المخابرات الروسية بقيادة بوتين تدبر تفجيرات موسكو لتبرير الحرب ، بترول القوقاز ومأزق زمرة يلتسين يفرقان روسيا في المواجهة الكبرى مثلت الشيشان وداغستان تحديا كبيرا للسلطة في روسيا (الجانحة) نحو مزيد من التدهور الاقتصادي والتأزم الاجتماعي, وبدت السلطة المركزية حيال هذين (الملفين) عاجزة عن ايجاد سياسة متناسقة, وكان أخطر ما في الأمر عجز الكرملين عن ان تكون له الكلمة الاخيرة حيال مسألة بترول بحر قزوين وبالتالي فرض ارادته بالنسبة للرهانات الاقتصادية في منطقة ذات أهمية استراتيجية خاصة. يجدر التذكير هنا بأن الحرب الشيشانية الأولى انفجرت في الوقت الذي كانت تحاول فيه روسيا (دون جدوى) اعادة رسم الخارطة البترولية في منطقة القوقاز, ومنذ عام 1994 كانت أذربيجان بعد تحررها من الوصاية الروسية اثر انهيار الاتحاد السوفييتي قد دخلت في مفاوضات مع الغرب وخاصة مع الأمريكيين من أجل بناء محطات ضخ بترولية لحقول نفط جديدة في منطقة بحر قزوين وبناء خط أنابيب يمر في جورجيا وليس في روسيا, وكان الخط القديم ذو الاستطاعة الضئيلة الذي يؤمن نقل النفط نحو ميناء نوفورسك الروسي على البحر الأسود يجتاز في الواقع الأراضي الشيشانية. وكان من المعتاد قبل حرب 1994 ـ 1996 ان تتم سرقة البترول الذي يمر فيه من قبل المافيات المحلية, وكان من شأن حرب 1995 ان تم اغلاق خط الأنابيب هذا, مما برهن للمستثمرين الأجانب بأن الطريق الأكثر أمنا لنقل البترول الاذربيجاني لا يمر بالضرورة من روسيا. الاحتضار وكان هذا الخط الذي تم ترميمه عام 1997 بعد اتفاقات السلام التي وقعها بوريس يلتسين وأصلان ماسخادوف يسمح بصعوبة نقل الأطنان الأولى من البترول الاذربيجاني الخام التي استخرجت من الحقول الجديدة في منطقة قزوين وبما ان القيادة الشيشانية كانت تحصل على بعض المبالغ المالية لقاء مرور البترول في أراضيها فإنها تقاربت بخجل من موسكو مما أثار حنق العناصر المتشددة والمافيات المحلية التي وجدت نفسها فجأة محرومة من مصادر دخلها التقليدية. وعشية اندلاع الحرب الشيشانية الثانية تعرض خط أنابيب النفط, وكأن الأمر مصادفة, لعدد من أعمال التخريب, الأمر الذي دفع أذربيجان إلى توقيف ضخ البترول عبر الأراضي الشيشانية ودفع موسكو إلى رفض دفع الحصص المقررة للشيشان بعد ان أصبحت ـ أي موسكو ـ عاجزة عن تحمل الاعباء المالية للترميم والاصلاح. وكانت موسكو قد خسرت منذ زمن طويل معركة البترول, ووجدت نفسها بسبب عدم توفر الأموال المطلوبة غير قادرة على بناء خط أنابيب جديد يمر عبر داغستان ويتجنب الشيشان مما وضعها تحت رحمة الولايات المتحدة الأمريكية الراغبة في كسب مواقع جديدة على رقعة الشطرنج البترولية القوقازية. على هذا الصعيد بدت الحرب الشيشانية الثانية, وكأنها عملية هروب إلى الأمام من قبل السلطة الروسية وسعت موسكو منذ بداية النزاع إلى تدمير المنشآت البترولية للجمهورية الشيشانية والموقف الانتحاري الروسي أخذ كل معناه يوم 5 نوفمبر 1999 عندما أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية من أنقرة بأنه يتم التحضير لتوقيع اتفاق من أجل بناء خط أنابيب استراتيجي لنقل النفط الخام الأذربيجاني من باكو إلى بلدة سيحان التركية. خط الأنابيب هذا البالغ طوله 2000 كيلو متر والمفترض ان ينقل بترول قزوين إلى الأسواق العالمية يستبعد تماما روسيا لصالح جمهورية سوفييتية سابقة هي جيورجيا التي يتزعمها رئيس موالٍ للغرب ومن دعاة الانضمام إلى الحلف الاطلسي هو ادوارد شفردنادزة. كانت المرارة كبيرة بالنسبة لموسكو, كذلك قامت واشنطن بتفضيل تركيا, الدعامة الاستراتيجية للحلف الأطلسي والحلف الرئيسي لأذربيجان في نزاعها مع أرمينيا منذ نهاية سنوات التسعينيات حول منطقة ناجورني كاراباخ المطالبة باستقلالها والتي تسكنها أغلبية أرمنية والواقعة ضمن الأراضي الأذربيجانية. وكان ذلك الاتفاق الذي تم توقيعه يوم 18 نوفمبر 1999 في أسطنبول أثناء قمة منظمة الأمن والتعاون الأوروبي بمثابة الانتصار لمجموعة (الشركة الاذربيجانية الدولية) المكلفة باستثمار البترول في منطقة بحر قزوين والتي تديرها شركة (بريتش بتروليوم أموكو) العملاقة. هكذا وجدت روسيا نفسها خارج اللعبة بعد ان أصبحت طريق النفط الاذربيجاني مسدودة أمامها, ثم انها بلجوئها إلى الحرب من جديد وجدت نفسها مستبعدة عمليا من (النظام البترولي الجديد) الذي تعده الولايات المتحدة الأمريكية في منطقة جنوب القوقاز, بالمقابل اتهمت موسكو حكومة (باكو) بأنها تسمح بمرور المقاتلين والأسلحة عبر أراضيها, هذا الاتهام الذي يرفضه بقوة الرئيس الأذربيجاني جايدار علييف. النظام والفساد في الوقت الذي خسرت فيه موسكو المعركة البترولية ذات البعد الاستراتيجي لأن مصدر الطاقة هذا مسألة حيوية بالنسبة لدولة تطمح لأن تظل قوة عظمى لها كلمتها في تسيير شئون العالم, طور نظام بوريس يلتسين المحتضر استراتيجية جديدة تقوم على اثارة عدم الاستقرار في كل الاتجاهات, وبدأت الأسئلة تطرح في موسكو حول النوايا الحقيقية للكرملين, فهل كان يلتسين يبحث عن خلق بؤرة توتر في القوقاز من أجل الغاء الانتخابات التشريعية التي جرت في شهر ديسمبر 1999, ومن ثم الانتخابات الرئاسية في يونيو 2000؟ أم على العكس كان المقصود هو تثبيتت موقع رئيس الحكومة فلاديمير بوتين الذي قدمه بوريس يلتسين على ان خليفته؟ لم يكن فلاديمير بوتين معروفا من الجمهور الروسي العريض عندما تم تعيينه رئيسا للحكومة, لكن وبفضل الحرب الشيشانية ارتفعت شعبيته بشكل كبير ومفاجئ, وقد نال في مطلع أكتوبر نسبة 15% من الأصوات المؤيدة له في عملية استطلاع للرأي العام تلاعب بها دون شك وزير الداخلية. أما في 3 نوفمبر 1999 فقد أظهر استطلاع آخر للرأي العام زيادة كبيرة في شعبيته وصلت أثناء الحرب إلى 29% من أصوات أولئك الذين قد يقترعون في انتخابات رئاسية مبكرة محتملة. أصبحت الصورة واضحة بالنسبة للشيشانيين, فعمليات التفجير التي شهدتها موسكو هي من فعل الجهاز الفيدرالي الأمني الروسي, أليس بوتين رجل ظل وجاسوس محترف؟ ألم يكن مسئولا عن العلاقات بين الكرملين والمناطق الأخرى قبل ان يستلم في شهر مارس رئاسة الجهاز الفيدرالي الأمني؟ ألم يكن يعرف من هذا الموقع الجديد حقيقة ما كان يجري في الشيشان وداغستان؟ ثم ألم يخلق عن سابق وعي وتصميم بؤر توتر في شمال القوقاز بل ويقوم بتسليح (الارهابيين) ؟ هذه الأسئلة كلها كان يطرحها في موسكو الخصوم السياسين لبوريس يلتسين. بتاريخ 26 سبتمبر صرح رئيس الحكومة الروسية السابق يفجيني بريماكوف ان (المتمردين يستخدمون حصرا أسلحة روسية) بينما تحدث رئيس بلدية موسكو يوري لوجكوف بشكل مبطّن عن مسئولية بعض المقربين من رئيس الدولة عن اندلاع الحرب الشيشانية الثانية, لقد لاحظ جميع خصوم الرئيس بأن هذه المجابهة الكبرى الجديدة مع الشيشانيين حدثت في لحظة كانت فيها الزمرة المقربة من يلتسين في حالة ضيق شديد. وفي سويسرا وأمريكا تم الكشف عن أسرار جديدة خاصة بقضية (مابيتكس) حيث وصلت التحقيقات الى قمة الدولة بسبب الشكوك التي حامت حول بوريس يلتسين وابنتيه بامتلاك بطاقات اعتماد مالية على حساب هذه الشركة السويسرية التي كانت تعمل بشكل وثيق مع أعلى السلطات في الكرملين, وربما ان هذه الشركة ـ مابيتكس ـ قد وضعت مبلغ مليون دولار أمريكي باسم الرئيس الروسي في احد البنوك المجرية كي (تشكره) على حصولها على عقود كبيرة, وخاصة عقد تجديد (البيت الأبيض) ـ البرلمان ـ بعد عمليات القصف التي تعرض لها أثناء المواجهة بين يلتسين وخصومه. في الولايات المتحدة وصلت تحقيقات المكتب الفيدرالي الأمريكي إلى الربط بين شركة (مابيتكس) و (بنك نيويورك) الذي ربما قام بـ (تبييض) خمسة عشر مليارا من الدولارات الآتية من روسيا, وبالتالي ألم تكن الاتهامات المشينة الموجهة لزمرة يلتسين وراء بحثها عن اثارة (حرب قذرة) في شمال القوقاز من أجل لفت الانتباه باتجاه آخر؟ البعض يرى في هذا السياق بأن فلاديمير بوتين ليس إلا مجرد دمية بين زمرة يلتسين. وقيل في موسكو بان رفع مكانة بوتين وجعله رئيسا للوزارة كان وراءه أهم رجال المال الروس (بوريس بيريزوفسكي) , القريب من أسرة يلتسين والمعروف عنه بأنه (يصنع) و (يعزل) رؤساء الحكومات وبأنه في قلب جميع الدسائس التي يحيكها الكرملين وحيث انه كان قد قام عام 1996 بتمويل اعادة انتخاب يلتسين, وبعد عام منح مليوني دولار لشامل باساييف الذي كان آنذاك نائبا لرئيس الوزراء أصلان ماسخادوف هذا على الرغم من ان باساييف كان (ارهابيا خطيراً) بنظر موسكو, كان المليونا دولار مكرسين لاعادة البناء المزعومة للجمهورية الشيشانية. كان (بوريس بيريزوفسكي) محط شكوك من المدعي العام الروسي باختلاس 600 مليون دولار أمريكي على حساب الشركة الروسية للنقل الجوي المدني (ايرفلوت) , وذلك بواسطة شركتين سويسريتين مقرهما في مدينة لوزان. وكان رئيس الوزراء الروسي السابق يفجيني بريماكوف يعمل على ملاحقة (بيريزوفسكي) قبل ان يعزله بوريس يلتسين في شهر ابريل عام 1998 عن رئاسة الحكومة. وعندما تم تعيين فلاديمير بوتين رئيسا للوزراء استعاد بوريس بيرزوفسكي مكانته المركزية على رقعة الشطرنج السياسية الروسية, وبعد أشهر من التحقيقات والتحريات تخلى القاضي المكلف بالملف الخاص بالملياردير الروسي عن ملاحقته, كان ذلك يوم 5 نوفمبر 1999 ـ أي بعد تعيين بوتين رئيساً للحكومة ـ دون تقديم أي تفسير, هذا على الرغم من ان المحقق السويسري كان قد قام بعمليات تفتيش على الشركتين السويسريتين المعنيتين وطلب وضع اليد على عدة حسابات مصرفية. ومن الملفت للانتباه ان الملياردير الروسي بيريزوفسكي قد بدأ مباشرة بعد اغلاق ملفات التحقيق معه يلعب دوراً موازياً لوزير الخارجية ووزير الدفاع حيث شرع بعرض تحليلاته في الصحافة حول المسألة الشيشانية وسبل حلها بكل الأحوال رأى في فلاديمير بوتين الشخصية الوحيدة القادرة على الفوز في الانتخابات الرئاسية ضد خصوم بطانة يلتسين. مصالح الزمر لقي بوتين دعم عرابه الملياردير وعرف أيضا كيف يبني لنفسه صورة رجل الدولة منذ الأسابيع الأولى لاندلاع الحرب الشيشانية الثانية, وبدأ عبر قدرته على تنفيذ المناورات الدنيئة للكرملين وبفضل اللهجة القوية البسيطة والمباشرة التي استخدمها وآثار فيها النزعة القومية بمثابة الضامن للنظام ولوحدة الفدرالية الروسية المهددة بالانحلال. وحرص فلاديمير بوتين على ألا يخدش حساسية الجيش, ولم يجد ما يقوله عندما اعترف وزير الدفاع ايجور سيرجييف بأن هدف التدخل في الشيشان لم يعد انهاء الارهاب وانما وضع حد نهائي لاستقلال الجمهورية المتمردة. وقد عرفت القيادة العليا في الثكنات كيف تفرض صوتها, وفي الخامس من شهر نوفمبر 1999 سمح الجنرال فلاديمير شامانوف قائد الجبهة الغربية في الشيشان نفسه بالقول ان عددا من الضباط من بينهم جنرالات قد يكونون مستعدين للاستقالة إذ أوقف الجيش من تقدمه, لأن هيئات الضباط لن تستطيع البقاء والاستمرار في حالة تلقي صفعة جديدة. وبينما جعل فلادمير بوتين من الحرب الشيشانية المصدر الأساسي لرصيده الانتخابي رأى الجنرالات في نجاحات الأسابيع الأولى للحرب نوعا من اعادة الاعتبار لهم بعد هزيمة 1994 ـ 1996 بل وأعطى بعض الضباط الانطباع بأنهم يريدون قطع الطريق على السلطة السياسية لمنعها من التراجع إلى الوراء. وعندما طلب الرئيس الشيشاني أصلان ماسخادوف مرارا اللقاء بالرئيس الروسي بوريس يلتسين أعلن نائب رئيس أركان الجيش على الفور بأن هذا أمر مستحيل لأن (مسخادوف وضع نفسه خارج اطار المفاوضات ذلك ان الشيشان أصبحت بمثابة قاعدة للارهابيين) . بل وصل الأمر بهذا الجنرال فاليري مانيلوف بالاتفاق مع رئيس الأركان إلى اصدار بيان يرمي إلى وضع حد للشائعات التي سرت عن خلافات بين بعض الجنرالات والكرملين جاء فيه تأكيده بأن أية محاولة لزرع الشقاق بين السلطة السياسية والقيادة العسكرية مآلها الفشل. ضمن هذا الاطار من المزايدات بين السياسيين والعسكريين جعل رئيس الوزراء فلاديمير بوتين من نفسه محاميا للدعوة إلى ايجاد جيش روسي قوي وفعال وتخصيص الاعتمادات المالية المطلوبة من أجل تحقيق ذلك, وبتاريخ 15 نوفمبر 1999 حدد الرئيس الروسي بوريس يلتسين موعد الانتخابات الرئاسية في 4 يونيو من عام 2000 مفسحا في الوقت نفسه المجال أمام رئيس وزرائه للدخول في السباق إلى أعلى مناصب الدولة. كان فلاديمير بوتين قد خرج من المجهول كي يصبح رئيسا للحكومة في شهر أغسطس 1999, ولذلك كان على هذه الشخصية المغمورة أن تحقق عدة أهداف كي تؤمن الانطلاقة القوية. وقد تمثلت تلك الأهداف في الانتصار بالحرب الشيشانية الثانية والفوز في الانتخابات التشريعية وثم الرئاسية واعادة بناء القوة العسكرية الروسية, وقبل هذا كله المحافظة على مصالح زمرة يلتسين. كان (ماشا) , الجندي المبتور الساقين أثناء مشاركته في الحرب الشيشانية الأولى, لا يزال يمد يديه متسولا في إحدى محطات مترو موسكو ويقرأ كل صباح عناوين الصحف. انه لم يكن يعرف أي شيء عن نوايا الكرملين, فهو مثل الكثيرين من الروس لا يهتم بالقضايا السياسية الكبرى. لقد كان يكتفي بتصديق بيانات الانتصار المنشورة في الصحافة الروسية المؤيدة بحماس لجيشها. وكان أيضا معجبا إلى حد كبير باسلوب فلاديمير بوتين. وبالتأكيد لن تعيد له استراتيجية بوتين ساقيه, لكن هذا لم يكن يمنعه من الاحساس في قرارة نفسه بأنه قد (أخذ ثأره) بشكل ما.