تدخل انتخابات الرئاسة الامريكية في اسابيعها الاخيرة الحاسمة, ولايزال المرشح الديمقراطي آل جور متخلفا في استطلاعات الرأي عن منافسه جورج بوش, ولكن الفارق بينهما ليس بالفارق الذي يتعذر تخطيه, وبذلك تظل المعركة مفتوحة ونتيجتها في ايدي الناخبين, وان كانت السمة المميزة لمعركة العام الحالي هي تضاؤل الفارق الايديولوجي بل وربما انعدامه بين الحزبين الرئيسيين لذلك ليس من المستبعد ان تكون المشاركة في التصويت في حدها الادنى, وان يشعر الناخبون بفرق بين المتسابقين يبرر عناء التوجه الى صناديق الانتخاب, وفي غياب الايديولوجية يبرز عنصرالتفوق المالي, ويصبح النصر قريب الصلة بمخصصات الاعلان والدعاية, وربما يؤدي هذا العامل الى ترجيح كفة جورج بوش, والمتقدم على اي حال حتى الان في استطلاعات الرأي, وقد لجأ آل جور في محاولة لخطف الاضواء من جورج بوش الى اختيار عضو الكونجرس المعروف ليبرمان رفيقا له في السباق ونائبا للرئيس حال الفوز, املا ان يأتي له ليبرمان بالاصوات, فهو اليهودي الديمقراطي الذي وقف وقفة حازمة ضد كلينتون في فضيحة مونيكا, وبذلك يعني اختياره قطع الحبل الذي يصل جور بكلينتون, وان يستعيد الاصوات التي قد تؤدي فضائح كلينتون الجنسية الى هروبها من الحزب الديمقراطي, بالاضافة الى ذلك قد يؤدي اختيار نائب رئيس يهودي الى تساقط اصوات الناخبين اليهود على الحزب الديمقراطي, وليس معنى ذلك على الاطلاق ان جورج بوش سيكون اقل تعاطفا مع اليهود او اقل توددا وتأييدا للربيبة الامريكية في الشرق الاوسط, الا انها مقامرة على اي حال, وقد يتردد الانصار التقليديون للحزب في التصويت لصالح نائب رئيس يهودي, ولكن اصوات اليهود قد تعوض عن هؤلاد او تزيد وسنعرف ذلك ولو بشكل تقريبي من نتائج تلك المعركة الفاترة ووراء المعركة التي تحتد حينا وتفتر احيانا بين نائب كلينتون ونجل الرئيس الذي اوقع به كلينتون هزيمة قاضية عام 1992, تجري معركة اخيرة مع الزمن, معركة بين كلينتون ودقات الساعة, يشبه فيها التلميذ الذي يستذكر دورسه جيدا رغم ما بذل من جهد, وحان الوقت الذي يجب ان يسلم فيه ورقته الى لجنة الامتحان, ولا يزال يحدوه امل ولو بعيد ان يخط فيها ما لم يأت به الاوائل, وان تؤهله لدرجة امتياز يدخل بها التاريخ كما لم يتسن لسابقيه, حائزا ضمن الجوائز والميداليات على جائزة نوبل للسلام متلقيا الدعوات من شرق العالم وغربه ليشيد بالعالم الجديد الذي ساهم في صنعه, وليلقن جهابذة الفكرة وأساطين السياسة قواعد واصول قيادة العظمى الوحيدة في العالم, لتحقيق اسمى الاهداف وأعظمها نبلا, وأعمقها اثرا في حياة ملايين البشر, والذي يتابع خطب كلينتون في مؤتمر الحزب في لوس انجلوس في الاسبوع الحالي, والمفروض ان هذه الخطب انما هي لشد ازر جور ومعاونته على ان يقف شامخا امام التحديات الجارفة من الحزب الجمهوري, لا يملك الا ان يلحظ صعوبة تكيف كلينتون مع مواقف الظل, وان يشفق على جور والذي يبدو ضئيلا الى جانب رئيسه, ويجد صعوبة في التحرر من ظله, وربما يذكرنا هذا الموقف بثنائي ريجان وجورج بوش في انتخابات 1986 الا ان ريجان كان حينذاك في السابعة والسبعين, بينما يجد كلينتون ان عليه وفقا للدستور الامريكي ان يخرج من اللعبة وهو بعد لايزال غضا في الرابعة والخمسين, ولايخالج من يراه في ذلك المؤتمر ادنى شك في انه لم يكن ليتردد في السعي الى فترة رئاسة ثالثة لو كان الدستور الامريكي يبيح ذلك بوسيلة من الوسائل وعندما سأله احد الصحفيين وقد ادرك فيما يبدو ما يدور في فكره عن علاقته مع جور بعد الانتخابات, لم يستطع ان يخف املا دفينا ان يبقى مثل راكب المقعد الخلفي الذي يرشد السائق الى اين يتجه, وذكر في بداية حديثه انه قال لجور انه اذا ما انتخب رئيسا فسيكون هدفه اي هدف كلينتون ان يبقى بعيدا عن طريقه, لان الامريكيين لا يتحملون اكثر من رئيس واحد, ولكن غلبته رغبته الدفينة بعد ذلك ليقول: ولكن اذا اراد ان يتحدث معي فسيعدني مبادلته الحديث. وتتفاعل تلك الرغبة الدفينة لدى رئيس يتنحى عن الحلبة وهو في اوج طاقته في فترة رئاسة ثالثة مستحيلة, مع حلم دخول التاريخ من حيث اوصدت الابواب امام سابقيه, لتفرض على كلينتون في الشهور القليلة الاخيرة ان يسعى لاهثا ليضيف الى جائزة النجاح الاقتصادي الذي تحقق في سنواته الثماني في الرئاسة, مصادفة ام تخطيطا ام مزيجا من هذا وذاك, نجاحا في جبهة السياسة الخارجية, ومن الملفات التي لاتزال مفتوحة ولايزال امامه امل في ان يربط الانجاز التاريخي فيها باسم بيل كلينتون ملف مايعرف باسم (برنامج ابن النجوم) او نظام الدفاع القومي ضد الصواريخ, وهو طبعة جديدة منقحة من برنامج ريجان الذي لم يتحقق عن (حرب النجوم) ويستند البرنامج في صورتيه القديمة والجديدة الى فكرة اقامة درع دفاعية ضد الصواريخ تحمي الولايات المتحدة من اي هجوم صاروخي برصد حركة الصواريخ المهاجمة منذ ان تصدر اليها تعليمات الاطلاق وتعقبها وتدميرها في الفضاء قبل ان تقترب من اهدافها, وقد واجه المشروع معارضة روسية عنيفة لانه يتعارض مع معاهدة الدفاع ضد الصواريخ الباليستية ABM التي وقعتها واشنطن وموسكو في 26 مارس 1972 والتي تضع قيودا صارمة على اقامة نظم دفاعية ضد الصواريخ, وكان الهدف من تلك المعاهدة والتي وقعت في ذورة الحرب الباردة هو الحفاظ على مصداقية الردع النووي, وذلك بمنع اي من القوتين العظميين حينذاك من اقامة نظام دفاعي فعال ضد هجوم نووي من القوى الاخرى, وبذلك تحول دون ان تفكر ان من الطرفين في شن هجوم نووي ضد الطرف الاخر, لانه سيكون على يقين من ان الرد سيأتي حتما ومؤكدا في شكل هجوم صاروخي شامل يحيق الدمار بالطرف البادىء وقد حظرت تلك المعاهدة انشاء دفاعات ذات قدرة استراتيجية شاملة, وسمحت لكل طرف على سبيل الاستثناء بموقعين فقط لاجهزة الدفاع ضد الصواريخ, ثم تقرر في البروتوكول الموقع بين الدولتين عام 1976 الاقتصار على موقع واحد, وقد سعى كلينتون الى الحصول على موافقة موسكو على تعديل المعاهدة بما يسمح بإقامة نظام الدفاع القومي ضد الصوايخ NMD والمرحلة الاولى من هذا النظام تتطلب تطوير محطة الانذار المبكر في ألاسكا, وكان من الطبيعي ان يواجه الطلب الامريكي باعتراضات روسية حادة, رغم تأكيد كلينتون انه ليس بصدد اقامة نظام دفاعي ضد الصواريخ الروسية ولكن المقصود هو الدفاع ضد من تسميهم واشنطن بالاطراف او الدول الشريرة او الناشز, وتدخل تحت هذا الوصف كوريا الشمالية والعراق وايران واحيانا اطرافا اخرى, وبالطبع لم تجد موسكو هذا التبرير مقنعا. والاعتراض على نظام الدفاع الوطني ضد الصواريخ لم يقتصر على موسكو بل شمل ايضا الصين, بل وكذلك حلفاء واشنطن في اوروبا وكان من المفروض ان يعرض كلينتون على الكونجرس في يوليو مشروع الدفاع الوطني ضد الصواريخ للموافقة عليه والبدء في التنفيذ, ولم تكن الاعتراضات الروسية هي العقبة الوحيدة بل تضافرت معها عقبات تكنولوجية, اذ لم تأت التجارب بدليل مقنع على ان النظام المستهدف سيحقق المعجزات التي تبرر تكلفته الخيالية, ولايزال الامر في حاجة الى مزيد من التجريب والبحث, والدلائل تشير الى ان كلينتون على قدر ما يستطيع ان يلهث وراء هذا المشروع ربما لن يشهد تحققه على ارض الواقع, واحدث ما نشر في هذا الشأن تقرير للمخابرات المركزية الامريكية يحذر من ان تنفيذ مثل هذا المشروع, الى جانب الصعوبات العلمية والاعتراضات الروسية, سيؤدي الى ردود فعل غاضبة من الحلفاء الاوروبيين كما انه سيؤدي بالصين الى سباق نووي لترفع رصيد ترسانتها النووية, وقد يشتعل السباق النووي كذلك بين الهند وباكستان, وربما لن تتمكن روسيا من زيادة حجم ترسانتها النووية لاسباب مالية, الا انها قد تلجأ بدلا من ذلك الى اضافة رؤوس متعددة الى ما لديها من صواريخ بالستية, كذلك سيؤدي المشروع اذا ما نفذ دون موافقة موسكو على تعديل معاهدة الدفاع ضد الصواريخ البالستية لعام 1972 الى استياء حلفاء واشنطن في اوروبا. والى جانب اعتراض موسكو وتهديد الصين واستياء اوروبا لاتجد حجة كلينتون بأن النظام الدفاعي الجديد موجه ضد من يسميهم بالدول الناشز من يقتنع بها, وقد وجدت هذه الحجة تسخيفا من كوريا الشمالية, واحدة من تلك الدول الناشز في القاموس السياسي الامريكي, واعلن رئيسها كيم جونج ايل انه من غير المعقول ان نعتقد اننا يمكننا ان نكسب حربا ضد الولايات المتحدة بمجرد ان نطلق عليها صاروخين او ثلاثة صواريخ عابرة للقارات, وكلينتون في لهثه وراء ربط مشروع الدفاع ضد الصواريخ بعهده لابد ان يجد قدماه مثقلتان بكل هذه العوائق والاعتراضات حيث تتضافر الصعوبات العلمية مع العواصف السياسية لتجعل ثمرة ابن النجوم بعيدة المنال. والثمرة الاخرى والتي تبدو اعز منالا امام كلينتون هي ذلك السلام التاريخي بين اسرائيل والفلسطينيين, والذي طال حلمه بأن يتوج له بطلا وان ينال عليه ضمن ما يمكن ان يناله جائزة نوبل للسلام, وقد تكسرت حلقات المسار السوري في عملية السلام في ذلك اللقاء الشهير بين كلينتون والرئيس الراحل حافظ الاسد في جنيف في الايام الاخيرة من شهر مارس, حينما مارس كلينتون دور المحامي النشط الذي يتسلح بحلاوة القول ومعسول الوعود, املا ان يحصل من اسد دمشق على تنازل عما صوره بأنه بضعة امتار على بحيرة طبرية نظير هدية الجولان بأكملها دون ماء, بل وناشده القبول حتى يسند موقف باراك السياسي المهتز في اسرائيل, ولم يكن من الغريب, سوى في نظر الرئيس الامريكي, ان يخرج من اللقاء صفر اليدين, وتركز الجهد على المسار الفلسطيني وقمة كامب ديفيد التي استمرت اسبوعين كاملين, وعلق كلينتون امالا كبارا على ان تستطيع سلسلة من الوعود والتهديدات ان تحمل ياسر عرفات على التخلي عن السيادة الفلسطينية على القدس مقابل ما وصف بأنه تنازلات اسرائيلية جرت معها على المغتصبين آلاما مابعدها آلام, ولا تبدو لعين الفاحص اكثر من ترضيات رمزية ابعد ما تكون عن الاعتراف بالسيادة الفلسطينية على المدينة, ومقابل هذه التنازلات التي لا تتعدى القشور الرمزية هو ان يتنازل الفلسطينيون عن حقهم التاريخي في مدينة القدس الشرقية وعن حقهم التاريخي في عودة اللاجئين الى الديار التي اقتلعوا منها ظلما وعدوانا, وعندما رفض عرفات تلك الصفقة الخاسرة كالت له واشنطن اللوم بلا حساب, وهددته بالويل والثبور ان جرأ على اعلان الدولة الفلسطينية في الموعد المحدد لها وفقا لاتفاق اوسلو منذ سبع سنوات وهو 13 سبتمبر 2000, والصورة التي تسعى الادارة الامريكية الى غرسها هي ان اتفاق السلام النهائي الموعود تحطم على صخرة العناد الفلسطيني, اما الحقوق الفلسطينية وقرارات مجلس الامن, التي لم تكن لتصدر دون موافقة واشنطن, فأمور لا يجب ان تؤخذ في الحسبان عندما يتعلق الامر بالمصالح الاسرائيلية. ولم يجد كلينتون في لهثة وراء مصالحة تاريخية بين اسرائيل والفلسطينيين غضاضة في ان يوزع اللوم في الفشل على الدول العربية, والقارىء لا شك تابع ما وجه من لوم الى مصر, لان الرئيس المصري لم يضغط على الزعيم الفلسطيني كي يكون اكثر مرونة, اي اكثر طاعة للمحامي الامريكي الذي يتسمى بالوسيط المحايد, ولم يطلب منه ان يضرب عرض الحائط بعروبة القدس وتاريخها حتى لا يحرم كلينتون من الجائزة الكبرى, وقد رد الرئيس المصري على هذه الانتقادات التي تجاوزت بها واشنطن حدود الوساطة بما لايترك زيادة المستزيد, واثبت كلينتون في المسار الفلسطيني, كما سبق ان فعل في المسار السوري, ان تعجله لقطف الثمار ينأى به عن تفهم الابعاد التاريخية والقومية والنفسية للصراع العربي الاسرائيلي, وان السعي وراء حق مغتصب افضل واكرم على العرب, مهما طالت المسيرة, من الندم على حق يتنازلون عنه طواعية مقابل الفتات ومقابل سلام لايمكن له الدوام. وبعض التعليقات حتى من الجانب الفلسطيني, توحي بأن ملف المسار الفلسطيني لم يغلق ولايزال قابلا للنقاش والتحاور, وان كامب ديفيد لم يكن فشلا ذريعا بل حقق تقدما تمثل في طرح قضايا كانت في نظر المفاوض الاسرائيلي من المحرمات, ولا شك ان كلينتون سيبذل جهدا طوال الاسابيع المقبلة لاحياء كامب ديفيد والخروج منه بالثمرة التي يحلم بها, الا ان ذلك لن يتحقق الا اذا تخلت اسرائيل للفلسطينيين بشكل واضح وقاطع عن السيادة على القدس الشرقية لتصبح عاصمة لفلسطين, وربما يرى الاسرائيليون انهم لن يكسبوا الكثير من هذا التنازل في عهد رئيس يلملم اوراقه, ونائبه لايزال بعيدا عن المقدمة في السباق نحو البيت الابيض, وربما يدخرون هذا التنازل الذي لابد لهم ان يدركوا انهم باذلوه ان عاجلا وان آجلا, ان ارادوا سلاما حقيقيا, ربما يدخرون هذا التنازل للرئيس المقبل, حتى يقبضوا ثمن كل حرف منه في لعبة الابتزاز التي اجادوها اسوأ اجادة. بقلم: محمد خليل ، كاتب مصري مقيم في لندن