العودة الى حضن الوطن أمنية يسعى لها كل مهاجر بعد حياة اغتراب يصوب فيها المغترب كل سهامه وأهدافه لأن يحقق لاحقا استقرارا نفسيا واجتماعيا وماديا داخل بلده. لكن ورقة (آفاق استيعاب الهجرة العائدة) رأت ان ذلك الأمر يرتطم مع الحياة الاقتصادية وظروفها وفصلت الورقة التي جاءت ضمن الاوراق المقدمة في مؤتمر المغتربين الرابع المدافعة بين الحياة الاقتصادية والظروف, بالقول (بينما تدفع الاولى بالمغترب الى داخل وطنه تدفع به الثانية الى خارج وطنه) . ورسمت فاصلة العراك الناجم بين المسألتين بأن الثانية, وهي الظروف, تنتصر مع اعمال الصراع, ولكن انتصارها الى حين, يشعر فيه الانسان والأسرة والزوجة انه رغم توفر الحياة المادية وزخمها, الا ان ذلك الجانب الدفين المفقود يدق بعنف على نفس المغترب وأسرته فيقول لا شيء يعادل الوطن. ورأت الورقة ان أعدادا لا يستهان به من العائدين تداعت بصورة طوعية في سنوات الانقاذ الاولى بقيت دون ان يستفاد منها ومنهم من يحمل خبرات نادرة يعتد بها, بيد ان الورقة ردت الأمر الى غياب السجل الوافي بالمغتربين وتخصصاتهم وخبراتهم وامكاناتهم, وشددت بذلك على الجهد لاستكمال هذا السجل المعلوماتي وفي اعتبارها ان كما هاما من الموارد البشرية والمالية والعلمية سوف يظل مهدرا وضائعا.. وان ذلك يعني خسارة مزدوجة للسودان تتمثل في خسارة التدريب والتأهيل العلمي وكلفتها ثم خسارة في عدم الاستفادة من الخبرات بعد تكوينها. وأشارت الورقة الى ان الاحداث العالمية والتطورات الاقتصادية التي تمر بها البلاد جعلت كثيرا من المتفائلين ينظرون الى ان اتجاهات الهجرة ستكون بالاتجاه المعاكس واستندت على ان التقرير الاستراتيجي السوداني عام 97 أوضح ان اتجاه الهجرة بعد عام 1990 كان يميل نحو الانخفاض وانه بدأت بالفعل رحلة العودة لكثير من المهاجرين وذلك بسبب حرب الخليج والآثار السالبة التي تركتها على اقتصاديات دول الخليج وان الاتجاهات سارت في هذا الاتجاه حتى عام 1995 الى ان جاء عام 1996 فانقلب الاتجاه وزادت معدلات الهجرة الى الخارج مرة اخرى فاقت تلك التي كانت سائدة عام 1990, وربطت هجرة العائدين لبلادهم بسببين احدهما داخلي والآخر خارجي بجانب المغريات التي يمكن ان تبرز في الداخل المتمثلة في عناصر جذب تشمل الحاجة المتزايدة الى أساتذة الجامعات وأصحاب التخصصات النادرة والحاجة المتزايدة لرجال التسويق والترويج وعنصر مهم جدا رأته الورقة متمثلا في دخول البلاد عصر انتاج وتصدير البترول وما ينبىء عن احتمالات كبيرة لاستثمارات صناعية في مجالات صناعة البتروكيماويات الى جانب استشراف صناعات جديدة متمثلة في صناعة السيارات والصناعات الثقيلة اضافة الى الاهتمام المتزايد بالصادرات وتهيئة المناخ المناسب لها. وتتلمس الورقة حجم مشكلة السودان فيما يتعلق بالتنمية حيث توضح انه في الوقت الذي يعمل السودان جاهدا للحاق بركب التقانة الحديثة ويعمل على تنفيذ المشروعات الكبيرة استعدادا لدخول الألفية الثالثة نجده يعاني من نقص في بعض الكفاءات تقابلها زيادة في عدد السكان. وخلصت الى ان العجز الماثل في القيادات الادارية والفنية والنقص في الكفاءات والعمال المهرة يمثلان مشكلة لابد من التصدي لها, لكنها ـ أي الورقة ـ ترى ان هذا النوع من العمالة يتوفر قدر كبير منها في أوساط السودانيين العاملين بالخارج. وأوردت احصائية تعكس ذلك حسب المهن اذ تشير تلك الاحصائية الى ان اعداد المغتربين بلغت عام 99 في مجملها 201993 منم 3215 مهندسا و2234 طبيبا و371 من القانونيين. وبلغ عدد العمال 159460 عاملا و10090 معلما و656 من أساتذة الجامعات و620 من الصيادلة و20333 موظفا و115 من رجال الأعمال الى جانب 4899 تمثل وظائف اخرى. ولم تغفل الورقة العناصر الخارجية التي تدفع باتجاه عودة المهاجرين للبلاد وأجملتها في تدهور هياكل الأجور والامتيازات في منطقة الخليج ووصول ابناء المغتربين الى سن الدراسات الجامعية وبخاصة للبنات مما يتطلب العودة للوطن والصعوبات التي تواجههم في دول المهجر وإحلال العمالة المهاجرة بعمالة وطنية في غالبية دول المهجر. بيد ان الورقة اوضحت ان الحاجة ستظل متزايدة بصورة كبيرة لمن له مواصفات خاصة وانتاج متميز وأشارت الى انه لن يكون بأي حال من الأحوال الاعتماد على الكم البشري المهاجر. وأمنت على ان تبني الاحتياجات ينبغي ان يكون على نسق يتمثل في الخبرة العالية ونوعية التجارب المكتسبة التي تتلاءم مع السودان وكفاءة التعامل مع الأجهزة والمعدات المتطورة في حقول العمل المتنوعة المتجددة, والقدرة على التعامل مع الأنظمة الادارية الحديثة والمتطورة مع نوعية المشروعات المتلائمة والمتشابهة, والثقة بالنفس في القدرات والامكانات المكتسبة والاستعداد والحماس لنقل هذه التجارب الى السودان وكيفية الاستفادة من هذه القدرات. ونبهت الورقة الى انه للاستفادة من المهاجرين في فترات العطلات المختلفة ترى لزاما الاهتمام برصد نوعية الكفاءات التي ترغب في الاستفادة من نقل التجارب الى السودان في زمن الاجازات ورصد تواريخ العودة ومعرفة المواقع التي يود الراغبون تقديم خبراتهم وخدماتهم فيها, ولابد من موازنة هذا الأسلوب مع العاملين الذين يملكون الخبرات وما زالوا متمسكين بالبقاء داخل الوطن حتى لا تحدث انتكاسات جديدة الى جانب التنسيق مع الوحدات التي سوف تستفيد منهم في الحصول على موافقتها على الاستفادة منهم بالصورة المثلى. أما بالنسبة للمهاجرين الذين يودون العودة بصورة نهائية فإن الورقة ترى وجوب الاهتمام برصد القدرات والمقدرات للمهاجر العائد بصورة نهائية وتصنيفه في قائمة الخبراء والاخصائيين أو الفنيين وتلمس رغباتهم في العمل بما يحقق التحاقهم سواء في القطاع العام أو الخاص والمدن التي لا يودون العمل بها, ونوعية الفائدة المتوقعة وحجمها ومواقعها ودراسة الظروف البيئية المحيطة من حيث المؤسسات أو الشركات والعاملين والوقوف على خبراتهم وزمانهم الذي مكثوه وقدرتهم على العطاء والتوازن المطلوب تحقيقه اضافة الى محددات السداد للفروقات بين الأجور السائدة والامتيازات المطلوبة حتى لا تربك العمل. باعتبار التعامل مع العائدين يشكل نوعا جديدا من الاستفادة من خبرات لهذا البلد بصورة فاعلة وحتى لا يصاب العائدون بخيبة أمل من مماطلة أو تسويف في الاستفادة منهم ترى الورقة ضرورة تشكيل آلية تحت مسمى (توظيف المهاجرين العائدين) تهدف لبناء قاعدة معلومات تساعد في التعرف على المهاجرين وقدراتهم ومقدراتهم اللازمة لدفع عجلة التنمية في البلاد وخلق علاقات قوية مع الجهات المستفيدة من المهاجرين وتنظيم اوقات الحاجة اليهم أو مواقع الاستفادة منهم وسرعة التعاقد معهم وغيرها من الأهداف التي تخلق افضل مناخ لاستيعاب القدرات العائدة. وتختص الآلية التي رأت الورقة تشكيلها اجهزة معاونة في بلاد المهجر وجهاز اداري فاعل للتنسيق بين الجهات ذات الصلة في عودة المهاجرين تحت اشراف جهاز تنظيم السودانيين العاملين بالخارج وتوفير امكانات مادية تمكنها من اداء واجبها بصورة متكاملة تختص بجمع المعلومات عن المهاجرين ومؤهلاتهم ورغباتهم في العمل سواء في المدن أو الأرياف وجمع المعلومات المطلوبة عن الشركات والمؤسسات واحتياجاتها من أنواع العمالة المطلوبة والزمن اللازم لها ومتابعة الجهات المطالبة في استكمال عملية الالتحاق للمهاجر بالوظيفة والحصول على المعلومات اللازمة من جهات الاختصاص داخل وخارج البلاد بالصورة السليمة وبناء كادر مقتدر للقيام بالمهام الموكولة للآلية دون اسراف. ونشير الى ان توصيات المؤتمر الرابع نصت على انشاء صندوق لدعم العودة النهائية يتم تمويله من عائد الضرائب والرسوم. والورقة اذ تقترح هذه الآلية تدعم المغتربين الى تقليب الاداء وبما يدفع بالمجهودات في اتجاه التنمية والتقدم.. وتشير (البيان) الى ان وزارة الطاقة والتعدين في سبيل (سودنة) مصفاة الخرطوم التي تم افتتاحها نهاية يونيو الماضي استعانت بخبرات وقدرات العاملين بالخارج لأن ثلثي العمالة بالمصفاة من الأجانب. ولعل الوزارة بذلك تفتح الطريق ليكون سالكا أمام خبرات متعددة متجددة, الوطن في أمس الحاجة اليها.. وللأوطان في دم كل حر يد سلفت ودين مستحق.