لحظة بهاء الميلاد التوحيدي ، الامارات.. تحول تاريخي جاسم في مسيرة شعب

منذ أن تولى صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئاسة الحكم في إمارة أبوظبي بتاريخ 6 أغسطس 1966م, تطورت إمارة أبوظبي تطوراً سريعاً لم يسبق له مثيل حتى إنها أخذت مكان القيادة في النهضة الإماراتية. وقد قدرت سرعة التطوير والتحديث في أبوظبي بضعف السرعة التي سارت عليها بعض الدول التي تتطلع آنذاك إلى التطوير والتحديث. هذه التطورات جميعاً, حملت سموه على وضع حجر الزاوية لبرنامجه الإصلاحي بشكل آني وسريع أكثر مما مضى. وانطلاقاً من روحه السمحة الكريمة التي اشتهر بها آنذاك بين القبائل العربية في شبه الجزيرة العربية, عمل على تنشيط قطاعات كانت مهملة حتى ذلك الحين, وهي قطاع الشباب والتعليم والإدارة, مما شجع أفراد وعائلات أبوظبي الذين غادروها في أوائل الخمسينيات من القرن العشرين إلى بعض دول المنطقة إلى العودة إلى بلدهم. وكانت الثقة التي وضعها الشيخ زايد في جيل الشباب المتعلم سبباً في إعطاء دفعة قوية للإنجازات والأعمال, كما كسب محبة هذا الجيل من الشباب الذين اثبتوا جدارتهم في العمل رغم صغر سنهم. فقد استطاعوا إدارة شئون البلاد داخلياً في ميدان العلاقات بين إمارة أبوظبي والإمارات الأخرى وخارجياً بين إمارة أبوظبي والدول العربية الإسلامية والعالمية. لقد استطاع سموه في الفترة ما بين عام 1966م إلى يوليو عام 1971م, القيام بالعديد من الإنجازات في إمارة أبوظبي وعلى كافة المستويات السياسية والثقافية والإجتماعية والإقتصادية. وكان من أبرزها المستوى الأمني. خطوات قيام الاتحاد إن الإهتمامات المختلفة التي قام بها صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان في إمارة أبوظبي, اتاحت الفرصة ورجحت كفة حكام الإمارات إلى الالتفاف حول سموه الكريم من أجل النهوض بهذه الدولة والتطلع للإتحاد. إلا أنهم واجهوا في بداية الأمر التعنت الاستعماري البريطاني, وبعد فترة وجيزة قررت حكومة حزب العمال البريطانية التي خلفت حكومة المحافظين أن تعيد النظر في سياستها في هذه المنطقة من العالم. وقد أعلنت عام 1968م عن عزمها على الإنسحاب من منطقة الخليج في موعد أقصاه نهاية عام 1971م. ومنذ هذا الإعلان أكد حكام الإمارات وفي مقدمتهم صاحب السمو الشيخ زا يد بن سلطان آل نهيان دعوتهم لقيام إتحاد بين إمارات الخليج العربية باعتباره ضماناً لمستقبل المنطقة, واستقرارها السياسي, والحماية الذاتية, وبناء غد أفضل لشعوبها الذين تجمعهم أخوة الإسلام, والأصل الواحد, والمصير المشترك, كما تتوافر فيهم مقومات الوحدة المتكاملة كوحدة اللغة والعادات والتقاليد كأبناء منطقة واحدة تعيش ضمن إطار جغرافي وتاريخي وحضاري واحد. بدأت أولى المبادرات الوحدوية بالخطوة التي قام بها كل من صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان حاكم أبوظبي والمغفور له بإذن الله الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم حاكم دبي, عندما إجتمعا في السميح ( 18 فبراير 1968م ) وأعلنا عن إقامة إتحاد ثنائي يضم الإمارتين, كما اتفق الحاكمان في ذلك الإجتماع المهم في تاريخ المنطقة دعوة حكام الإمارات الأخرى للمشاركة. وتوجيه دعوة مماثلة لكل من حاكمي قطر والبحرين للانضمام إليها والإسهام في صنع مستقبل المنطقة. وفي ( 25 فبراير 1968م ) بادر حكام الإمارات السبع بالإضافة إلى حاكمي قطر والبحرين إلى تلبية الدعوة التي وجهت إليهم رسمياً, فعقدوا إجتماعاً في دبي أعلن في نهايته عن توقيع اتفاقية لإقامة اتحاد بين هذه الإمارات على أن يبدأ في تنفيذها في ( 30 مارس 1968م ). وقد نصت الاتفاقية على إنشاء إتحاد الإمارات العربية المتحدة بهدف تقوية التعاون فيما بينها, ثم تشكيل مجلس أعلى من حكام هذه الإمارات لوضع دستور دائم, إلا أن نتيجة لظروف سياسية طارئة, أعلنت كل من البحرين وقطر عن عزمهما على إعلان إستقلالهما في عام 1971م. لم ييأس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان في مواصلة خطته الطموحة من أجل قيام الإتحاد, فقد دعا إلى عقد إجتماع بين حكام الإمارات العربية الست في دبي 18 يوليو 1971م, صدر بعده البيان الختامي بإقامة دولة إتحادية باسم (دولة الإمارات العربية المتحدة) وقد تم في هذا اليوم المبارك التوقيع على الدستور المؤقت للإمارات العربية المتحدة. و انطلاقاً من السياسة الحكيمة لصاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان من أجل قيام الدولة رسمياً بعيدة عن أية شوائب ورواسب إستعمارية. إجتمع مع جيفري آرثر مندوب الحكومة البريطانية في أبوظبي وأعلن في 2 ديسمبر 1971م قيام دولة الإمارات, وأقرت الحكومة البريطانية بإلغاء جميع المعاهدات والاتفاقيات التي كانت تربطها بالإمارات, باعتبارها غير متكافئة, وغير مسايرة لروح العصر, وفي هذا اليوم, عقد حكام الإمارات الست إجتماعاً تاريخياً في دبي, وأعلنوا فيه سريان مفعول الدستور المؤقت وقيام دولة الإمارات. وفي ( 10 فبراير 1972م ) اكتمل عقد الإتحاد بدخول رأس الخيمة عضواً فيه, تقديراً لدعوة صاحب السمو رئيس الدولة. وهكذا بدأ الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان يواصل سعيه الحثيث لأجل دعم أواصر التضامن الداخلي بين الإمارات السبع والتعاون الخليجي والعربي ثنائياً وجماعياً. في نطاق إيمان راسخ ببعد دولة الإمارات العربية وبوحدة المصير بين سائر البلدان العربية والعالمية دون استثناء بعلاقات أخوية طيبة قوامها الإحترام المتبادل والعمل على تحقيق المصالح المشتركة في مختلف الميادين, والتشاور والتنسيق بخصوص القضايا العربية والدولية وتنظيم هذه العلاقات في إطار الزيارات المتبادلة بين المسئولين على كل المستويات, بدءاً بقمة الهرم السياسي, وكذلك في نطاق اللجان الثنائية المشتركة التي تعني بالتخطيط للتعاون الإقتصادي والثقافي ومتابعته بصفة دورية, وهي آليات عمل تحرص دولة الإمارات بقيادته على تنشيطها بانتظام مع الدول الخليجية والعربية والعالمية, لتحقيق التعاون الثنائي أهدافه من دورة إلى أخرى من دورات إجتماع هذه اللجان. الامارات مركز استقطاب للاستثمار ولايخفى الأمر على أحد أن العامل الإقتصادي يحظى بجانب هام من رئيس الدولة الذي رأى التعاون فيه لابد أن يشمل جميع الدول الخليجية والعربية والعالمية. وقد أفضى من جملة ما أفضى إليه, إلى إنشاء مناطق للتبادل التجاري الحر (المشروط) بين الإمارات وعدد من الدول الخليجية والعربية مثل البحرين ومصر, والعالمية مثل اليابان وأمريكا. كما قام سموه بتوقيع عدد من الاتفاقيات في مجالات تتراوح بين التبادل التجاري وتشجيع وضمان الاستثمار, وعدم الازدواج الضريبي, وإقامة المشاريع المشتركة. ومع إيمانه بضرورة تنويع صيغ التعاون بين الدول العربية والعالمية, فإن صاحب السمو الشيخ زايد يرى أن الاستثمار المشترك هو أفضل وسيلة لتغذية حركات المبادلات العربية والعالمية, والعامل الأنجح لخلق مصالح مشتركة دائمة تعود بالنفع على الجميع, وقد عبر أكثر من مرة عن هذه الفكرة. وفي إطار هذه القناعة, توفر الإمارات لرجال الأعمال العرب والأجانب بأوامر سموه مناخاً ملائماً للاستثمار, تضمنه اتفاقات ثنائية, ويتمثل في الحوافز التي تقدمها جملة الاستثمارات في وجود بيئة إقتصادية متطورة وكفاءات بشرية عالية المستوى وإمكانات هامة لتصدير المنتوج الصناعي في الإمارات بحكم الشراكة الموقع بينها وبين مجموعة الدول الأوروبية واتفاقات التبادل الحر العديدة المبرمة مع الدول الأخرى. وبفضل هذه الحوافز والتسهيلات, وكذلك بفضل الاستقرار السياسي والاجتماعي الذي تعيشه الإمارات بقيادة سموه منذ قيام الإتحاد, أصبحت الإمارات مركزاً مهماً يستقطب المستثمرين العرب والأجانب. أما على المستوى القومي, فما انفكت دولة الإمارات تعبر عن تعلقها بالعمل العربي المشترك, وضرورة دفعه من خلال تطوير آلياته وتعزيز مجلس التعاون الخليجي والجامعة العربية ومنظماتها المختلفة. وفي هذا السياق فقد استطاع صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان من استضافة أول قمة خليجية لمجلس التعاون الخليجي في أبوظبي عام 1981م. ثم يندرج اقتراح سموه على احترام جعل القمة العربية تعقد اجتماعاً دورياً يعقد مرة كل سنة وكذلك اجتماع جامعة الدول العربية ووزراء خارجية العرب, على غرار ما يتم في عدة تجمعات إقليمية أخرى, حتى تدرس قضايا الوطن العربي في أوقاتها ولاتبقى معلقة وحلولها مؤجلة, وفي مقدمة تلك القضايا الذي اهتم بها سموه شخصياً, قضية الصومال والبوسنة والهرسك وكوسوفو وقضية فلسطين وغيرها من القضايا العالقة. ويتبين من هذه الاقتراحات نظرة سموه في تقريب وجهات النظر وتنقية الأجواء بين الأشقاء لما فيه خير التضامن العربي والعمل القومي المشترك. وتنطلق الإمارات في هذه المساعي التوفيقية من مساعي سموه من علاقاته الطيبة بكل الأطراف العربية, ومن شعور عميق بأهمية المحافظة على وحدة الصف العربي في عصر أصبح من سماته تعزيز التكتلات الإقليمية لمصالحها المشتركة, سياسية كانت أم إقتصادية. كانت دولة الإمارات في طليعة الدول العربية التي شملها برنامج الأمم المتحدة المعروف باسم (مؤشر التنمية البشرية) بفضل السياسة الحكيمة لرئيس الدولة ويتكون هذا المؤشر من ثلاثة عناصر هي : الصحة والتعليم والناتج الداخلي للفرد الواحد في علاقته بالقدرة الشرائية, وذلك لقياس المستوى المتوسط لبلد ما وفق هذه المعايير التي تمثل طول الحياة ودرجة المعرفة ومستوى العيش. إن أمل الحياة عند الولادة, وهو أول عناصر المؤشر, يلخص في الواقع الوضع الصحي في بلد ما, ويعكس ما تبذله الحكومة من جهود للعناية بصحة المواطن. وفي هذا الصدد استطاع صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان, أن يوفر للمواطنين قطاع الصحة من جميع جوانبها, سواء النفقات العمومية للصحة أو عدد المستشفيات والمراكز الصحية, فقد ارتفع عدد المستشفيات في الدولة من 16 مستشفى عام 1977م إلى 29 مستشفى عام 1990م, أي أن هذا العدد تضاعف بمقدار 8و1 خلال عقد ونصف تقريباً (مستشفيات حكومية فقط). أما عدد المراكز فقد بلغ عددها 63 مركزاً عام 77_Jم وارتفع إلى 93 مركزاً عام 1990م وهناك أيضاً مراكز الصحة المدرسية المخصصة لعلاج التلاميذ والتي بلغ عددها عام 1990م حوالي 11 مركزاً. وهكذا نقيس على ذلك عدد المستشفيات والمراكز والأطباء العاملين من عام 1990م إلى يومنا هذا. وقد تضاعفت ميزانية وزارة الصحة ثلاث مرات منذ بداية الإتحاد إلى اليوم. ثم تقهقرت نسبة الوفيات وتحسن نسبة التلقيح وتعزيز البنية الأساسية الاستشفائية بحيث صار يوجد في الإمارات في الوقت الحالي العديد من العيادات المتنقلة موزعة بين الأماكن الريفية, بالإضافة انخفاض عدد السكان للطبيب الواحد وتحسن مستوى حياة المواطن كما تعكسها نسبت الأرتباط بالتيار الكهربائي وبالماء الصالح للشرب. وقد ساهمت كل هذه العوامل تطور أمل الحياة عند الولادة. أما في العنصر الثاني والمتعلق بالتربية ومحور الأمية, فقد استطاع سموه في توفير كافة الإجراءات التربوية والتعليمية للنشء في الإطار التشريعي الذي يندرج فيه إصلاح التعليم في الإمارات (القانون الإتحادي لسنة 1972م المادة 17 من الدستور المؤقت) والذي مكن من إرساء التعليم الأساسي وإلزامية التعليم من سن السادسة إلى سن السادسة عشرة. كما حرص سموه على تحسين مردود النظام التعليمي وتكييفه مع مطالب التنمية الإقتصادية والإجتماعية.وفي ضوء هذه الإصلاحات والتوجهات حققت دولة الإمارات في نهاية القرن العشرين إنجازات تربوية مهمة تتمثل الظواهر التالية : 1ـ ارتفاع نسبة تمدرس الأطفال في سن السادسة للجنسين. 2ـ تحسن نسبة تمدرس الأطفال في سن 6 ـ 12 سنة مع الإشارة إلى أن نسبة الفتيات أكثر من نسبة الطلاب. 3ـ تطور وازدياد التلاميذ والطلاب. 4ـ الحد من نسبة الانقطاع والتسرب المدرسي في كل مستويات التعليم وخاصة لدى الفتيات. 5ـ الحد تدريجياً من نسبة الأمية لدى الأشخاص الذين تتجاوز أعمارهم العشر سنوات حيث انخفضت النسبة كثيراً. والجدير بالذكر, أن الميزانية العامة للتربية ازدادت في الفترة ما بين عام 1972م التي كانت آنذاك 10 % ارتفعت إلى 14.9% عام 1991م. وهي دائماً في ارتفاع إلى اليوم. أما التعليم العالي فقد كان محل عناية سموه, وذلك حينما اصدر سموه القرار الإتحادي رقم 4 لسنة 1976م بإنشاء جامعة الإمارات في مدينة العين, التي فتحت أبوابها لتستقبل أول دفعة من الطلاب في مطلع العام الدراسي 1977 ـ 1978م. فقد واصل سموه منذ تلك الفترة إلى اليوم, بتحسين نوعية التعليم الجماعي وتكييف محتوياته. وإزاء ارتفاع أعداد الطلاب تم بانتظام توسيع طاقة استيعاب هذا التعليم بافتتاح العديد من الكليات والمعاهد العليا الجديدة. وفي هذا دليل على تحسن كفاءة الموارد البشرية وعلى حسن استجابة الإمارات بفضل السياسة الحكيمة لرئيس الدولة, للعنصر المتعلق بالتربية في مؤشر التنمية البشرية. وفي الختام, إن عمر دولة الإمارات كبناء سياسي لم يتجاوز الثلاثة عقود, ولكن عمر المجتمع الإماراتي بفضل الجهود التي قام بها صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان يفوق الثلاثة قرون من جميع النواحي سواء كانت حضارية أو سياسية أو ثقافية أو إقتصادية أوإجتماعية.. ألخ. والدليل على ما تحقق من هذه الإنجازات, ما وصلت إليه المؤشرات الدولية التي صنفت دولة الإمارات عند المرتبة الثانية بالنسبة للمجتمع العربي, وعند المرتبة الخامسة والأربعين عالمياً. فهذا إنجاز ضخم جاوز سنين البناء.

تعليقات

تعليقات