توسيع حلف الأطلسي وهي خطوة كبيرة وفيها درجة عالية من المخاطرة ولكنه نجح في ذلك, كما استطاع احتواء آثار التوترات الاجتماعية والعرقية في روسيا ودول الاتحاد السوفييتي السابق, واقامة علاقات تعاون مع روسيا, كما شهدت محاولات عديدة لانجاز تسوية نهائية لقضية التسوية في الشرق الأوسط وإن كان لم يكتب لها النجاح حتى الآن.. (الملف) التقى د. محمد سعد أبوعامود أستاذ العلوم السياسية, والخبير الاستراتيجي د. جمال عبدالجواد في محاولة لالقاء الضوء حول نظرة العالم الى فترة حكم الرئيس كلينتون وجهوده لايجاد تسوية شاملة في الشرق الأوسط بين العرب واسرائيل, ولهاثة الأخير في انجاز قضايا ملحة داخلية وخارجية لتتويج فترة رئاسته الأخيرة, ومدى تحقيقه لبرنامجه الانتخابي الذي طرحه قبل وصوله البيت الأبيض, والعلاقة بين سياسته ومحاولاته انجاح آل جور في الانتخابات, وموقفه الأخير من المفاوضات الاسرائيلية الفلسطينية, واستراتيجية الولايات المتحدة خلال الفترة الأخيرة من ولايته, ومسلسل فضائحه ومدى تأثيره في تاريخه السياسي. ايجابيات كثيرة بداية يقول د. محمد سعد أبوعامود أستاذ العلوم السياسية أن الرئيس الأمريكي بيل كلينتون يعد أكثر الرؤساء الأمريكيين الذين أعطوا جهدا واهتماما واضحا لعملية التسوية السلمية في منطقة الشرق الأوسط, واذا كان هناك تحيز من جانبه لاسرائيل وهذا امتداد طبيعي للسياسة الخارجية الأمريكية, إلا أن هذا لايمنع من أن هناك ايجابيات كثيرة حدثت في عهده بالنسبة لقضايا الشرق الأوسط ومنها اعتراف اسرائيل بمنظمة التحرير الفلسطينية وهو تحول كبير بالنسبة لها حيث كانت من قبل ترفض الاعتراف بوجود فلسطين بالأساس وقد كان وراء هذا الاعتراف جهدا أمريكيا كبيرا, أيضا ما حدث في كامب ديفيد الثانية من مناقشة لموضوعات القدس واللاجئين ورغم فشل القمة فإن ذلك يعتبر من الأشياء المهمة جدا حيث أنها المرة الأولى التي تعترف فيها اسرائيل بقضية القدس وحق العودة بالنسبة للاجئين, فمجرد قبولهم بأن هناك عددا من اللاجئين لابد أن يعودوا الى ديارهم في فلسطين فهذه نقطة بداية مهمة جدا وهي التي جعلت اليمين الاسرائيلي يثور على باراك ويأخذ مواقف متشددة ضده, فضلا عن الدعم الأمريكي اقتصاديا وسياسيا لعملية التسوية, فقد بذلت الادارة الأمريكية جهدا كبيرا لاقناع الكونجرس بتوفير الاعتمادات المالية اللازمة لهذا الأمر. ويضيف د. محمد سعد أبوعامود: وكما أن هناك نقاطا ايجابية فيما يتعلق بعملية التسوية من جانب الرئيس كلينتون هناك كذلك جوانب سلبية لاتقل أهمية وتسترعي الانتباه من جانب الدول العربية مثل استمرار الموقف الأمريكي الخاص بدعم التفوق الاستراتيجي الاسرائيلي في المنطقة, واصرار الادارة الأمريكية في عهد كلينتون على فرض عقوبات الحصار على عدد من الدول العربية مثل العراق والسودان, والمواقف الأمريكية الخاصة بالتدخل في شئون بعض الدول العربية بحجة حماية حقوق الانسان والحريات الدينية وكما حدث بالنسبة لمصر كلما وقع حادث طائفي مهما كان صغيرا,' أيضا المواقف الخاصة بمنطقة الخليج وخاصة المبالغة الشديدة في موضوع حماية أمن الخليج من التهديد العراقي المتوقع وذلك بهدف استنزاف الموارد والثروات البترولية الموجودة في هذه المنطقة, فهذه بعض الجوانب السلبية في فترة حكم الرئيس الأمريكي كلينتون والتي تحتاج من الدول العربية البحث عن استراتيجية وأسلوب للتعامل معها وازالتها لأنها ليست في صالح العلاقات العربية الأمريكية. اطار استراتيجي متكامل وفيما يتعلق بالاستراتيجية الأمريكية خلال الفترة الأخيرة من حكم كلينتون يوضح د. أبوعامود أن أضعف فترة تاريخية بالنسبة لوجود استراتيجية دولية أمريكية كانت في فترة كلينتون لدرجة أننا لا نستطيع أن نقول أن هناك اطارا استراتيجيا متكاملا أو رؤية أمريكية متكاملة على المستوى الدولي باستثناء أن الولايات المتحدة تريد الاحتفاظ بموقعها كقوة عظمى وحيدة الى أطول مدى زمني , وهذا هو الهدف المتفق عليه والذي تحرك كلينتون في اطاره, لكن لاتوجد منظومة متكاملة لتحقيق هذا الهدف, لقد كانت أغلب سياسات الولايات المتحدة الأخيرة مجرد ردود أفعال وليست أفعال, كما كانت هناك بعض السياسات غير المدروسة التي أدت الى نتائج عكسية بالنسبة لتحقيق أهدافها, لقد وجدنا الاستراتيجية الأمريكية في بعض الأحيان عاجزة عن المبادرة أو القيام بدور فعال في بعض الأزمات الدولية مثل الأزمة المالية التي حدثت في جنوب شرق آسيا رغم أنها أدت الى اضعاف مصداقية الرؤية الأمريكية بشأن النظام الاقتصادي العالمي الجديد. لم تقدم الولايات المتحدة أية حلول أو مبادرات للتعاطي مع الازمة وسيطر عليها فقط الفلسفة البراجمانية التي تحاول تحقيق أقصى استفادة ممكنة من الأوضاع الآتية بغض النظر عن القيم أو المبادئ الأساسية التي يجب أن تلتزم بها, أيضا غلب على الاستراتيجية الأمريكية سياسة الكيل بمكيالين أو ازدواجية المعايير وهذا أفقدها مصداقيتها كقوة عظمى وحيدة حتى الآن على المسرح الدولي. هذا كله يؤكد أنه لايوجد منظومة استراتيجية متكاملة للسياسة الخارجية للولايات المتحدة, أو بمعنى أدق مستوى التخطيط الاستراتيجي لهذه السياسة خلال فترة حكم كلينتون لا يتناسب مع وزن الولايات المتحدة كقوة عظمى رئيسية. وعن موقف الرئيس الأمريكي الأخير من المفاوضات الاسرائيلية الفلسطينية في كامب ديفيد الثانية وهل كان يبحث عن انجاز على المستوى الخارجي يتوج به فترة رئاسته أم أن هدفه كان دعم نائبه آل جور في الانتخابات يرى د. محمد سعد أبو عامود أنه يجب أن ينظر للأمور نظرة موضوعية فمن غير شك كلينتون في مجال السياسة الخارجية وخاصة عندما يتعلق الأمر بالشرق الأوسط كانت تحكمه في الفترة الأخيرة عدة أشياء منها أولا موقف الحزب الديمقراطي في الانتخابات ودوره كحزب يريد تدعيم حزبه, ثانيا كان يسعى لتحقيق انجاز كبير في مجال السياسة الخارجية وخاصة في منطقة الشرق الأوسط في نهاية فترة حكمه ولكن فشل مفاوضات وقمة (الكامب) أطاح بهذا الحلم الذي كان يراوده وثالثا كلينتون كان يريد تحقيق شئ ايجابي بالنسبة للسياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط بعد الجهد الكبير الذي بذله على مدار ثماني سنوات متواصلة, كل هذه الاعتبارات جعلت كلينتون وعندما شعر بالفشل في كامب ديفيد يهدد باتخاذ الاجراءات ضد الفلسطينيين ونقل السفارة الأمريكية الى القدس وتحميل العرب مسئولية الفشل, وكانت الحملة الاعلامية الأمريكية على مصر, كما كان كلينتون يهدف من وراء هذه التهديدات والتصريحات المستفزة للجانب العربي دعم ايهود باراك على المستوى الداخلي وحتى لا تنهار حكومته, أن ما حدث في أعقاب كامب ديفيد الثانية لايخرج عن كونه عرضا مسرحيا موجه الى الرأي العام الأمريكي والداخل الاسرائيلي ولذلك كان لابد لكي ينجح هذا العرض أن توجه الانتقادات للطرف العربي الذي لم تصدر منه اية تصرفات لافشال المفاوضات بين الطرفين الفلسطيني والاسرائيلي, بل بالعكس كان هناك دعم من بعض الأطراف العربية أما الذين كانوا يراهنون على فشل القمة هما الطرفان الفلسطيني والاسرائيلي فقد اظهر تشاؤما حيث لم يكن لدى الرئيس عرفات أمل كبير وكان رافضا لانعقاد القمة, حتى أن باراك وهو كان أقل تشاؤما يقول نسبة نجاح المفاوضات تساوي نسبة الفشل. امتداد منطقي ومن جانبه يؤكد الخبير الاستراتيجي د. جمال عبدالجواد أن سياسات الرئيس الأمركي تجاه قضايا الشرق الأوسط خلال فترتي حكمه هي امتداد منطقي للسياسة الأمريكية بشكل عام في المنطقة ولا يوجد ما يمكن اعتباره مفارقة, السياسة الخارجية الأمريكية تتطور بايقاع محدد منذ فترة طويلة ولكن رغم ذلك كله كلينتون أراد استثمار الوضع الدولي الحالي لصالح تحقيق تسوية كان يود أن تكون نهائية أو مؤقتة ترضي غروره, فهو يعرف أن هذا سيحقق له مجدا سياسيا كبيرا, وخاصة في ظل التعقيد الكبير في الصراع في الشرق الأوسط, لقد أدرك كلينتون أن هناك الكثير من الشروط العامة الرئيسية للتوصل لتسوية الصراع تحقق جزء كبير منها بالفعل في المنطقة وأن الأجواء الحالية مواتية فحاول استغلال ذلك لتحقيق تسوية وهو في ذلك لا تقيده أية مخاوف حيث تولى الحكم لفترتين متتاليتين. ولم تعد له فرصة أخرى للحكم وبالتالي فهو متحرر من الضغوط التي قد تمنع أي رئيس أمريكي آخر من المخاطرة لأن عينه ستكون على الانتخابات المقبلة ورغبته في الوصول الى الحكم مرة أخرى فأي رئيس آخر يدرك أن احتمالات فشل المفاوضات قائمة وخاصة في ظل عدم توافر بعض الشروط مثل عدم وجود زعامة سياسية داخل المنطقة تساعد على انجاز هذه التسوية, واستعداد أطراف الصراع لتجاوز مايمكن اعتبارها المشكلات النفسية والكراهية التي ترتبت على احتلال اسرائيل للأراضي العربية, لأنه بدون توافر هذه الشروط تصبح محاولة التوصل لحل بالنسبة لعملية التسوية في المنطقة مغامرة كبيرة, وكلينتون كان لديه الحافز لدخولها على أمل تحقيق انجاز سياسي يذكره له التاريخ. ومن هنا يعتقد د. جمال عبدالجواد أنه اذا لم يوفق الفلسطينيون والاسرائيليون في التوصل لاتفاق خلال الشهور المقبلة والمتبقية من فترة حكم الرئيس الأمريكي بيل كلينتون فإنه سيصبح من الصعب على أي رئيس أمريكي قادم التوصل لمثل هذا الاتفاق, اذا فشل كلينتون فلن يغامر أي رئيس قادم بالزج بنفسه في هذا الموضوع وخاصة في فترة رئاسته الأولى بأن يجمع المفاوضين ويتفرغ لهم كما فعل كلينتون, بل سيكون مجرد دور الرئيس المقبل مجرد حضور احتفالات التوقيع على الاتفاقات, أي أن المدة المتبقية من فترة حكم كلينتون هي فترة مثالية للوصول لاتفاق كبير يضع مشكلة التسوية على طريق الحل النهائي, واذا فاتت هذه الفرصة فسيكون على الجميع الانتظار لوقت طويل مقبل. علاقة كبيرة ويرى د. جمال عبدالجواد أنه لاتوجد علاقة كبيرة بين الاصرار الذي كان موجودا لدى كلينتون لتحقيق اتفاق خاص بعملية التسوية ودعم مرشحه آل جور في الانتخابات, فقد يفيد هذا آل جور ولكن ليس بدرجة كبيرة, فالأمريكيون بالأساس لايختارون مرشحهم للرئاسة على أساس حزبي وهذا يتضح من الاختيار التبادلي فمرة رئيس جمهوري, واخرى ديمقراطي وهكذا, ومن هنا فأي انجاز قد يحققه كلينتون ليس بالضرورة أن يدعم فرص نجاح آل جور, بل بالعكس آل جور في الفترة الأخيرة أظهر حرصا كبيرا على الخروج من عباءة كلينتون, فهو يريد تقديم نفسه في شخصية مستقلة حتى لايتحمل تبعات كلينتون. وحول مدى تحقيق كلينتون لبرنامج حزبه الانتخابي على المستوى الداخلي يقول د. جمال عبدالجواد: لقد حقق الرئيس الأمريكي بيل كلينتون نجاحات كبيرة على المستوى رغم اخفاقه في تنفيذ برنامج الرعاية الصحية الذي لم يستطع أن يمرر التشريع الخاص به في الكونجرس, وفيما عدا ذلك كان هناك نجاح كبير فالاقتصاد الأمريكي في أفضل مراحله طوال فترة حكم الرئيس كلينتون, وهناك نمو متصل وأقل معدلات للبطالة على الاطلاق منذ الحرب العالمية الثانية, ومعدل الجريمة انخفض كثيرا, ومن كل ما سبق نستطيع أن نؤكد أن الرئيس كلينتون يعتبر من أنجح الرؤساء الأمريكيين على المستوى الداخلي. خطوة كبيرة وعن الاستراتيجية الأمريكية خلال الفترة الأخيرة من ولاية الرئيس كلينتون يشير د. جمال عبدالجواد الى أن الرئيس كلينتون هو أول رئيس يحكم الولايات المتحدة بعد انتهاء الحرب الباردة, وبالتالي واجه عالما جديدا وكان لابد أن يتعامل معه بطرق مختلفة وعموما فإن سياسته الأوروبية تعتبر الى حد ما ناجحة ففي عهده تم توسيع حلف شمال الأطلسي وهي خطوة كبيرة وكان فيها درجة عالية من المخاطرة ولكنه نجح فيها, أيضا استطاعت الاستراتيجية الأمريكية في فترة حكمه احتواء آثار التوترات الاجتماعية العرقية العميقة في روسيا ودول الاتحاد السوفييتي السابق, حيث تم محاصرة هذه التوترات ومنعها من الانتشار الى بقية الدول المجاورة, كما نجحت في تخفيف حجم التوترات داخل روسيا نفسها ومنعها من الانهيار الكامل وهذا يعد تطورا كبيرا في الاستراتيجية الأمريكية, لقد دعمت الولايات المتحدة الاقتصاد الروسي بمليارات الدولارات من أجل مساعدة روسيا على مواجهة الازمات الاقتصادية التي تعرضت لها, كما ساعدتها على تطوير نظام الرقابة والسيطرة على الأسلحة النووية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي السابق وحتى لا تحدث كوارث لايتحملها العالم كله. فضلا عن المبدأ الجديد الذي أضيف لبرنامج حلف الأطلسي وبحيث لا يتوقف نشاطه وتدخله على الدول الأعضاء في الحلف فقط ولكنه يمتد ليشمل مناطق أخرى من العالم, فهذا تطور آخر في الاستراتيجية الأمريكية, فضلا عن الاتجاه ناحية الصين وبحيث أصبحت الصين هي الدولة الأولى بالرعاية التجارية فقد نجح كلينتون في ادخال العلاقات الأمريكية الصينية في مرحلة استقرار مهمة تقوم على التعاون لأنه يدرك ما يمكن أن تحمله الصين من تهديد في فترة مقبلة.. لقد نجح كلينتون في تطوير بعض الأفكار في السياسة الخارجية الأمريكية بغض النظر عن تأثيرها على مصالح بعض دول العالم الأخرى, كلينتون نجح في تحقيق مصالح ناخبيه وحلفائه. وفي النهاية يعتقد د. جمال عبدالجواد أن مسلسل فضائح الرئيس الأمريكي كلينتون سوف تظل نقطة سوداء ووصمة لعهده, ولكن رغم ذلك سوف يذكر الأمريكيون له الأشياء الأخرى الجيدة وهذا ما دلت عليه استطلاعات الرأي أثناء فترة تفجر الفضيحة فقد كانوا ضد عزله رغم رفضهم سلوكه, وهذا يعكس درجة من التطور والنضج السياسي لدى الناخب الأمريكي الذي يستطيع أن يميز بين مصالحه وسلوك رئيسه الذي لايؤثر على هذه المصالح.