البيان تتابع الفعاليات ،مؤتمر المغتربين يبحث الآثار الاجتماعية للاغتراب ، ورقة عمل تحذر من انتشار ظاهرة الجندرة

جاء في خطاب الفريق عمر البشير أمام الجلسة الافتتاحية للمؤتمر الرابع للمغتربين المنعقد بالخرطوم في الفترة من 1 الى 3 اغسطس الجاري ما لخص الهدف من المؤتمر الذي انعقد تحت شعار (المغترب السوداني ضياء بالخارج عطاء بالداخل) , اذ ذكر البشير في خطابه ان القضايا التي ظلت تؤرق المغتربين هي محور اهتمامه الشخصي, موضحا ان (قرارات مطلع العام الحالي بداية لمعالجات ستتواصل حتى تحقق لكم كامل الرضا ونحقق لأبنائكم فرص تعليم بالجامعات والمعاهد السودانية) . ومضى البشير الى القول (اننا نضع في حساباتنا وخططنا المستقبلية القصيرة والطويلة المدى أمر عودتكم الطوعية للبلاد وحاجتنا لعلمكم وجهدكم وخبرتكم الوافرة ومختلف مهاراتكم وحزمكم) . في هذا السياق, نقف بين عدد من الأوراق تم طرحها لنقاش داخل اروقة المؤتمر, تناولت مواضيع وقضايا تداخلت هنا وهناك. ورقة الآثار الاجتماعية للاغتراب التي اعدها د. عبداللطيف البوني أوضحت ان كل الدنيا تشكلت من حركة السكان من مكان لآخر دون ان تضفي تعريفا جامعا مانعا لأي مصطلح ارتبط بحركة الانسان داخل وخارج السودان كالنزوح والهجرة والاغتراب, وركزت على الآثار الاجتماعية للاغتراب بوصفه هجرة مؤقتة وان طال بعضه لاعتبارات وقوانين في بعض دول المهجر التي تحول دون صيرورته الى هجرة. د. البوني ابرز في ورقته الاسباب التي ادت الى بروز معادلة في الداخل والخارج شكلت حالة الاغتراب من السودان بسبب تراجع اسعار المنتجات الخاصة التي ينتجها السودان منتصف السبعينيات للقرن الماضي, مشيرا الى ان رفع يد الدولة عن النشاط الاقتصادي وعدم دعم المنتجات المحلية وعدم تحديد قيمة ثابتة للجنيه السوداني قابله عامل خارجي تمثل في ارتفاع اسعار النفط عالميا بعد حرب اكتوبر 1973, وتكونت على اثر ذلك فوائض في موازين مدفوعات الدول العربية البترولية التي ادت حاجتها الماسة للبنيات الاساسية والمنشآت الخدمية في ظل افتقارها للكوادر البشرية التي ستقوم بأعباء الانشاء الى فتح المجال للسودانيين وغيرهم لملء ذلك الفراغ الناتج من وجود المال والحاجة للانشاء مع الافتقار للكادر البشري. د. البوني ميّز بين ثلاث فترات في تاريخ الاغتراب السوداني حيث وصف الاغتراب حتى منتصف الثمانينيات بأنه كان يسير بوتيرة ضعيفة. ورد ذلك الى ان الحياة في السودان رغم بداية التدهور الا انها لم تكن طاردة موضحا ان من غادر البلاد في تلك الفترة هم اصحاب الطموحات الذين احدث اغترابهم تحولا ماديا واجتماعيا في حياتهم.. وأطلق على بداية التسعينيات عند ارتفاع معدلات التدهور في كافة اوجه الحياة بالسودان (حمى الاغتراب) حينما بدأ الاغتراب يمثل الحل الفردي الوحيد المتاح, مشيرا الى ان الحالة في دول المهجر ظلت على ما هي عليه من توسع في المنشآت وحاجتها لكوادر بشرية. وأضاف ان نوعية المغتربين لم تعد من أصحاب الطموحات انما اصبحت من اصحاب الحاجات أي المضطرين اضطرارا للاغتراب موضحا ان اعداد المغتربين ازدادت وفي بعض الاحيان بشروط مجحفة في حقهم ونتج عن ذلك استنزاف في الكوادر البشرية بنسبة كبيرة فيما بدأ العائد من الاغتراب يقل. ودلف د. البوني الى الفترة الثالثة من الاغتراب السوداني, التي اوضح انها بدأت من التسعينيات الى يومنا هذا, مشيرا الى التغيير الكبير الذي حدث بفقد الدول النفطية الكثير من جاذبيتها بسبب حربي الخليج, الأولى والثانية, مبينا ان تلك الدول فقدت الكثير من مداخيلها ومدخراتها, بينما اكتملت الكثير من المنشآت فيها, كما ان مواطنيها اصبحوا اكثر تأهيلا لادارة شئون بلادهم ومن ثم قلت الحاجة للكوادر البشرية. ومع ذلك أوضحت الورقة ان تدهور الاوضاع في دول الاغتراب لم يقابله تحسن في الاحوال في السودان واستمر التدهور على ما هو عليه, إن لم نقل بمعدلات أكبر نتيجة الحصار الذي ضرب على السودان نتيجة التغيير السياسي الذي تم في يونيو 89, موضحا ان ذلك اثر على نوعية المغتربين السودانيين الذين تدهورت اجورهم والوظائف التي كانوا يقومون بها, وتناقصت مرتباتهم وأصبح الكثيرون يعملون في غير مجال تخصصاتهم. وأوردت الورقة ملاحظاتها على الاغتراب من زاوية اجتماعية بحتة بغلبة العنصر الرجالي اذ تفيد المعلومات الاحصائية المتوفرة ان نسبة الرجال المغتربين فوق الـ 90% ولو اضيفت النساء المرافقات لأزواجهن فستكون النسبة بين الرجال والنساء (5:1). وأبرزت الورقة ان هذا يعني افقار البلاد الى حد كبير من عنصر الذكور وبالتالي ادى الى بروز النساء في الشارع العام, وان هذا يدخل فيما اصطلح عليه مؤخرا بـ (الجندرة) . لكن الورقة اوضحت ان هذا لا يرقى لما احدثته الحرب العالمية الثانية في ألمانيا حيث ادى النقص الحاد في عدد الذكور الى آثار اجتماعية وأخلاقية خطيرة, مستندة على ان هذا الاختلال تم في السودان تدريجيا وليس بصورة حادة وان هناك احساسا بأنه مؤقت. وأبانت الورقة ان الأهم من ذلك ان التقاليد السودانية ما زالت تحجم من حركة المرأة رغم تحركها لملء الفراغ الذي تركه الرجل في كثير من اوجه الحياة. وأشارت الورقة الى ان المجتمع فقد عنصرا من عناصره القوية بهجرة الشباب لأن اغلب الرجال المغتربين يقع عمرهم في الفئة العمرية (20 ـ 55) وهي سن العطاء في عمر الانسان. ومضت الورقة في ملاحظاتها ان المجتمع فقد كذلك عنصرا من عناصر التنوير ومن العناصر المستهلكة والمنتجة للنشاط الثقافي وذلك بالنظر الى ان نسبة المتعلمين تعليما اكاديميا ومهنيا كبيرة جدا وسط المغتربين. واستعرضت الورقة الاشكاليات التي يتعرض لها المغتربون الذين يصطحبون اسرهم معهم, منها التعليم. ففي مرحلة الاساس اشارت الورقة الى ان مناهجه في أي بلد تكون مصممة لإيجاد المواطن المدرك بحقائق بلده من تاريخ وجغرافيا, مبينة ان تعليم الأبناء من خلال مناهج اخرى لا يساعد على التنشئة الوطنية وان ذلك اظهر ما يمكن ان نطلق عليه الحياد الوطني لعدم تجاوب الناشىء مع ابداعات وطنه من فنون ورياضة وغيرها. وأوردت الورقة ان من مشاكل التعليم الاخرى انعدام فرص التعليم الجامعي لأبناء المغتربين في أرض الاغتراب نتيجة لسياسات تحرص تلك الدول عليها بحصرها خدمات التعليم الجامعي في الوطنيين فقط, موضحة ان المغترب يضطر ازاء ذلك الى ارسال الابناء الى البلاد أو يرسلهم الى دول اخرى فتزداد الأسرة تمزقا وهنا في السودان ـ تمضي الورقة في ملاحظاتها عن الآثار الاجتماعية للاغتراب ـ لا تحسن سياسات التعليم استقبالهم عن طريق معادلة الشهادات التي تخفض الى نسبة قد تصل الى 13%. الى ذلك, اضافت الورقة ان كثيرا من المغتربين يدرس ابناؤهم في الجامعات غير الحكومية أو فيما يسمى القبول الخاص, الأمر الذي يزيد ارهاق الاسر ماديا. ولم تغفل الورقة امتدادات الاسر في الاغتراب عند ملاحظاتها ان هناك جيلا جديدا من المغتربين قد ظهر وهو جيل الابناء خاصة في الاسر التي تقادم بها العهد في ديار الاغتراب. وفي هذا الشأن اشارت الورقة الى ان الشباب المغتربين غير المتزوجين لا يميلون الى الزواج من السودانيات في أرض الاغتراب لعوامل وصفتها الورقة بـ (النفسية والاجتماعية) وهناك الابناء الكبار الذين اصبح مستقبلهم مشكلة لأسرهم اذ اوردت الورقة انه حتى المتخرجين منهم من الجامعات لا يطيقون العمل داخل الوطن ولا يميل آباؤهم لتمويلهم ماديا للاستثمار في السودان لعدم جاذبية الظروف الموضوعية ولعدم الثقة في الأبناء الذين نشأوا في فترة الاغتراب. واعتبرت الورقة ان الوقت ما زال مبكرا للتنبؤ بمآلات الأمر بالنسبة لهذا الجيل للاندماج بسهولة ويسر وسلامة في المجتمع. وفيما يشبه الاقتراح تمنت الورقة بروز دراسة خاصة لهذ الجيل. وزادت الورقة انه لابد من الالتفات الى زوجة المغترب مما يساعدها على التكيف مع الاوضاع من حيث الادخار والبقاء بأرض المهجر اذ اعتبرت الورقة ان الادخار في شكل ذهب زينة هو اسوأ أنواع الادخار وان اصرار المرأة على البقاء بأرض المهجر مهما تدهورت الاوضاع يكلف الكثير ويؤدي الى نتائج غير مرغوب فيها. ولفتت الورقة الانظار الى عدم عزل ابناء المغتربين بالجامعات من خلال دفعهم للجامعات الخاصة أو القبول الخاص عبر التقييم الذي وصفته الورقة بأنه ظالم للشهادة الثانوية التي يأتون بها من الخارج ونبهت المغتربين الى انه ينبغي عليهم ألا يعزلوا ابناءهم بالاقامة في الداخليات الفاخرة مرتفعة التكاليف مساهمة في تسهيل اندماجهم بأترابهم وزملائهم مما يساعد نزع ما ـ اسمته الورقة ـ (الحياد) عنهم. وخلصت الى انه لابد من تكثيف الدراسات الميدانية والعلمية المتطورة لمحاصرة الآثار السالبة للاغتراب وذلك لأن حداثة الظاهرة (25 عاما) والاهتمام المبكر بها يسهل من عملية السيطرة على السلبيات وتطوير الايجابيات. وأبانت ان جهاز المغتربين فطن للأمر وبالتالي لم يعد دوره قاصرا على اجراء المعاملات الرسمية للمغتربين وأصبحت له اهداف اجتماعية وبرامج مصوبة نحو تلك الاهداف وقدرت الورقة ان ذلك في حاجة للمزيد من الجهد الافقي والرأسي.

تعليقات

تعليقات