التعاون المائي مع دول مجلس التعاون هو الهدف المستقبلي ، تنمية الموارد المائية تحمي الدولة من مخاطر التبعية الغذائية بعد أن استعرضنا الموارد المائية المتاحة في دولة الامارات ودورها في عملية التنمية الشاملة, يأتي تقييم استخدامات المياه الطبيعية وغير الطبيعية في الدولة التي نتجت عن الحلول الواجب اتخاذها في المستقبل المنظور والبعيد لضمان استمرار الدور الحيوي الذي تقوم به المياه في عملية التنمية الشاملة في الدولة, كما انه من الضروري التعرض للاستراتيجيات المقترحة لحماية وتنمية الموارد المائية في الدولة. ولما كانت الدولة تعيش ومعها دول مجلس التعاون في منطقة تتداخل وتتشابك فيها مصادر المياه وتتشابه ظروفها المناخية وتشترك جميعا في ندرة الأمطار وبالتالي ندرة المياه السطحية, لذا كان من الأهمية التعرض إلى أثر كل تلك العوامل في مدى قدرة الدول المجاورة على الوفاء باحتياجاتها من المياه. والحقيقة انه لا يمكن الوصول إلى استراتيجية حماية وتنمية الموارد المائية في الدولة إلا بعد التعرف على الاحتياجات المستقبلية للدولة من وجهة نظر الباحثين الذين اجتهدوا في تحديد مطالب الدولة المائية, كذا التعرض للبدائل الفنية لتجاوز فجوة الموارد المائية, وخيارات تنمية الموارد المائية والتي تشمل أربعة أنشطة رئيسية هي ترشيد استهلاك الموارد المائية المتاحة, وتنمية هذه الموارد, واضافة موارد مائية جيدة, والتعاون في المجال المائي لدول مجلس التعاون الخليجي وليمكن في النهاية استنباط أنسب الاستراتيجيات لحماية وتنمية الموارد المائية في الدولة ومن خلال اختيار أنسب البدائل على ضوء الموارد والأهداف التي تسعى الدولة للوصول إليها, ومن خلال خطة عاجلة وخطة متوسطة المدى (عشر سنوات). ولقد فضلت عدم التمادي في زيادة فترة التخطيط عن العشر سنوات حيث ان معدل تسارع المتغيرات المناخية لم تعد بمثل معدلها البطيء منذ عقود سابقة. ولضمان ان تتناسب استراتيجية تنمية وحماية الموارد المائية في دولة الامارات مع المناخ الاقليمي كان لابد من التعرض للتعاون الخليجي في مجال حماية وتنمية الموارد المائية لئلا تتعارض الاستراتيجية المقترحة للدولة مع متطلبات الأمن المائي لدول مجلس التعاون, وليكون التعاون المائي هو الهدف خاصة المياه الجوفية الحبيسة. فمن خلال التعرف على درجة اعتماد الدول الخليجية على مصادر المياه المتعددة واحتياجاتها المستقبلية كذا بحث التعاون الحالي بين هذه الدول في مجال المياه كذا تشريعات هذه الدول التي تختص بالمياه, والتعرف على خيارات وبدائل حماية وتنمية هذه الموارد, والتعرف على الأداء الحالي لهذه الدول خاصة في مجال التعامل مع المستودعات الجوفية العميقة (الحبيسة) المشتركة, يمكن الوصول إلى أنسب أساليب للتعاون بين دول مجلس التعاون في المجال المائي وبما يضمن حسن استغلال الموارد المتاحة, وتنشيط آليات التعاون في هذا المجال ولصالح الاستفادة المشتركة من هذه الموارد. ولقد قمت بتقسيم الباب الثالث عن الاستراتيجية المقترحة لتنمية الموارد المائية في دولة الامارات إلى ثلاثة فصول تبحث في الاحتياجات المائية لدولة الامارات وأهداف التنمية ثم خيارات تنمية الموارد المائية في دولة الامارات ثم استراتيجية تحقيق تنمية الموارد المائية في الدولة. ونبدأ بالاحتياجات المائية لدولة الامارات وأهداف التنمية حيث يعتبر التعرف على احتياجات الدولة من المياه للوفاء باحتياجاتها المستقبلية في مجالات استهلاكها المتعددة في الزراعة والصناعة والشرب ذا أهمية لامكان وضع الأسس والاعتبارات والسياسات التي يجب اتباعها, خاصة في ظل ندرة الموارد المائية للدولة وزيادة تكلفة تدبير المياه من المصادر غير الطبيعية, وفي ظل الاستهلاك المتزايد للمياه خاصة في السنوات الأخيرة والتي تنامت فيها معدلات استهلاك المياه إلى الدرجة التي يمكن حال استمرارها على هذا النمط الاستهلاكي أن تؤدي إلى استنزاف غير مخطط لهذه الموارد وبالتالي يمكن أن تؤثر تأثيرا سلبيا على الجهود التنموية للدولة ويصبح تحقيق الدولة لأهدافها يشوبه الكثير من المحاذير والمخاطر. وتتعدد رؤى الباحثين والأجهزة المسئولة في الدولة عن تدبير احتياجات المياه فمنها المتفائل ومنها المتشائم, ولما كان البحث العلمي يتعامل مع الحقائق المجردة والافتراضات المنطقية واضعا في اعتباره كل ما من شأنه التأثير على هذه الحقائق لذا كان لابد من اجتهاد الباحث اجتهادا منطقيا ليمكن على أساسه استنباط احتياجات الدولة المستقبلة من المياه واضعا في الاعتبارات سلبيات وايجابيات تقويم استهلاك المياه في الدولة للمصادر المختلفة التي تستهلك المياه في مجالات الاستخدام المنزلي والصناعي والزراعي. ومع الوضع في الاعتبار أهمية التغلب على السلبيات المتعلقة باستهلاك المياه كان لزاما التعرض لكيفية ترشيد استهلاك المياه المتاحة في الدولة بمصادرها المتعددة وكيفية تنمية هذه الموارد اضافة إلى التفكير في أنسب الأساليب لاضافة موارد مائية جديدة تساهم في سد الفجوة المنتظرة بين المطالب المرتفعة والموارد المحدودة, ومع الوضع في الاعتبار ان هذه الاجتهادات لا تضع في اعتبارها امكانية التغير الحاد في ظروف الأمطار حيث لا يستطيع إنسان أن يتنبأ بها تنبؤا حرفيا. ونظرا لأن استراتيجية تحقيق حماية وتنمية الموارد المائية للدولة لا يمكن لها أن تفي بمطالب الدولة المائية خلال فترة التخطيط, كان لزاما تقسيمها إلى فترتين أساسيتين تستغرق كل منهما خمس سنوات, لضمان تقويم هذه الاستراتيجية وصولا إلى تحقيق الأهداف المرجوة منها, مع الأخذ في الاعتبار ان هذه الاستراتيجية يحيط بها العديد من المؤثرات السياسية والاجتماعية وان لم يتكاتف السكان بتغيير أنماط استهلاكهم للمياه مع جهود الحكومة فان هذه الاستراتيجيات لن يكتب لها النجاح. وتتعدد اجتهادات الباحثين في كل من احتياجات الدولة من المياه ومدى توفر المياه إلى اختلاف مصادرها وتتفاوت التقديرات بينهم مما يجعل عملية التوفيق بين اجتهاداتهم ضرورة بحثية يجب الخوض فيها بدقة متناهية واضعين في الاعتبار استهلاكات السكان المنتظرة ارتباطا بحجم السكان المتوقع كذا احتياجات الدولة للوفاء بمتطلبات السياسة الزراعية والتي تهدف إلى الحد من استيراد المواد الغذائية وايجاد نسبة معقولة من الاكتفاء الذاتي الغذائي بما يضمن عدم تعرض الدولة لمخاطر التبعية الغذائية خاصة في ظل الارتفاع المستمر لأسعار المواد الغذائية بالمقارنة مع الخفض المستمر للثروة القومية للدولة وهي البترول, وفي ظروف المحافظة على ما وصلت إليه الدولة في مجال الأمن الغذائي, كذا الاحتياجات المتزايدة للقطاع الصناعي والذي بذلت الدولة فيه جهودا كبيرة, أما ما يطمئن هو انحسار مطالب قطاع التشييد والبناء باعتبار ان الدولة قد قطعت فيه شوطا يكاد يكون مثاليا. وفي دراسة لوزارة الكهرباء والماء عام 1995 عن تقدير الطلب على المياه العذبة خلال المدة من عام 1995 إلى العام 2015 قد أوضحت ان اجمالي الطلب على المياه عام 1995م هو 372.1 مليون جالون يوميا, يرتفع في عام 2000 ليصل إلى 435 مليون جالون يوميا. وقد وضعت الدراسة في اعتبارها عدم زيادة مستوى المسحوب يوميا من المخزون الجوفي لأغراض الشرب عن 113 مليون جالون يوميا, لتحتاج الدولة إلى حوالي 36 مليون جالون اضافي يوميا باعتبار ان الطاقة الحالية في العام نفسه 1995, تساوي 420 مليون جالون يوميا. وتحتاج الدولة في عام 2005 إلى 508 ملايين جالون أي اضافة 145 مليون جالون يوميا اضافة إلى المتيسر في عام 1995, واضافة 169 مليون جالون يوميا عام 2010 واستطردت الدراسة في احتياجات الدولة حتى عام 2015 لاضافة 247 مليون جالون يوميا عام 2015 وباعتبار ان الطلب على المياه في سنتي 2010 و2015 هما 584.8/ 606.1 ملايين جالون يوميا على التوالي. واستطردت الدراسة في الطلب المتوقع على المياه في امارة أبوظبي, والشارقة, والامارات الشمالية, واضافت عليها طاقة التحلية المركبة في كل منها. ويرى الباحث بعد الدراسة والتحليل ان الدراسة اقتصرت على مياه الشرب فقط دون التعرض للاحتياجات الزراعية للدولة خلال فترة التخطيط والدراسة مما يعد قصورا في تصور الاحتياجات المائية المستقبلية للدولة, واقتصرت فقط على الاحتياجات من التحلية دون باقي المصادر, كما ان الدراسة لم تتعرض إلا للطاقة المركبة لمحطات التحلية مما يعد مؤشرا لا يعطي الدلالة الحقيقية لأداء هذه المحطات خاصة وان منها ما تجاوز عمره الخمس وعشرين عاما, وتصبح هذه الدراسة فقط أساسا يمكن مقارنته مع اجتهادات أخرى في هذا المجال عندما يرتبط الأمر بمياه الشرب المطلوبة خلال فترة التخطيط إلا ان الدراسة أعطت مؤشرا هاما وهو الاحتياج الفعلي من المياه الجوفية لأغراض الشرب والمقدر بـ 113 مليون جالون يوميا. وبدراسة احتياجات دولة الامارات من مياه التحلية حتى عام 2015 ومن خلال مؤتمر البرنامج التدريبي البيئي حول إدارة موارد المياه الذي انعقد في امارة الفجيرة بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الانمائي في نوفمبر 1997, توصل الباحثون في المؤتمر إلى ان احتياجات دولة الامارات من المياه حتى عام 2025 تتمثل في 156 مليون م3/سنة للمياه الجوفية اضافة إلى 495 مليون م3 تحلية عام 2000 وباجمالي 649 مليون م,3 وباضافة 917 مليون م3 تحلية عام 2010 وباجمالي 1073 مليون م3 وباضافة 1223 مليون م3 تحلية عام 2025 وباجمالي 1379 مليون م3. وذكرت الدراسة ان تصرفات الأفلاج تغطي حوالي 6% من احتياجات الدولة المائية, كذا فإن مياه الصرف المعالجة سوف تصبح 175 مليون م3 في عام 2000 بعد أن كانت 80 مليون م3 في العام 1997. وبمقارنة الدراسة مع الدراسة السابقة فانها تعتبر دراسة أشمل من الدراسة الأولى بحيث تتعرض لمطالب الدولة بمختلف اتجاهاتها الزراعية والصناعية والاستخدام المنزلي الا ان الدولة قد أوضحت كل ذلك من خلال التعامل بمقياس المتر المكعب وليس الجالون كما في الدراسة السابقة ولقد وضعت حدا للاستفادة من المياه الجوفية يبلغ 156 مليون م3/ سنة وبما يعادل حوالي 130% من اجمالي تغذية المياه الجوفية السنوية للمستودعات الجوفية (الغرينية) والمقدرة بحوالي 120 مليون م3/سنة, وبما يعني ان يكون الاعتماد على مياه التحلية ما نسبته 75.96% من اجمالي المصادر في عام 2000م, وما نسبته 85.46% من اجمالي المصادر في عام 2010م, وما نسبته 88.89% من اجمالي المصادر في عام 2015م, ولم تضع الدراسة في اعتبارها مياه الأمطار والسدود التي أنشأتها الدولة للاستفادة من المياه السطحية الجارية التي وصلت سعتها إلى حوالي 80 مليون م3/سنة. وبما يعني ان الدولة في احتياج إلى زيادة قدرة التحلية المقدرة في عام 1995م بحوالي 317.8 مليون م3 لتزداد في عام 2000م بمقدار 175.2 مليون م3/سنة وبمقدار 599.2 مليون م3/سنة في عام 2010 عن قدرة تحلية الدولة في عام 1995, وبمقدار 905.2 ملايين م3/سنة في عام 2025م عن قدرات الدولة في عام 1995, أي باضافة 55%, و175%, و284.8% عن قدرات الدولة في عام 1995 في أعوام 2000م, 2010م, 2025م على التوالي, ولم تتطرق الدراسة إلى امكانية اللجوء إلى المستودعات الجوفية الحبيسة, كذا لم تتطرق إلى أهمية تغذية خزانات المياه الجوفية (الغرينية) لامكان استمرار الضخ الأمني من هذه المستودعات على المدى البعيد.