تمتلىء شوارع العاصمة باطفال ـ اولاد ـ فوق العشر يقودون سيارات آخر موديل بعضها لابائهم والبعض الآخر للدولة, يمرحون بها بطيش جنوني, يستفزون رجال المرور يثيرون غضب واستنكار المارة و (زملائهم) السائقين الكبار, يضربون بالقانون عرض الحائط فهم ابناء الذوات عيال الاكابر .. اطفال يسوقون سيارات آخر موضة على انغام موسيقى آخر صيحة (سنداح انداح ابوه الولد طالع لابوه) دون اكتراث بأرواح المارة وممتلكاتهم, فكل شيء بثمنه ما دام اباؤهم قادرين على الدفع و(كاش) . (البيان) تابعت خطوط هذا السلوك الشاذ الجديد على المجتمع لمعرفة اسبابه وتبعاته الخطرة على الاخلاق والتربية والفاضلة. انهيار القيم سواقة الاطفال فوق العشر للسيارات من المظاهر المزعجة والخطرة المألوفة في العاصمة صنعاء, يقف قانون المرور والجهات المعنية موقف المتفرج (محلك سر) , كون هؤلاء الاولاد العيال ليسوا مثل بقية ابناء العامة القابعين تحت رحمة الجرع الاقتصادية المتلاحقة والقوانين والانظمة, بل انهم ابناء الاغنياء والمسئولين الكبار والمشائخ المتنفذين (عيلة) القوم وقدوة المجتمع .. يؤكد الباحث الدكتور محمد علي اليوسفي لـ (البيان) على عدم عزل هذا السلوك المضر عن ظاهرة الفساد الضاربة جذورها في التربة اليمنية. ورأيه المتعمق في اصل المشكلة واسبابها الحقيقية من وجهة نظره ـ يصب في تلك المتغيرات التي حدثت اواخر الثمانينيات ومطلع التسعينيات في اليمن, وكان من افرازاتها ظهور طبقة جديدة بصورة عشوائية من بين اوساط بعض المؤسسات الحكومية المدنية والعسكرية والامنية والمشيخية, لا تمتلك ايا من المقومات الثقافية المعرفية او الاقتصادية والتجارية والمالية او القيمية المتصلة بالمجتمع المدني, لتجد نفسها بين يوم وليلة في قمة هرم الدولة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا, هذا الصعود العشوائي المفاجىء لهؤلاء الرموز الجديدة الخالية من المقومات الاساسية للصعود وبالذات الثقافية والقيمية, وسع من دائرة الفساد وفرض نفسه على الواقع الاجتماعي بكل المدلولات المكتسبة واضر بقيم المجتمع وهمش القوانين والانظمة وكرس الفوضى واللامبالاة في الحياة العامة. هذه الطبقة الجديدة العشوائية ورموزها انتقلت بمساوئها الى الابناء دربت اولادها على قيم لا تمت بصلة للاخلاق السوية الحميدة مستغلة ثروتها المالية التي جمعتها بحكم موقعها في قمة هرم الدولة بطرق ملتوية تروح منها رائحة الفساد, حيث علمت اولادها الصغار والكبار على اللامبالاة والاستهتار, فقادوا السيارات الفارهة وآخر الموديلات دون الاكتراث بقانون المرور وسن القيادة وحياة المارة وممتلكاتهم ودون اي اعتبار لهيبة الدولة ودون تقدير لدور رجال المرور ومكانتهم الاعتبارية ضمن سلك الوظائف الحكومية, اذن المصيبة تكمن في الاباء اولياء امور هؤلاء الاولاد, فقد علمتهم المكانة الرفيعة والثروة المفاجئة بعض السلوكيات النشاز الغير سوية والبعيدة عن السلوكيات الحميدة الطبيعية. هذا النمط من السلوك خطره لن يقع فقط على المجتمع, بل سيمتد الى اسر هذه الطبقة العشوائية الجديدة وعلى هؤلاء الاولاد المستهترين: وسينتقل الى امور اخرى اكثر خطورة حيث وفي ظل هذا الانفلات سيتهور الاولاد لارتكاب المعاصي والمحرمات كشرب الخمر وتدخين الحشيش وادمان الكوكايين والمخدرات بشكل عام والابتعاد عن التعليم والمذاكرة والتحصيل العلمي والثقافي حينها لا ينفع الندم. غرور قاتل هؤلاء الاولاد القصر ضحايا لاباء واسر تلبي كل طلباتهم ورغباتهم المالية والعينية دون الاخذ بعين الاعتبار الطلبات والرغبات المسموحة والغير مسموحة .. هكذا يؤكد الباحث الاستاذ عبدالرحمن محمد العريقي الموجه الاجتماعي بادارة التربية والتعليم امانة العاصمة لـ (البيان) ويواصل: هؤلاء ابناء طبقة جاءت فجأة دون مقدمات او اسس صحيحة وفي ظل غياب الرقابة الصارمة والتأكد من مصادر ثروتها وفي ظل عدم التعامل مع مبدأ (من اي لك هذا) وليسوا مثل ابناء طبقة الاغنياء والاثرياء الذين كونوا ثروتهم المالية من خلال تجارتهم المشروعة وبعرق جبينهم ومغامراتهم في الاعمال التجارية, فهم يقدرون ثروة ابائهم ويحاولون صيانتها على امل تنميتها بعد ان يشتد عودهم في وجود ابائهم او العكس, لذلك يحاولون التمسك بسلوكيات المجتمع والتواضع في مسلكهم ومظهرهم بفضل تربية الاباء السليمة, كما ان هؤلاء الاولاد ابناء الطبقة العشوائية ليسوا مثل ابناء بعض الزعامات السياسية والاقتصادية والعسكرية والمشيخية التي تمرست تدريجيا بحنكة واقتدار في حياتها العملية والوظيفية وبلغت الى هذه المكانة الرفيعة, فقد ربت هذه الزعامات ابناءها على حب العلم والمثابرة والاجتهاد وغرست فيهم القيم والسلوك السوي, كما ليسوا مثل ابناء العامة الغلابى الذين بالكاد يقدرون الحصول على كسرة الخبز والقلم والكراسة بحكم ظروف اسرهم الصعبة. هذا الفارق بين ابناء الطبقات سحب نفسه على سلوكيات المجتمع والجيل الصاعد, فظهرت الضغوطات المادية والنفسية على الاسر والابناء من باب (وليش ابن فلان او علان او زعطان) , وكل اب واسرة تحاول ان ترضي ابناءها قدر المستطاع, بعضها تلجأ الى تأجيل الوعود الكبيرة الى سن الشباب والتخرج وعلى لسان عبارة (على الله لما تكبر) والبعض الآخر يلجأ الى تقديم الطلبات السهلة, واسر تلجأ الى تلبية رغبات ابنائها من قلم الذهب الى سيارة الجيب الفاخرة والغالبية العظمى من الاسر اليمنية تقف عاجزة عن تلبية ابسط الاشياء حتى اجرة المواصلات الى المدرسة والعودة. يذكر الاستاذ عبدالرحمن العريقي, انه يشاهد اثناء نزوله لمدارس العاصمة الحكومية والاهلية بحكم عمله (موجه) عشرات السيارات الفاخرة تقبع بجوار سور المدرسة خاصة ببعض الطلاب الاولاد, ما ان يرن جرس انتهاء الحصة الاخيرة حتى يتسابق هؤلاء الاولاد باتجاه سياراتهم يقودونها (بنوع من التباهي امام زملائهم الطلاب ابناء الاسر العادية والمتواضعة, وينطلقون بسياراتهم كالصاروخ وبسرعة جنونية دون اكتراث بسلامة زملائهم والمارة, كما يشاهد العديد من السيارات الحكومية والخاصة تنقل بعض الاولاد الى المدرسة ومن ثم الى البيت يقودها الاباء انفسهم او السائقين الكبار الخصوصيين, وهي الطريقة المثلى لتعامل الاسر الميسورة والاباء مع ابنائهم . ويضيف: ان هناك العديد من الحوادث المرورية يرتكبها بعض هؤلاء الاولاد من طلبة الاعدادية والثانوية, ما ان اعلم بالحادثة اليوم الاول حتى ارى الطالب المرتكب للحادثة المرورية اليوم التالي او بعده جالسا في الصف وسيارة جديدة اخرى او السيارة نفسها في الحادثة مركونة بجوار سور المدرسة, الكارثة ان تصرفاته وحركاته طبيعية وهي نفسها قبل ارتكابه للحادثة وكأنه لم يصدم احدا او يرتكب حادثا يكون هو الجاني المتهم, يدل ذلك الى مستوى الغرور والعنجهية التي وصل اليها اولاد الطبقة العشوائية وكأن حياة الفرد العادي وممتلكاته لا تسوى عندهم حتى علامة اسى او حزن, أدعو لهم ولابائهم بالهداية, ومن الواجب منع الاولاد الصغار من قيادة السيارات كون هذا خطرا على حياتهم وحياة الآخرين. ثلاجة الوزارة الجميع مسئولون امام هذه المشكلة, الابناء والقانون والجهات المعنية في الدولة .. الخ, كيف؟ يجيب الرائد ركن احمد عبدالرحمن هائل الباحث المختص في دائرة العلاقات العامة والاعلام بوزارة الداخلية, قائلا لـ (البيان) عندما يقود الولد الطفل فوق العشر السيارة ويجول بها في الطرقات دون تطبيق قانون المرور الذي يحرم قيادة المركبات دون تراخيص قيادة التي تمنح للشخص البالغ فوق السادسة عشر عاما بموجب البطاقة الشخصية وبعد الاختبارات اللازمة ـ يعد مسئولية جسيمة, هناك حوادث كثيرة يرتكبها هؤلاء الاولاد القصر مثل قتل انفس بصورة غير متعمدة واصابة افراد باصابات مختلفة بليغة ومتوسطة وطفيفة واتلاف ممتلكات عامة وخاصة وتدمير مركبات الغير, بالاضافة الى الاعتداء على جنود المرور في الشوارع والطرقات نهارا جهارا اذا حاول الجندي اعتراض او ايقاف احد منهم .. كل تلك الحوادث يجري حلها بالطرق والاساليب العرفية المتبعة والمعروفة دون تطبيق قانون المرور بحقها ومعاقبة الجناة وردعهم, يكون المال هو القاسم المشترك لجميع الحلول العرفية. وبما ان ابناء هؤلاء الاولاد الجناة يملكون المال الوفير والنفوذ القوي بحكم موقعهم القيادي, لديهم الاستطاعة في تمييع هذه الحوادث والغائها وكأنها لم تكن, فيما تقف الجهات المعنية ـ ادارة المرور ـ موقفا سلبيا كون قياداتها تتعامل بالمثل المصري (شيلني وشيلك) وضمنت (حق بن هادي) فيما يجري اغراء الجندي المضروب بالمال وكذلك الافراد الآخرين المتضررين فالتعامل معهم بالمال خير وسيلة للصلح فالصلح خير, في حين لا يبقى من قانون المرور سوى التسمية فقط بعد ان جرى وضعه في ثلاجة الوزارة.