أياديه البيضاء امتدت إلى كل بقعة في العالم ، زايد.. رجل يصنع التاريخ

هناك احداث تصنع التاريخ وهناك احداث يصنعها التاريخ, فمن الاحداث المهمة في حياة هذه المنطقة وقبل بروز ما يسمى دولة الامارات العربية المتحدة وهذا التاريخ الذي كتب مسيرة وطن يرنو الى المستقبل, هناك شخصيات تترك بصماتها في صيرورة التاريخ الانساني. فيبقى عطاؤها علامة بارزة لقدرة الانسان على التغيير واعادة رسم ملامح الايام القادمة, وصاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة واحد من هؤلاء العظماء الذين كتبوا فصولا جديدة في مسيرة التاريخ البشري, ترى هل يمكن تصور امارة ابوظبي وهل يمكن تصور تاريخ دولة الامارات العربية المتحدة بدون هذه الشخصية العظيمة؟ هذه الشخصية التي استمدت قدرتها على العطاء والتميز اعتمادا على النهج الاسلامي القويم واعتمادا على فطرة انسانية صافية واعتمادا على بناء جسور من التواصل والمحبة والتقدير بينه وبين شعبه, لم يكن زايد إلا ابا كبيرا عطوفا رحيما يتحسس مشاكل ابنائه وينبض قلبه دائما بحب كبير لفكرة التجمع لا التفرق, التجمع على المستوى الصغير كان هاجسه فصنع دولة الامارات, والتجمع في مستواه الخليجي وكان احد ابرز القادة المدافعين عن فكرة مجلس التعاون الخليجي, والتجمع على مستواه العربي اذ كانت ولا تزال له رؤى واضحة في مسألة لمّ الشمل العربي واللحمة العربية. لقد كان الهاجس الاكبر الذي ينتاب ضمير ووجدان زايد هو كيفية توحيد هذه الامارات الصغيرة في كيان اتحادي يضمن لها البقاء في خضم التحولات السياسية والتاريخية التي شهدتها منطقة الخليج إبان عزم بريطانيا الانسحاب من المنطقة ووضع هو والمغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم اللبنات الاولى لفكرة قيام الكيان الاتحادي وقد كان حلمهما في البدء ان يضم الاتحاد كلا من قطر والبحرين, وشهدت الاعوام منذ 1968 وحتى 1971 مجموعة من المحاولات للوصول الى هذا الكيان وقد كان 2 ديسمبر موعدا لقيام اول تجربة وحدوية كتب لها النجاح والاستمرار. ولا شك ان صمام الامان في حماية هذه التجربة ومكتسباتها تمثل وبشكل اساسي في قدرة زايد على ادارة دفة الحياة في هذه الدولة وتحويلها من مجرد امارات متناثرة الى كيان اتحادي يمتلك ثقلا سياسيا واقتصاديا ويشارك في صناعة القرار الدولي اسوة بالدول الكبرى, صحيح ان دولة الامارات صغيرة بمساحتها مقارنة بالدول الاخرى ولكن جوهر ثقلها السياسي في المحافل الدولية مؤثر وفعال. لقد كان زايد واحدا من ابرز القادة الداعين الى ايجاد صيغة وحدوية تجمع ابناء منطقة الخليج في مواجهة مجموعة الاخطار المحدقة بها وعندما تبلورت فكرة مجلس التعاون لدول الخليج العربية ساهم صاحب السمو رئيس الدولة في دعم هذه الفكرة ودفعها الى النور وليس من باب المصادفة ان يكون الاجتماع الاول لقادة مجلس التعاون الخليجي منطلقا من ابوظبي ليعلن بداية مسيرة خيرة لابناء المنطقة وكان همّ زايد الاكبر ان يتحول هذ الكيان لكيان فاعل ومؤثر يجلب الخير والنماء للمنطقة على الصعيد السياسي والاجتماعي والاقتصادي. ولا ريب ان فكره الداعي الى وحدة الصف العربي ونبذ الخلافات كانت دائما تنطلق من رؤى حل المشاكل بالطرق السلمية والابتعاد عن استخدام العنف وخاصة عندما تكون هذه المشاكل بين دول شقيقة ولهذا نجده دائما وابدا داعما لفكرة الحوار والمصالحة والمكاشفة, فقد امتدت افكاره النيرة هذه لتظلل على احداث اجتماعية وسياسية, ومشاكل كان يمكن ان تعصف بالعلاقات بين بعض الدول الخليجية اذ ساهم بشكل فعال في التقريب من وجهات النظر بين الاشقاء في البحرين وقطر وكذلك ساهم كثيرا في التقريب بين الاشقاء في السعودية واليمن لحل مشاكلهم الحدودية, وكانت له مبادرات ومساهمات في القرن الافريقي لحل المشكلات بين اريتريا واثيوبيا لوضع حد للصراع القاتل في الصومال والوقوف بشكل جاد وصريح وشفاف الى جانب حق الشعب العراقي في ان يستعيد كرامته وحريته وكانت سياسة سموه على مدى الاعوام الماضية تتسم بالرؤية الواضحة لمنهج استخدام حمامة السلام في حل المشكلات بين الاشقاء والاصدقاء, وكان ولايزال نابذا بشكل صريح لفكرة العنف والمواجهة واستطاعت سياسته الحكيمة تلك حل كثير من المشكلات الحدودية بين الامارات وشقيقاتها الخليجيات كالمملكة العربية السعودية وسلطنة عمان وعلى الصعيد الاقليمي استطاع نزع فتيل المواجهة مع الصديقة ايران في مسألة الجزر واتسمت كل قراراته بالرؤية والحكمة والتعقل, هكذا رجل يصنع هكذا تاريخ. ومنذ البدايات كانت قضية العرب الاولى مسيطرة على فكر صاحب السمو رئيس الدولة وكان في كل المحافل داعما لفكرة حق الشعب الفلسطيني في العودة لوطنه, فقد قدم دعما معنويا وماديا باسم دولة الامارات الى الاشقاء في فلسطين وساندهم في المحافل الدولية وعلى كافة الصعد لاستعادة حقوقهم السليبة, وكان من ابرز المدافعين عن فكرة حماية القدس والمساهمة في اعادة اعمار المناطق التي تخضع للسلطة الفلسطينية واستطاع تقديم دعم مالي سخي لتحقيق هذه الغاية. وعندما يذكر التاريخ رجلا يتصف بالحكمة فانه لابد وان يذكر زايد بن سلطان الانسان الذي لم يدخر وسعا في ألا يكون هذا الخير الذي اعطاه الله للامارات حكرا على ابنائها فقط ولكن اياديه البيضاء امتدت الى كل بقعة من العالم تساعد الانسان بعيدا عن ديانته او لونه او انتمائه السياسي, بهذه الرؤية الانسانية الواسعة كان ينظر زايد الى الانسان في محنته ويقدم له العون, وها هم ابناء الامارات يسجلون اروع ملاحم العطاء والبذل في كوسوفو ويرسمون وبنبض زايد الابتسامة على شفاه حرمت من الابتسامة والفرح, هكذا هو زايد بن سلطان آل نهيان مظلة خير في كل مكان وسماء عطاء تمطر في جدب الحياة, فأنّى تلفت في دروب الحياة ومسالكها واينما اجلت البصر على الخارطة الدولية تجد في كل زاوية مشروعا تنمويا يفصح عن صاحب فكرته بانه الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان, في مجاهل القارة الافريقية وفي الادغال الآسيوية وفي القرى الفقيرة النائية وفي المدن المشعة بالحضارة لابد ان تجد مسجدا او مدرسة او مستوصفا او بئرا او مزرعة او قناة للمياه او مدرسة تحمل اسم زايد بن سلطان الذي استحق لقب الشخصية العالمية الانسانية. _بقلم: د. علي قاسم ، استاذ بقسم الاتصال ـ جامعة الامارات

تعليقات

تعليقات