تابعت بدهشة وحيرة النقاش الذي دار في السودان خلال الايام الماضية حول اخلاء منازل حكومية كان يسكنها بعض الوزراء المسئولين الذين استقالوا عقب الخلاف بين البشير والترابي, وقد اخذ النقاش مدى بعيدا يكشف عن عقلية التعامل مع المال العام ومع المنصب الحكومي وهل هو امتيازات ام مسئولية؟ وكان غريبا ان يناقش مثل هذا الموضوع البديهي: شخص منح منزلا بسبب موقعه الحكومي فكيف يحق له الاحتفاظ بمنزل فقد قاطنه المبرر القانوني للاستخدام؟ فحق الاستخدام مشروط بشغل المنصب الحكومي ولكن يبدو من النقاش ان الموقع الحزبي هو الذي يعطي الحق في التمتع بالامتيازات الحكومية من مال الشعب, خاصة حين لا نتبين الخط الذي يفصل بين الحكومة والحزب من جهة, مقابل الوطن والشعب. فقد تحول الشعب الى رعايا والوطن الى مستوطنة حزبية اما الحكومة فهي ببساطة حكومة الحزب مطلق السلطات. يجب الا تمر مثل هذه القضية وكأنها مجرد تداعيات لشجار بين طرفي النزاع في المؤتمر الوطني, فالقضية تكشف عقلية موجودة في المعسكرين تنظر الى البلد كملكية خاصة للحزب وتعتبر نفسها فوق القوانين واللوائح وحتى الاعراف, فاصحاب هذه العقلية دمجوا كل السلطات التي يفترض فيها الاستقلال والانفصال في السلطة المطلقة للحزب. فالحزب يشرع ويحكم وينفذ, فهو سلطة تشريعية وقضائية وتنفيذية. وهذا هو شكل الحكم الشمولي المطلق بامتياز, اذ لا تقف امامه اي قوة او شرعية اخرى مهما كانت تسميتها. وهو نظام لا يقبل ولا يعرف النقد ولا النصيحة ولا الشورى, التي يدعى بسطها ان لم تكن شورى مدجنة تبارك ولا تخالف ونقدها مدح مشفر. غاب مبدأ فصل السلطات الثلاث خلال السنوات السابقة وفي احسن الاحوال كانت هناك مؤسسات شكلية مقابل تنظيمات ذات سلطات فعلية يمكن لها ان تعطل عمل المؤسسات التي يفترض فيها ان تمثل شرعية الدولة. اذ يمكن اعتقال المواطن خارج القوانين السارية بواسطة جهاز امن (شعبي) او شبه شعبي ليست له اي صلة بجهاز حكومي. واثناء مشكلة اخلاء المنازل اشتكى صحفي موال للسلطة ولكن ذهب الى الضفة الاخرى, من مصادرة صحيفته رغم القرارات التي اعلنها وزير الاعلام قبل ايام فقط. وقد لمح الصحفي بان من قام بهذه المهمة ليست له صلة مباشرة بوزارة الاعلام او الداخلية وهاجم تضارب السلطات والقرارات! وهذه حالة عرفها المواطنون منذ قيام الانقلاب وقد خرج الانقاذيون بنظرية تبريرية لوجود هذه السلطة الموازية للسلطة المعلنة والظاهرة. فقد كان الشيخ الترابي يتحدث عن ذوبان الدولة في المجتمع او كل السلطة للشعب بالمفهوم الليبي اذ تقوم اللجان الشعبية بمهام الدولة المعروفة والمحبذة, وفي الحالة السودانية كان المقصود ان يأخذ عناصر الجبهة الاسلامية القانون في ايديهم وبالفعل قامت مجموعات الامن المنتشرة في مكاتب الحكومة والايحاء بالمراقبة والتبليغ والاعتقال , وعرفنا عددا من التسميات الامنية. والفكرة تبدو في ظاهرها جيدة وهي توزيع السلطة على الشعب وان يكون الشعب هو صاحب السلطة والمصلحة الحقيقية ولكن تم اختصار الشعب او المجتمع الى اقلية ضئيلة تمثل اهل الولاء حتى لو كان ذلك على حساب الكفاءة وعلى حساب التوجه القومي الذي يخدم المصلحة العليا العامة وكانت النتيجة ان الدولة والمجتمع كلاهما تم تذويبهما في الحزب, ولاول مرة طبق الشعار الذي كانت تردده بعض الاحزاب: البلد بلدنا ونحن اسيادها او بالفعل صار هذا هو شعور الحاكمين والذي قبل به المحكومون الذين اخضعوا للقهر والقمع ثم دخلوا مرحلة اللامبالاة واصبحوا متفرجين لحد ما على ماتفعله الجماعة, وكأنهم في مسرح او دار سينما وهم لا يصدقون ان كل شيء اصبح مستباحا في وطن يفترض انهم شركاء فيه على الاقل حسب الوثيقة الرسمية ـ الجنسية ـ التي يحملونها. هذا التماهي او الدمج بين الشأن العام والخاص كان سبب استشراء الفساد بالذات فيما يتعلق بالتصرف في المال العام وتقلد الوظائف العامة التي تم احتكارها تماما. ورغم ان السودان عرف خدمة مدنية راقية ونزيهة كان يفترض الحفاظ عليها وتطويرها الا ان التدهور كان سريعا لان الهجمة كانت عنيفة وكاسحة فقد كان الانقاذيون لايريدون ان تقف امام مشروعهم الحضاري اي عقبات لذلك كان الفصل الجماعي طبقا لما سمي بالصالح العام, كما تم تجميد القوانين واللوائح القائمة تحت ادعاء اسلمة الخدمة المدنية وجهاز الخدمة المدنية رغم مصدره الغربي او البريطاني قد لبى احتياجات هامة من اجل ادارة جيده وكفؤة وفعالة. وهنا سر المعجزة وهي كيف استطاع البريطانيون بعدد قليل من الاداريين حكم هذا البلد الشاسع ومتنوع القبائل والمجموعات ويخجل المرء حين يقول بان حكم القانون كان سائدا تحت سلطة الاستعمار اكثر منه في دولة المشروع الحضاري. فقد كان اي مزارع في قرية نائية يملك الحق في ان يسأل اي شرطي يريد اعتقاله او تفتيش منزله: عندك امر قبض او عندك امر تفتيش! ولكم ان تقارنوا بما يحدث الآن. كشف حادث اخلاء المنازل الحكومية ان المال العام اصبح سائبا او بالاصح غنيمة يتمتع بها المسئولون بدون اي رقابة. وعلى سبيل المثال فان تحصيل الزكاة والضرائب والرسوم لا يخضع الآن لاي ضوابط, وطالما التحصيل خارج الرقابة فمن الطبيعي ان ينطبق ذلك على الصرف والانفاق. ويقال ان هناك جهات لها الحق في جمع الملايين بل المليارات من الجنيهات, وفي نفس الوقت تصرف بلا ضابط ولا توجد ايصالات بل هناك حزم او لفات في ورق الصحف تعطى لمن يطلب او يعتبر محتاجا ويرى بعض المسئولين في هذا التصرف تأصيلا. ففي الماضي كان السلطان يجلس في قصره وحوله الحاشية والرعية ويأمر باعطاء هذا الشاعر خمسين الف دينار, فهذه الصورة التي تبدو هزلية تتكرر في بعض مؤسسات جمع وجباية المال, كما ان الولاة والمحافظين يتبرعون وينفقون المال العام دون الرجوع الى مجالس محلية او لمحاسبين او مراجعين, ورغم ان بعض قرارات ديسمبر الماضي, اوقفت ـ كاوامر ـ تحصيل الرسوم والضرائب في الولايات لانها اثقلت على المواطنين. ولكن لم تتوقف السلطات المحلية عن الجباية لسبب بسيط هو ان المرتبات يتم تغطيتها من هذه الرسوم والضرائب وهنا لابد من المطالبة بعودة الهيبة الى اجهزة المحاسبة والمراجع العام. ويقال ان تمويل حزب المؤتمر الوطني الحاكم يتم من خلال هذه الايرادات, وهذا يصعب اي مهمة تحاول ان تضبط او تراقب او تراجع هذه الاموال. وهذا الخلط بين حكومة الحزب او حزب الحكومة يشل قدرة اي موظف يحترم مهنته وضميره على ان ينفذ القانون واللوائح. وهذا وضع غريب في اي دولة تدعي انها تنتمي الى القرن الحادي والعشرين وان لها مؤسسات حديثة. جاء في الانباء ان الحكومة قررت جمع اجهزة المحمول (موبايل) من عدد من المسئولين والحزبيين, وللقارىء ان يتصور ما يصرف من المال العام على هذه الاجهزة من اجل رفاهية وراحة البطانة الرسمية. ويتم هذا الصرف للمفارقة في بلد يشكو مواطنوه من عدم توفر ادوية الملاريا والسكر وضغط الدم واحيانا انعدام الاوكسجين بل الشاش في المستشفيات. وتوزع هذه الاجهزة خصما على حساب توزيع مدخلات الانتاج في المشروعات الزراعية ولا نريد ان نقول على حساب مجانية التعليم ولا يقف الامر عند اجهزة الهاتف المحمول بل يمتلك المسئولون من درجات وظيفية معينة اكثر من ثلاث عربات بينها بالضرورة لاندكروزر لان اغلب المسئولين قرويون من الاقاليم ولابد ان يزوروا قراهم في المناسبات الاجتماعية والدينية ويضاف لذلك كمية الوقود التي تصرف على هذه الاساطيل. وان كانت هذه ليست مشكلة لان البترول المكتشف حديثا سيجد مجالات طيبة يصرف فيها ولن يخضع لتقلبات السوق العالمية. هذه نماذج محدودة لهدر المال العام وكيف نتعامل مع اموال الشعب وكأنها ريع مخصص لفئة معينة مقابل انها رضيت ان تحكم السودان! وكأننا نعوض هذه النخبة عن امتيازات تنازلت عنها في اماكن اخرى وقبلت بان تحكم السودان وتعمل في بلدها وبالفعل سمعت ـ ولست متأكدا ـ ان البعض طالب بان يمنح نفس المرتب والامتيازات التي يتقاضاها في بلد المهجر عندما كان مغتربا واستدعي ليعمل في دولة المشروع الحضاري واخيرا لابد ان تعاد للمال العام حرمته باعتباره ملكية عامة للشعب السوداني ولابد ان ينفق في مصارف المنفعة العامة من اجل التنمية ومحاربة الفقر والتخلف, واعتقد ان الحكومة الحالية مطالبة اكثر من غيرها بمراجعة سياسات التعامل مع المال العام وذلك بسبب شعاراتها الدينية والتطهيرية التي ترفعها: في شأن الله فنحن لا نطالب حكامنا بالزهد والتقشف, فقد ينبري متحذلق ليقول بان الله امرنا بالا ننسى نصيبنا من الدنيا, هذا صحيح ولا توجد رهبانية في الاسلام. ولكن للشعب السوداني الفقير ايضا نصيبه من الدنيا والاهم من ذلك ان يكون نصيب الاخوة المسئولين خالي من اي شوائب تقلق الضمير. بقلم: د. حيدر ابراهيم علي