اصابتني عدوى الفتور السياسي لدى الامريكان, فلم اعد اتابع معركة الانتخابات الرئاسية الجارية كما ينبغي رغم ارتفاع ايقاعها منذ ان عقد الجمهوريون مؤتمرهم القومي, واختاروا مرشحهم لمنصب نائب الرئيس وفتور ، الامريكان السياسي وقلة المامهم بالسياسة ظاهرة متفاقمة ولكنها ليس بالظاهرة الحديثة. وعلى عكس ما تفترض المبادىء الديمقراطية فإنهم يعتقدون ان السياسة هي صنعة قوم هيأوا انفسهم لها, فلتترك لهم, وليترك الشعب ليلاحق اعماله اليومية, ويعمل على زيادة مستوى دخله, حتى يحقق موازنته الشهرية في دفع الفواتير الاستهلاكية المستحقة. لماذا لا يصوتون؟! في الانتخابات الرئاسية الماضية لم يصوت الا اقل من نصف من يحق لهم التصويت, وهذا الموسم لا اظن العد الا متناقصا عما سلف. ليس هذا وحسب وانما اصبح الامر اكثر من مجرد فتور او نفور, بل غدا تقززا وتأففا من مجرد الاهتمام بالسياسة او الحديث فيها. واذا كان الامريكان في السابق يعتقدون في اعرافهم الاجتماعية, أليس من الحصافة واللباقة ان ينخرط المرء في نقاش في شئون الدين, فقد غدوا اليوم اشد تحرزا من النقاش في السياسة منهم في نقاش الدين. لم يعد المسرح السياسي الامريكي يخرج ابطالا بل أمر. ان الذكاء الباهر لكليتنون مثلا لم يعصمه من ان يتردى مع مونيكا واترابها, ومن فضائح اخرى كثر.. ومثلهم مثل كلينتون. فلكافة السياسيين الامريكيين سجلات فائضة بالمخازي, والمخالفات القانونية, والاخلاقية المدمرة وهذه هي (صنعة) صحائف (التابلويد) ان تسعى لنبش تلك الحفائر المستورة عن الاعين, واعلانها على الملأ مما اسقط هيبة كل السياسيين في نظر الناس. منذ عهد ريجان لم يظهر سياسي امريكي يحظى باحترام الشعب, ومن قبل ريجان كانت فضيحة ووترجيت قد عصفت بالشعور السياسي الامريكي كثيرا واصبح الناس يتوقعون مثلها عند كل رئيس, ولعل هذا هو ما دفع بصحافي (واشنطن بوست) الشهير (بوب ودوارد) , مكتشف فضيحة ووترجيت الى ان يكتب كتابه الذي استعرضناه في (البيان) في خواتيم العام الماضي, عن فضائح خمسة رؤساء امريكان بعد نكسون, وقد كنا محتشمين في عرضنا لذلك الكتاب, قدر الامكان, بما لا يصدم الذوق العربي الرفيع, بما في الكتاب من لغة خشنة, ووقائع سمجة, ومخازي يندى لها الجبين. الحلاقيم الطويلة وبوب ودوارد وسواه من الصحفيين الذين يقدمون انفسهم كرواد لحرية الفكر والثقافة والصحافة والسياسة ومراقبة الحكومة, انما هم متهمون بالعمل على تحطيم الثقافة السياسية الامريكية, القائمة على الشفافية والثقة. صحيح انهم لا يختلقون الفضائح, ولا يزورون الوقائع, ولا ينطلقون من فراغ او خيال, ولكنهم بالقطع يستمدون معلوماتهم تلك من مراكز الضغط الصهيونية, التي يهمها التنقيب عن تلك الفضائح واكتشافها واعلانها بغية التشهير بالسياسيين وابتزازهم, واخضاعهم من ثم (لمطالب الصهيونيين, واهم من ذلك تسميم الثقافة السياسية الامريكية وافساد المزاج العام, وعزل السياسيين عن قواعدهم وعزل الشعب عن الاهتمام. بمجالات السياسة وأداء السياسيين, وهو ما آتى ثماره الخبيثة بجعل الشعب الامريكي اقل شعوب الدول الديمقراطية اهتماما بالسياسة, واقلها اندفاعا نحو التصويت في الانتخابات البرلمانية والرئاسية. لقد اعترف بوب ودوارد صراحة بأنه اغترف معلوماته من تلك المصادر المجهولة, التي سماها بـ (الحلاقيم الطويلة) , ووعد بأن يكشف عن اسماء اصحابها ريثما يموتون, وكأنه يضمن ان يموتوا هم, قبل ان يواريه هو الثرى! وليس بوب ودوارد وحده هو الذي يؤدي تلك المهمة, بل كثيرون غيره يؤدونها بنجاح اكبر مما يتهيأ له, وهم اولئك الكوميديون التلفزيونيون الذين جعلوا من سير الزعماء وممارساتهم, مادة برامجهم المسائية اليومية, وهي المادة التي يتسلى بها الامريكيون يوميا قبل ان يناموا! انسحاب الابطال ان الجانب التآمري في الموضوع وهو الجانب الذي يؤديه الاعلام اياه ـ ليس هو لب الحقيقة وانما استثمارها, وتطوير لبعض جوانبها والحرص على استبقائها في الاساس, مع انها حقيقة باقية, وستبقى طالما ظل خط الحضارة الامريكية الاستهلاكية, يأخذ هذا المنحى, الذي جعل من السياسة مجرد تجارة, او بضاعة مزجاة معروضة للبيع, كما قرر ذلك بروفسور هارفارد انتوني داونز, في نظريته الشهيرة عن الدوافع الاقتصادية للسياسيين الممارسين. ان الحضارة الامريكية لم تعد تصنع اشخاصا عظماء, ممن يمكن ان يسموا ابطالا, الا في مجال (البيزنس) وصناعة الاموال, اما ابطال صناعة الحياة والتاريخ, فلا يفسح لهم اي مجال في هذا المحيط الخانق ولذلك فقد اختقوا اوكادوا. وكم كان حكيم الحضارة العربية وفيلسوفها ميخائيل نعيمة حصيفا عندما اكتشف تلك الحقيقة باكرا في العشرينيات, فترك امريكا قافلا الى بلاده, قائلا انها ورشة ضخمة, وهو لا يحب ان يحيا في قلب الضجيج, ولرب كهف هادىء وفي جبال (صنين) اهنأ من ناطحة سحاب في نيويورك!! وكان عملاق دراسة الحضارات, الذي توفر على دراسة ثلاثين حضارة, من اكبر الحضارات العالمية التي سادت ثم بادت, ارنولد توينبي, قد تنبأ بعقم المجتمعات المادية البراجماتية عن صناعة ابطال الحياة, لذا طرح فكرة (الانسحاب والمواجهة كفكرة مركزية لكتابه الفخم (دراسة في التاريخ) فماذا قال؟! في نظر توينبي فإن ابطال الحياة ينسحبون اولا من مجتمعاتهم لبعض الوقت, لتهيئة انفسهم روحيا قبل ان يعودوا اليها لدفعها الى الامام, وهؤلاء العباقرة رغم انهم افراد من نسيج المجتمع, الا انهم اعظم من كونهم افرادا عاديين الآن في وسعهم عندما يعودون, ان ينجزوا ما يظنه غيرهم من قبيل المعجزات. ان حالة الانسحاب التي يسميها الصوفية حالة الانجذاب! ليست حالة سكون. ويستعين توينبي هنا بوصف برجسون لها بأنها تشبه سكون القاطرة الي تقف في المحطة, مع استمرار دورات محركها تحت ضغط البخار وهي تهتز اثناء وقوفها منتظرة اللحظة التي تثب فيها الى الامام وهنا يحس ذلك البطل بأن الحقيقة اخذت تتدفق عليه من نبعها وكأنها قوة جارفة, وتنحو به لاعادة تكييف اوضاع الانواع البشرية ودفعها الى الامام. هذه التجربة الانسحابية الالهامية ذات تكلفة عالية, لذا يعرض عنها الزعماء السياسيون الامريكيون البراجماتيون. وفضلا عن ذلك فهي غير مضمونة النجاح لأن عاقبة العمل الابداعي للبطل قد تشكل خللا فارقا في المجتمع, وتلحق عذابا وبيلا بالبطل العبقري الذي كما يقول توينبي ـ قد يضطهد ويعذب بسبب تفوقه ومفارقته وشذوذه تماما كما نعذب اسراب الطير وقطعان المواشي الطائر او الحيوان الشاذ عن المجموع, وقد يلحق العذاب بالمجتمع ايضا, اذا لم يكن مستعدا لتكييف اوضاعه والسير خلف ارادة البطل الجديد, ولهذا يرى توينبي انه في المجال السياسي فقد يكون النظام السياسي متفوقا ـ كما هو النظام السياسي الامريكي! ـ ولكن تظل جمهرة الشعب في جوهرها في نفس المستوى الثقافي والخلقي والسياسي الذي كانت عليه قبل انبعاث الثورة الحضارية, والتقاليد الديمقراطية الحديثة.. هذا هو رأى توينبي الفاحص, وهو رأي لا يقره عليه علماء السياسة المعاصرون, الذين يعتمدون على وسائل الاحصاء والقياس الدقيق, واستخدام النظريات الوسطى والصغرى في التحليل, فهم يعتقدون ان الشعب يمكن ان يكون راقيا, وشفافا, ومقتدرا, وعظيما, وذا انغماس بالغ في العمل السياسي, بينما يكون زعماؤه مراوغين ونفعيين واستغلاليين! الاعراض المستمر ما سيلحق بالشعب الامريكي, في نظري, هو غير ذلك. فمع استمرار موجات الرخاء, وعدم حدوث اي اضطراب في حياته المادية فسيظل الشعب الامريكي يصدف اكثر واكثر عن الانخراط في السياسة, او الاهتمام بأمرها, حتى ولو من قبيل العلم الذي لا ينفع ولا يضر.. وهذا الاتجاه ستغذيه مصادر الضغط والمصلحة التي اسلفت الاشارة اليها, وهي المصادر التي لم تصن من حملة التجريح الا ابنها المدلل (ال جور) بسبب جذره اليهودي (من جهة امه) , ثم اختارت له نائبا يهوديا صريح النسب, كان هو, ولغير المصادفة المحصنة, اول من ادان كلنتون من سربه الديمقراطي ايام حملة التلوث بفضيحة مونيكا.. فهذان النسيبان (آل جور وجوزيف ليبرمان) هما وحدهما النقيان التقيان الحفيظان على مصالح الشعب الامريكي كما تدعي تلك المراكز! ولكن لسوء حظ تلك المراكز التي عملت على صيانة سمعة كل من آل جور وليبرمان وتزكيتهما فإنهما كما تدل نتائج استطلاع الرأي العام مازالا مدحورين في السباق, وبفارق بالغ الاتساع.. ولكن لصالح من؟ لصالح تاجر, ابن تاجر, اختار لمنصب نائبه في الرئاسة تاجرا آخر وهكذا لم تجد الصحف ما تعلق به على اختياره لذلك المنصب افضل من القول بأنه سيخسر ماديا كثيرا لقبوله ذلك المنصب, فدخله السنوي الذي يناهز المليوني دولار, سيخسر الى اقل من ربع مليون دولار. وهكذا اصبح نصيب امريكا من الرؤساء متواضعا جدا, وهيهات ان نظفر ببطل في عهد قريب, وما لم تظهر ازمة ضخمة او كارثة في آليات النظام السياسي, او في المجتمع, يصعب تصور ظهور بطل على المسرح السياسي الامريكي. بقلم: د. محمد ابو ابراهيم ، استاذ العلاقات الدولية ـ الولايات المتحدة