الاستراتيجيات المستقبلية لتنمية الموارد المائية ، الحلقة السابعة عشرة

النهضة التنموية في مجلس التعاون أثرت سلباً على المياه الجوفية ، الخلل بين الحاجات المائية الخليجية للزراعة والموارد المتاحة يتفاقم سنوياً تقع دول مجلس التعاون الخليجي في منطقة من أقل مناطق العالم أمطارا وأكثرها جفافا وارتفاعا في درجات الحرارة, ومن ثم تنعدم فيها المياه السطحية العذبة باستثناء بعض الجداول في مناطق المرتفعات في المملكة العربية السعودية وسلطنة عمان, وبصفة عامة تعتبر المياه العذبة من أندر الموارد الطبيعية في منطقة الخليج, وتتكون المصادر المائية للمياه العذبة في منطقة الخليج كما أشرنا سلفا من المياه الجوفية ومياه الأمطار التي يمكن استخدامها لأغراض الشرب والزراعة والصناعة والتي تتجمع لتغذية الأفلاج أو يتم تخزينها في السدود المتعددة التي أقامتها الدول الخليجية خاصة المملكة العربية السعودية وعمان ودولة الامارات العربية المتحدة, اضافة إلى تحلية المياه المالحة من مياه البحار, ومياه المجاري المعالجة في المدن الرئيسية وتستخدم لري الحدائق وبعض أنواع المزروعات. ومع اتساع خطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها دول المنطقة فلقد أسهمت مياه التحلية بصورة كبيرة في توفير احتياجات الاستخدامات المنزلية والصناعية من المياه العذبة, ومع ذلك تبقى المياه الجوفية في دولة مجلس التعاون ذات أهمية كبيرة ليتم استخدامها بشكل رئيسي في الزراعة وبعض الصناعات والاستخدامات المنزلية وبعد خلطها بالمياه المحلاة, وتعتبر المصدر الرئيسي الوحيد للمياه العذبة في المناطق الريفية, وتنتشر المياه الجوفية السطحية في كل دول المجلس وتعتمد على الأمطار القليلة التي تسقط في الشتاء. وتتجمع هذه المياه في التكوينات الرسوبية الضحلة لذا فإن كمياتها ليست وفيرة وهي أكثر أنواع المياه الجوفية قابلية للنفاد والتلوث, أما المياه الجوفية العميقة فهي تتكون أساسا من مياه الأمطار التي تتسرب إلى باطن الأرض وتغذي مخزون الطبقات الحاملة للمياه المكونة من الصخور الجيرية, مما يجعلها تخزن كميات هائلة من المياه كما انه يمتد فوقها طبقات من تكوينات صخرية صماء لا تسمح بنفاد الماء المختزن إلى أعلى أو إلى أسفل. والجدير بالذكر ان طبقات التكوينات الجيرية الابوسينية الحاملة للماء هذه تمتد تحت سطح الأرض في شكل حوض ارتوازي, وتعرف هذه الطبقات بأسماء مختلفة هي الأسماء الجيولوجية التي تطلق على التكوينات التي تتألف منها وهي طبقة أعلاه وطبقة حيز وطبقة أم الرضمة, وتمثل هذه التكوينات المصدر الرئيسي للمياه الجوفية في دول مجلس التعاون الخليجي. أدت النهضة العمرانية في دولة المجلس الست وبرامج تنميتها الطموحة إلى تصاعد استخراج أو استغلال المياه الجوفية بمعدل يفوق معدلات تجديد وتغذية واعادة تخزين المياه الجوفية مما يشكل خطرا على توازن المياه الجوفية ويهدد نوعيتها وكميتها, وأسهم تدهور الغطاء النباتي واستئصال الحراج, والرعي الكثيف وضعف الجهود لبناء المدرجات والسدود إلى انخفاض نسبة تجديد المياه الجوفية, كما ترتب على هذه المعدلات العالية من الضخ وعشوائية حفر الآبار وغياب التشريعات والارشادات الواجب اتباعها بهذا الخصوص إلى تناقص حجم وضغط المياه الجوفية, مما أدى إلى زيادة مخاطر الاشراب الملحي للمياه الجوفية, وتغيير نوعيتها وبالتالي عدم صلاحيتها للاستخدام الصحي في الأغراض المختلفة. ولا تتوفر حتى الآن بيانات دقيقة عن معدلات ضخ واستخدام وتجديد المياه الجوفية في دول مجلس التعاون الخليجي, إلا ان بعض المعلومات المتوفرة تشير بما لا يدع مجالا للشك بازدياد معدلات الضخ عن التجديد. وتبنت دول المجلس الهدف الغذائي الذي يؤكد ان الأمن الغذائي يمثل الأساس لمقومات الريادة على الصعيد الوطني والقطري, وخاصة في ظل انتاج المواد الغذائية والذي أصبح يمثل انتاجا اقتصاديا سياسيا, وانه يجب أن يولى مزيدا من العناية والتركيز في توجيهات العمل الخليجي المشترك, وكذلك اعطاء الانتاج الزراعي ما يتناسب وأهميته المتزايدة للنهوض بهذا القطاع والوصول إلى نوع من الاكتفاء الذاتي لسد حاجة السكان المستمرة في النمو وعدم الاعتماد كليا على الاستيراد الذي أصبح يتزايد بنسبة عالية خلال السنوات الأخيرة وخاصة بالنسبة للمواد الغذائية, حيث ارتفعت هذه الواردات من الأغذية لتصل إلى حوالي 6.5 مليارات دولار في عام 1995. وتبلغ حصة السعودية حوالي 2.717 مليار دولار بنسبة 41.2% من اجمالي الواردات الخليجية, تليها دولة الامارات العربية حوالي 1.818 مليار دولار وبنسبة 27.6% الكويت حوالي 0.993 مليار دولار وبنسبة 15% ثم عمان حوالي 0.503 مليار دولار وبنسبة 7.6% ثم البحرين حوالي 0.296 مليار دولار وبنسبة 4.5% وقطر حوالي 0.254 مليار دولار وبنسبة 3.8% من اجمالي الواردات الخليجية. هذا في حين لا تتجاوز الصادرات الزراعية لدول مجلس التعاون الست مجتمعة 0.577 مليار دولار تمثل منهم السعودية 0.368 مليار دولار وبنسبة 13.7% من جملة الصادرات للدول الست, وتصبح نسبة مجمل الصادرات إلى مجمل الواردات لا تتعدى 8.76% فقط مما يؤكد عدم الوفاء بسد الاحتياجات الغذائية حتى لو تم تصدير كل الصادرات الخليجية إلى دول الخليج نفسها. وقطعت دول المجلس شوطا طويلا في مجالات التعاون المتعددة بين دول المجلس عدا المجال الزراعي والمياه. وأود أن أنوه هنا انه لا يمكن الفصل بين مجالات التعاون في المياه والزراعة لذا فإن بحث أي منهما بمعزل عن الآخر سوف تعود إلى دلالات غير صحيحة خاصة وان دول المجلس وتحت هذا المنهج التعاوني بعد انشاء المجلس مباشرة وفي أوائل الثمانينيات ومنذ العام 1983 أي بعد مرور سنتين فقط من انشائه حيث عقد وزراء الزراعة بدول المجلس الاجتماع الأول لهم في العاشر من يناير 1983 وسبقه اجتماع تحضيري لوكلاء وزارة الزراعة لهذه الدول تم خلاله مناقشة ورقة العمل الرئيسية التي قدمتها الأمانة العامة والمشتملة على تصدر لوقائع الزراعة بدول المجلس والنظرة المستقبلية له. وتبنى الوزراء العديد من التوصيات والتصورات التي من شأنها النهوض بهذا القطاع والوصول إلى نوع من الاكتفاء الذاتي وتحقيق التكامل الزراعي بين دول المجلس وفق استراتيجية موحدة تعتمد على الاستخدام الأقل للموارد المائية المتاحة وتوفير الأمن الغذائي من مصادر وطنية, وكان من أهم القرارات والتوصيات المتخذة في المجلس اعداد سياسة زراعية لدول المجلس, والعديد من الدراسات الاقتصادية لانشاء بعض المشروعات الحيوية. ويرى الباحث انه على الرغم من مرور أكثر من ثلاث عشرة سنة على اقرار السياسة الزراعية المشتركة لدول مجلس التعاون فإن الأهداف التي كانت مرجوة من الاتفاقية لم تتحقق بعد وبالصورة الكاملة حيث كما ذكرنا سلفا فإن الواردات الزراعية لدول المجلس قد ارتفعت في العام 1995 لتصل إلى حوالي 6.5 مليارات دولار في حين لم يتجاوز صادرات تلك الدول حولي 577 مليون دولار في نفس العام حيث تواجه التنمية الزراعية في دول المجلس مشاكل عديدة طبيعية وبشرية, وتتمثل المشاكل الطبيعية في المناخ والأراضي الزراعية وخصوبتها وندرة المياه. وقد وقعت ثماني عشرة اتفاقية في مجالات الزراعة والمياه والبيئة بين دول مجلس التعاون الخليجي ومن خلال آلياته المتعددة بين عامي 1984 و1993, وتقويما لهذه الاتفاقية فقد مثلت نسبة 18.75% من اجمالي الاتفاقيات الموقعة بين دول المجلس وخلال الأعوام نفسها وبالبحث التطبيقي لهذه الاتفاقيات فإنها لم تشتمل إلا على اتفاقيتين ملزمتين فقط, من اجمالي الاتفاقيات الملزمة التي وقعتها دول المجلس والبالغ عددها 35 اتفاقية الزامية وبنسبة 5.71% فقط من الاتفاقيات الملزمة. وفيما يتعلق بموضوع المياه وقعت خمس اتفاقيات كلها استرشادية الأولى منها هي اللائحة الارشادية لتحلية المياه المالحة بالطرق الحرارية, والثانية اللائحة الاسترشادية لتمديدات المياه للمباني والتمديدات الداخلية, والثالثة اللائحة الاسترشادية للمحطات التجارية, والرابعة اللائحة الاسترشادية لنقل المياه, والخامسة المواصفات القياسية لمياه الشرب في الشبكات. وللتعرف على انتاج المياه لدول المجلس واستهلاكها بين عامي 1990, 1994 فإن دول المجلس قد انتجت حوالي 397.8 مليار جالون في العام 1990 في حين زاد استهلاكها إلى 444.5 مليار جالون وبنسبة 111% من الانتاج وبما يعني سحبا زائدا من مصادر أخرى وهي المياه الجوفية, وانتجت دول المجلس في عام 1994 حوالي 493 مليار جالون وبنسبة زيادة 4.8% سنويا وهي تفوق نسبة الزيادة في عدد السكان. أما بالنظر إلى الاستهلاك في نفس العام 1994, فنجد انه وصل إلى 472 مليار جالون وبمقارنة هذا الاستهلاك مع استهلاك المياه في عام 1990 وبالمقارنة مع عدد السكان فسنجد ان نصيب الفرد في دول المجلس كان في عام 1990 حوالي 221 جالون سنويا. وفي عام 1994 بلغ 189 جالون سنويا, وبما يعني انخفاض نصيب الفرد من المياه في دول المجلس في العام 1994 عن العام 1990, وبما يعني استهلاكا زائدا للفرد على الرغم من ارتفاع النسبة العامة في الانتاج بنسبة 4.8%. ويقدر المقرن عبداللطيف تطور استهلاك المياه للأغراض الزراعية في دول المجلس بما مقداره 7.2 اضعاف حيث كانت احتياجات الدول الست للزراعة لا تتجاوز 3130 مليون م3 في العام 1980 فيما تحتاج إلى 2285 مليون م3 لعام 2000 وبما يعني ان هناك خللا قائما بين الموارد المتاحة فعلا والاحتياجات المائية لدول المجلس وان هذا الخلل يتفاقم عاما بعد عام دون وجود تنسيق بين دول المجلس في استغلال الموارد, كذا ضعف التشريعات الخاصة بالمياه الجوفية في دول المجلس عدا دولتي قطر والبحرين. يمثل التطور في الانتاج الزراعي لدول المجلس مدى وفاء هذا الانتاج بمتطلبات هذه الدول من جهة, ويمثل من جهة ثانية المدى الذي يمكن من خلاله الاعتماد على هذا الانتاج لتحقيق الكفاية الذاتية الغذائية لدول المجلس, وبالاضافة إلى ان نسبة الأراضي المزروعة إلى نسبة الأراضي الصالحة ما زالت أقل من المستويات في دول الجوار يعززها عدم وجود المياه اللازمة لزراعتها كذا قلة الأيدي العاملة في الزراعة عدا سلطنة عمان التي ما زالت تحتفظ بنسبة عالية من السكان تعمل في الزراعة نظرا لقلة البترول وقلة الصناعات التحويلية من جهة أخرى حيث ما زالت قوة العمل العاملة في الزراعة في عمان في عام 1990 تمثل حوال 48% من اجمالي قوة العمل, في حين تمثل أعلى نسبة بعد ذلك في السعودية وهي 20% وتمثل هذه النسبة في الامارات 7% فقط كما لا تتجاوز 1% في باقي دول المجلس. ولقد تطور الانتاج الزراعي في دول المجلس بين عامي 1990, 1994 فوصل انتاج دول المجلس من الحبوب والدرنات والفواكه والخضروات حوالي 10715 ألف طن عام 1994 وبزيادة تقدر بـ 12.8% عن العام 1990 الذي كان انتاجه 8322 ألف طن, في حين ارتفع انتاج اللحوم الحمراء بما لا يتجاوز 2.7% فقط بين نفس الأعوام حتى أصبح 371 ألف طن بعد أن كان 361 ألف طن, وارتفع انتاج الدواجن ليصل إلى 35.9% حيث أصبح 638 ألف طن بدلا من 469 ألف طن, وانتاج الأسماك والألبان إلى 17.8% حيث أصبح 330 ألف طن بدلا من 280 ألف طن للأسماك, وأصبح 600 ألف بدلا من 509 آلاف طن للألبان, في حين ارتفع انتاج البيض بما لا يتجاوز 11.9% بحيث أصبح 2888 مليون بيضة بدلا من 2579 بيضة بين نفس الأعوام. ارتفعت مساحة الأراضي الزراعية في دول المجلس بين عامي 1990 و1994 بنسبة 11% حيث أصبحت اجمالي الأراضي المزروعة في عام 1994 حوالي 16370 ألف هكتار بالمقارنة بحوالي 14708 آلاف هكتار في عام 1994. وبمقارنة الزيادة في مساحة الأراضي مع الزيادة في الانتاج الزراعي نجد ان الانتاج الزراعي قد جاوز هذه الزيادة في انتاج الحبوب والدرنات والفواكه والخضروات, مما يؤكد ان هناك عناية ملحوظة بالزراعة انعكست على الانتاج الزراعي وفاقت بذلك معدلات الزيادة في الرقعة الزراعية والتي لم تتجاوز 11% خلال الفترة بين عامي 1990, 1994. إلا انه ببحث تطور الانتاج الزراعي لكل دولة من دول المجلس على حده وخلال نفس الأعوام فسنجد ان هناك اختلافات كبيرة بين الدول وسنركز فقط على انتاج الحبوب والدرنات والفواكه والخضروات, فسنجد ان الانتاج في السعودية ارتفع بين عامي 1990 و1994 بنسبة 28.3%. وفي الامارات بنسبة 95.4% وفي البحرين بنسبة 15.6% وفي عمان بنسبة 26.1% وفي قطر 93.5% وفي الكويت انخفض بنسبة 64%. وببحث انتاجية الأراضي في كل دولة في العام 1994 بالمقارنة مع المساحة فسنجد انها تختلف نفس الاختلافات فيمثل الانتاج في السعودية بالمقارنة مع المساحة معامل 0.058 وفي الامارات 1.56 وفي البحرين 0.91 وفي عمان 0.68 وفي قطر 0.71 وفي الكويت 1.75 وبما يعني ان الدولة التي استفادت افادة كبيرة من الانتاج الزراعي بالمقارنة مع مساحة الأراضي المزروعة هي الكويت والامارات, وان هناك دولا ما زال انتاجها لا يتناسب مع زيادة مساحة الأراضي الزراعية وأهمها السعودية حيث لم يتجاوز معاملها 0.058 وهي الدولة التي تمثل نسبة الأراضي الزراعية فيها بالمقارنة مع كل دول المجلس حوالي 99.17% من اجمالي هذه الأراضي وبما يعني عدم تناسب الانتاج مع المساحات الزراعية وبما يشكل ثقلا على الموارد المائية في المستقبل المنظور. وتستهلك دول المجلس حوالي 17002 مليون م3 لري الأراضي الزراعية في العام 1990 والتي كانت مجمل هذه الأراضي حوالي 14708 آلاف هكتار وبما يعني ان الألف هكتار تستهلك حوالي 1.15 مليون م3 اجمالا, أما في حالة بحثها تفصيلا لكل دولة من دول المجلس على حده فسنجد انها تساوي في السعودية حوالي 1 مليون م3 لكل ألف هكتار, في حين يبلغ هذا الاستهلاك في الكويت كما في السعودية, وتتزايد الاستهلاكات المائية لكل ألف هكتار ما بين 1.91 مليون م3 في قطر و1.98 مليون م3 في عمان و2.24 مليون في الامارات, وأعلاها في البحرين 3.76 ملايين م3 لكل ألف هكتار, ومن المنتظر زيادة الطلب على استهلاك المياه للأغراض الزراعية ارتباطا بالتوسع الزراعي في دول المجلس.

تعليقات

تعليقات