لا يقدم المتحدثون في المؤتمرات الزراعية عادة خطبا لاذعة شديدة اللهجة. فهم يتقنون توزيع السماد أكثر من اصدار البيانات. ولكن في وقت سابق من الشهر الماضي وفي المنتدى الذي عقد حول العولمة والزراعة العائلية والديمقراطية . في ولاية حزام الحبوب البرازيلية الجنوبية يريو جراند دوسول, فإن لغة الخطابة جاءت منسجمة مع الواقع. فقد صرح خوسيه هيرميتو هوفمان, وزير الزراعة قائلا: (لا يمكننا أن نكون أهدافا لنفايات الطعام في العالم!. ويتعين على الناس أن ينزلوا إلى الشوارع!) . وفي الواقع انهم قد فعلوا ذلك حقا, جاعلين البرازيل ساحة المعركة الأحدث والأعلى صوتا في صراع غذائي عالمي محتدم. وتعتبر البرازيل مصدرا للثروة الزراعية والمنتج الثاني عالميا لفول الصويا بعد الولايات المتحدة. ولكن بخلاف منافسيها, فإن البرازيل تحظر حاليا الزراعة التجارية للمحاصيل المعدلة وراثيا. وهذا الحظر أثلج صدور جماعات مثل السلام الأخضر, الذين يناضلون لجعل هذا الحظر دائما ولمنع دخول الواردات من الأغذية المعدلة وراثيا أيضا. كما ان هذا الحظر يلائم حكومة ولاية ريو جراندي دوسول اليسارية التي تجني مكافأة سياسية من خلال تأييد صغار المزارعين. لكن المزارعين الكبار, الذين ينتجون 70% من فول الصويا يبدون عنادا في هذا الأمر. بعضهم يقوم بتهريب بذور معدلة وراثيا من الأرجنتين متسببا بوقوع مواجهات مع الشرطة. وكانت المحاصيل المعدلة وراثيا قد أثارت احتجاجات في أوروبا ومطالبات بتصنيفها في الولايات المتحدة, ولكن في البرازيل, فإن الجانبين أكثر استقطابا. أي من الجانبين يترك البرازيليين جالسين تحت وابل من النيران. هل تشكل المحاصيل مخاطر بيئية وصحية كما تزعم جماعة السلام الأخضر؟ أم انها آمنة كما يؤكد الكثير من العلماء والعديد من الهيئات الأمريكية؟ إن أكثر من ثلث انتاج البرازيل من فول الصويا يتم تصديره, فهل سيكون فول الصويا المعدل وراثيا من الصعب بيعه في أوروبا, أم ان كبار المزارعين يعرفون الأمور أفضل من غيرهم؟ وحتى الآن, لا يزال البرازيليون يأكلون بنهم منتجات مستوردة غنية بمكوناتها المعدلة وراثيا مثل نقانق فينا وبرنجلز, بدلا من مقاطعتها. لكن القضية تزداد سخونة. فالمعارضون يعرضون قضيتهم في الصحافة والمجلس التشريعي والمحاكم, وهناك قاض حظر زراعة بذور المحاصيل المعدلة وراثيا حتى يتم تقييم المخاطر. وتذهب مجموعة أجريبيزنس إلى القول بأن المحاصيل المعدلة لمقاومة الأمراض والحشرات تعتبر نعمة لكوكبنا بما فيه البرازيل. ويقول ادموندو كلوتز, رئيس الاتحاد البرازيلي لمنتجي الأغذية: (لدينا بلد يحتاج إلى تطوير) . وحول هذه النقطة الأخيرة, فإن البرازيل لا تحتاج إلى اقناع. ففي وقت سابق من الشهر الماضي, أعلن ستة أعضاء في مجلس الوزراء عن دعمهم للمحاصيل المعدلة وراثيا. ثم تلتهم الأكاديمية الوطنية للعلوم في البرازيل, التي قامت يوم الحادي عشر من يوليو الماضي بالانضمام لعلماء من أنحاء العالم في تأييدهم للزراعة ذات التقنية الحيوية. ومن الطبيعي, فإن شركات البذور أيضا تعارض الحظر. وتود شركتا مونسانتو ونوفاريتس, اللتان ضعفتا بالفعل الاحتجاجات في أوروبا, أن يتم اضافة حقول البرازيل الشاسعة إلى المئة مليون فدان المزروعة بمحاصيل معدلة وراثيا لهم في كل من الولايات المتحدة وكندا والأرجنتين. ووفقا لأحد التقديرات, فإن الحظر يكلف شركة مونسانتو 155 مليون دولار سنويا على شكل مبيعات ضائعة. لكن الحركة المناهضة للمحاصيل المعدلة وراثيا تواصل نموها. وقد نجحت جماعة السلام الأخضر وحلفاؤها مؤخرا, في وقف - أو على الأقل تأخير - قيام ست سفن بتفريغ حمولتها من الواردات المعدلة وراثيا في الموانئ البرازيلية. المزارعون لا يتراجعون عن مواقفهم أيضا. ففي العام الماضي, قاموا بزراعة ما بين 8-30% من محصول فول الصويا البرازيلي ببذور معدلة وراثيا تم تهريبها من الأرجنتين - ومعظمها في ولاية ريو جراندي دو سول. وفي العام الماضي, قام أوليفيو دوترا, حاكم الولاية وزعيم حزب العمال, بارسال مفتشي مزارع في مهمات للتفتيش عن المحاصيل المعدلة وراثيا وتدميرها. وقد وصلت التوترات إلى ذروتها في ديسمبر الماضي, عندما تحلق العشرات من المزارعين بشاحناتهم لحماية محصول غير مشروع لفول الصويا. وقد استغرق الأمر 16 ساعة من المفاوضات وتتطلب قدوم شرطة الولاية لوضع حد للنزاع. لكن المزارعين المتمردين لم يرتدعوا. ويقول جنتيل ريزاتي خلال وقوفه على سطح تلة تطل على مزرعته البالغ مساحتها 200 هكتار, والتي يأمل بأن يزرعها قريبا ببذور فول الصويا المعدلة وراثيا (ان على الحكومة أن توقف الحظر. وإلا فإن الناس سيأخذون الأمور بأيديهم) . ويصر المزارعون على ان محاصيل فول الصويا المعدلة وراثيا تعتبر مفيدة بيئيا لانها لا تتطلب حراثة ثقيلة أو جرعات ثقيلة من المبيدات الحشرية. وتأمل شركة مونسانتو, التي تحول دفاعها الشديد عن المحاصيل المعدلة وراثيا في أوروبا إلى انهيار برلماني - تأمل بأن تستجيب البرازيل بصورة مختلفة. ويقول المسئولون التنفيذيون في الشركة انهم ما زالوا واثقين من انه حالما تجري الدراسات على التأثير الصحي والبيئي, فإن البرازيليين سيرفعون الحظر المفروض على الزراعة, التقنية الحيوية. وقد يحدث هذا, ولكن ليس قبل أن تدرس المحاكم بتمعن الانذارات القضائية المقدمة من المناهضين للمحاصيل المعدلة وراثيا. ويقول جاري بارتون, المتحدث باسم شركة مونسانتو: (أعتقد ان رسالتنا لا تصل إلى أصحابها) . وحتى الآن, قد يكون هذا هو أقرب شيء إلى موقف جماعي في بلاد البرازيل التي تخوض معركة المزارع.