في السابق كان مجرد دخول السجن ولو لفترة وجيزة للسجين بمنزله نهاية العالم وكان الماضي الملاذ الوحيد للهرب من وطأة الحاضر وهواجس المستقبل المقرون برفض المجتمع له وكانت اسرة السجين في وضع يكاد يكون اكثر حرجا من السجين نفسه ماديا ومعنويا واجتماعيا. اما اليوم فتطورت النظرة عبر ثلاثين سنة خلت لترجح كفة الاعتراف بالسجين كإنسان خطأ وبالامكان اصلاحه وتأهيله والاعتراف بحقه المشروع في احترام شخصيته الانسانية, فالسجين انسان له حقوق ولا يجوز ان تصادر لمجرد كونه سجينا ولا تتوقف حياته وحياة اسرته لمجرد دخوله السجن وهذا حق كفلته له المواثيق الدولية ونحن في سوريا لم نكن بمعزل عن العالم وبالاستناد الى نداء الامم المتحدة تشكلت جمعية لرعاية المساجين واسرهم في الداخل والخارج. تاليا قصة هذه الجمعية على لسان السجناء وزوجات السجناء خارج السجن: عبدالرزاق شيخ خليل خرج من السجن منذ سنة قال: قضيت في السجن ثلاثين عاما, عمري الآن 43 وقد ارتكبت جرائم متعددة معظمها سرقات وتعاطي مخدرات منذ عام 1974 وانا آخذ من الجمعية معونات ومساعدات مادية وعينية وفي السجن تتبرع الجمعية للسجين بكل شيء, في البداية كنا نعاني من بعض ضعاف النفوس الذين يسرقون المعونات ولكن الامر اختلف حيث يتم تسليم كل سجين بنفسه كافة المساعدات وبرأيي ان اهم مساعدة من الجمعية كانت محامي للجمعية الذي يوكل عن المساجين مجانا ويتابع امورهم والحمد الله تزوجت من شهر ولكن كلما سعيت لأعمل عملا شريفا يرفضون تشغيلي والجمعية حتى اليوم تقدم لنا المساعدات المادية. ـ السجين عبدالله محكوم اعدام منذ 13 سنة: اخذ معونات من الجمعية خرجت من السجن بعد 12 عاما من دخولي وقد عملت في السجن امين سر في الثانوية ودرست من الابتدائية حتى تخرجت من كلية الاداب ـ قسم اللغة العربية, في السابق كان وضع الجمعية سيئا ثم تبرع الاستاذ احمد الداية بأرضه وقدمها مساعدات للجمعية تقدم الجمعية المعونات المادية لي منذ 13 سنة وانا خارج السجن بمقدار 1000 ليرة شهريا بالاضافة الى المساعدات الاخرى ولدي وضع خاص لدي ابنتان وصبي والصبي مريض وانا مريض لا استطيع العمل بأي شيء لذلك كثيرا ما اذهب الى الجمعية وفي اوقات غير محددة ويقدمون لي المعونة, الآن وضعي خاص كما ترى وكنا قد التقيناه في مقر الجمعية اثناء استلامه الراتب الشهري الذي تساعده فيه الجمعية. رحلة الضياع: ـ زوجة السجين احمد قمر النداف قالت: زوجي يدخل السجن ويخرج منه بشكل دائم وبمختلف الجرائم هذه المرة دخل منذ اربع سنوات بجريمة المخدرات وحكم لست سنوات ومنذ سبع سنوات تقدم لنا الجمعية المساعدات نسكن في بيت اجرة ولدي اولاد يريدون ان يعيشوا, لم اترك عملا الا وعملت فيه اشتغلت في البيوت وفي المطاعم ثم بدأت اشعر بالحرج فعدت الى الخدمة في المنازل ماذا سأعمل بصراحة الجمعية جمعية رعاية المساجين واسرهم عرضت علي وضع اولادي في قرى الاطفال ولكن اهل زوجي رفضوا ذلك بشدة مع انهم لا يقدمون لنا ثمن ربطة خبز ولولا اعانات الجمعية لكان اطفالي ماتوا من جوعهم الجمعية تقدم لنا المساعدات وكل ما يلزم لنا. ـ فاطمة عبد الباري زوجة سجين قالت: لدي اربع بنات الكبرى عشر سنوات وزوجي يتعاطى المخدرات ومنذ تسع سنوات وهو يخرج ويدخل ايضا الى السجن وتقدم الجمعية لنا المساعدات المادية والثياب في الاعياد نعيش على تبرعات من فاعلي الخير اما اهلي واهل زوجي فلا يتبرعون لنا بأي شيء وليس باستطاعتي العمل فبناتي لا استطيع ان اتركهن وقد خرج زوجي الآن من السجن منذ اسبوع ولكنه مريض بالسل وحاليا يرقد في البيت. دور جمعية رعاية المساجين واسرهم في دمشق تأسست جمعية رعاية المساجين واسرهم عام 1961 في دمشق بنداء من الامم المتحدة المربي احمد الداية احد مؤسسي الجمعية قال: سارع الى تأسيس الجمعية نخبة من المربيين والعلماء وهذه الجمعية هي احدى الجمعيات المنتشرة في كافة محافظات القطر والتي يضمها اتحاد جمعيات المساجين ومقره دمشق وتعتبر جمعية دمشق هي الرائدة في مجال الرعاية والتعليم والتأهيل للنزلاء واهداف جمعية رعاية المساجين واسرهم في دمشق كثيرة جدا وتتطور باستمرار وتتنوع وفقا للحاجات الملحة واهم اهداف الجمعية المساهمة في محو امية السجناء وتقديم كل الدعم المادي واللوازم بالمجان بالاضافة الى المكافآت العينية والنقدية للمتفوقين وقد وصلنا الى مستوى متقدم لذلك وحققنا نتائج جيدة في التعليم لكافة المراحل في السجن ايضا من اهداف الجمعية اشراك كافة النزلاء بالعمل في جميع مواقعها في السجن حتى بات ما يعرف لدينا بنظام التيسير الذاتي وهم يخدمون انفسهم بانفسهم من خلال الندوات المعدة للبيع لكافة المواد التي يحتاجها النزيل ضمن التسعيرة النظامية وبمراقبة واشراف مدير السجن كما تكلف الجمعية عددا من المحامين لمتابعة قضايا النزلاء الفقراء لدى القضاء في كافة المحاكم بالمجان .. ايضا تقدم الجمعية الاعانات المادية والعينية بشكل شهري ودوري للفقراء من النزلاء ولاسرهم لقد تطورت نشاطات الجمعية اليوم كثيرا عن السابق حيث تمثل الدور الابرز في رعاية المساجين داخل السجن هذا من جانب. اما الجانب الآخر للجمعية وهو ايضا هام فهو الرعاية والعناية للسجناء بعد انقضاء عقوبتهم بخروجهم من السجن وكذلك الاهتمام بأسر السجناء في الخارج واعانتهم ماديا ومعنويا وحسب كل حالة تقدر الاعانة. الرعاية اللاحقة: لا تكتفي الجمعية بتقديم الرعاية والدعم للسجناء في السجن بل تتعدى ذلك الى دراسة اوضاع اسر السجناء الفقيرة. التقيت المحامي زهير بدوية امين سر الاتحاد لجمعيات رعاية المساجين في القطر فقال: الجمعية هدفها انساني بالدرجة الاولى لذا نركز على العائلات الفقيرة من اسر السجناء كذلك فالجمعية تقوم بالتوسط لدى ادارة السجن لحل مشكلات اسر السجناء مع السجناء انفسهم وتقوم بدراسة اوضاع السجناء الخارجين من السجن وتتابع لهم امورهم فيما بعد لدى كافة الدوائر الرسمية وتسعى لتأمين فرص العمل للسجناء الخارجين من السجن خاصة لدى بعض الشركات الخاصة وبكفالة من الجمعية تشرف جمعيتنا ايضا بتعاون مع وزارة الشئون الاجتماعية والعمل ووزارة الداخلية على سجن النساء وتقدم لهن جميع الخدمات المذكورة وحاليا عملنا تعدى ذلك الى معاهد الاحداث حيث نعمل على تحسين اوضاع الاحداث خاصة بعد الاطلاع على واقعهم السيىء جدا, ويتم تقديم الاعانات العينية والمادية لهم ومؤخرا قامت الجمعية باصلاح الاسرة في معهد الغزالي وقدمت بمناسبة عيد الفطر 200 بطانية وعددا من الالبسة الداخلية والخارجية لكافة احداث معهد الغزالي وقامت الجمعية بتعيين محام لمتابعة قضايا الاحداث لدى القضاء العادي والعسكري ضمن دمشق وخارجها ولا يزال لدى الجمعية العديد من المشاريع الخاصة بالرعاية الاجتماعية والانتاجية التي تخدم السجين ضمن السجن وخارجه. حاليا اقوم بجولة في باقي المحافظات لتنشيط اعمال الجمعية في كل محافظة ليرتقي العمل الى مستوى جمعية رعاية المساجين في دمشق وقد حصلنا مؤخرا على رخصة من المحافظة لعشرة اكشاك لتشغيل السجناء الخارجين من السجن لما يعانونه في بداية خروجهم اثناء بحثهم على العمل حيث لاتنفع الشهادات في معظم الاحيان لهؤلاء الذين ارتكبوا الجرائم فلا يجدون من يثق بهم والمجتمع لا يرحم لذلك نسعى لتأمين فرص عمل لهم بالتدخل لدى بعض الادارات والجهات العامة والخاصة ولكن كلنا نعرف ان فرص العمل قليلة للشباب بشكل عام فما بالنا بنظرة المجتمع لهؤلاء المساجين. تقدر ميزانية الجمعية ونفقاتها 1999 بحوالي تسعة ملايين ليرة كنفقات للجمعية في دمشق فقط وبمقدار 2.5 مليون اعانات نقدية للمساجين واسرهم خلال العام نفسه وتقدم الاعانات حسب الدراسة التي تقوم بها على اسرة السجين والحالة الاجتماعية وتقرر المساعدة وفقا لذلك وتعطي الجمعية هذه المصاريف من خلال استثمارها داخل السجن لبعض الندوات ومن انتاج الخرز حيث وصل ايراد الخرز على سبيل المثال الى مليون ليرة في عام 1999. اما ايراد المواد الغذائية فوصل الى 1800000 ليرة تقريبا للعام نفسه بالاضافة لباقي الايرادات والتبرعات.