(معظم السود لا يفكرون بالطريقة نفسها. لكن معظم السود يصوتون بصورة متشابهة) . هذا ما يقوله جي. سي واتس, وهو عضو جمهوري أسود في الكونجرس عن ولاية أوكلاهوما. إن ذلك الفصل بين تنوع الآراء لدى السود وشبه الاجماع في دعم الديمقراطيين دفع جورج بوش, المرشح الجمهوري المحتمل للرئاسة إلى زيارة بالتيمور, مؤخرا, لالقاء خطاب في الاجتماع السنوي للجمعية الوطنية لتقدم الملونين, وهي أكبر منظمة سياسية للسود. وباقتباسه أقوال أبطال مثل جاكي روبنسون, وهو أولا لاعب بيسبول أسود محترف ودبليو. ئي. بي. دو بويز, وهو أحد مؤسسي الجمعية الوطنية لتقدم الملونين, حاول بوش أن يضع حجر الأساس لعملية مصالحة بين حزبه والسود من خلال الاقرار بأن العنصرية لا تزال قائمة في الولايات المتحدة (الأمر الذي أنكره بعض الجمهوريين) ومن خلال القول بأن (حزب لينكولن لم يحمل دائما عباءة لينكولن) . وأشار بوش إلى عملية اصلاح المدارس في تكساس, التي رفعت من مستويات التعليم لدى طلاب الأقليات, وذهب إلى القول بأن (النزعة المحافظة الرحيمة) قدمت بديلا أفضل للفقراء السود من البرامج التقليدية للحكومة الكبيرة. كان التصفيق على الخطاب دبلوماسيا والاستجابة المباشرة مهذبة إن لم تكن متشككة. وذهب الكاهن سيدني داينيلز, وهو زعيم ناشط في مجال الحقوق المدنية ـ ذهب إلى القول بأنه (وعلى الرغم من جميع الوعود التي قطعها (بوش) على نفسه, إلا انه لا يزال يؤمن بالفكرة القائلة بأن المصالح الشخصية يمكن أن تطغى على عمل الحكومة) . لكنه امتدح بوش لمجرد ظهوره. ويقول ديفيد بوسيتيس ان الجمهوريين يحصلون باستمرار على مجرد 10% من أصوات السود بزيادة أو نقصان 5%, ويعمل بوسيتيس محللا سياسيا بارزا في المركز المشترك للدراسات السياسية والاقتصادية, وهي مؤسسة فكرية للسود في واشنطن. ولا تزال النسبة التي حققها بوب دول في أوساط الناخبين السود في عام 1996 والبالغة 13% أفضل نتيجة حققها الحزب الجمهوري_ الأمريكي منذ الرئيس دوايت ايزنهاور. وهذه ليست بالأنباء السيئة للحاكم بوش فقط, وإنما هي أنباء سيئة لسود أمريكا. فعلى الرغم من ان اندماجهم الطويل مع الحزب الديمقراطي قد سمح لبعض القادة السود بالبروز, إلا ان ذلك كان في معظم الوقت صفقة خاسرة. فالمرشحون الديمقراطيون يمكن أن يقدموا وعودا رمزية للسود يمكن بعد ذلك وضعها جانبا على نحو مريح بينما يندفعون إلى الوسط لكسب الأصوات المتأرجحة حسبما يقول فلويد فليك وهو عضو سابق في الكونجرس عن الحزب الديمقراطي من نيويورك. وفي غضون ذلك, فإن الجمهوريين الذين يقرأون نتائج استطلاعات الرأي, لا يزعجون أنفسهم أبدا بتقديم أية وعود لها معنى في المقام الأول. ومن ناحية نظرية, يملك الجمهوريون الكثير مما يجعلهم مستساغين لدى السود, الذين يصفون أنفسهم في الغالب بأنهم أكثر محافظة من البيض بخصوص مجموعة واسعة من القضايا. وفي استطلاع للرأي أجراه المركز المشترك للدراسات السياسية والاقتصادية في عام 1999, كانت نسبة السود ضعف نسبة البيض بين المواطنين الذين اعتبروا الجريمة والعنف والمخدرات أهم المشكلات التي تواجه البلاد. كما ان السود أكثر تأييدا من البيض للضمانات التعليمية. ومعظم السود يعارضون الاجهاض ويدعم ثلاثة من بين كل أربعة أمريكيين سود اقامة الصلاة في المدرسة. وقد يتصيد الجمهوريون الأصوات السوداء بقضايا الداخل. فمنذ عام 1970, انتقلت حوالي مليوني عائلة سوداء إلى الطبقة المتوسطة (أي التي تكسب أكثر من 50 ألف دولار في السنة وفق معدلات عام 1997). ومن الصعب معرفة السبب الذي يجعلهم أكثر تحمسا لبرامج الفقر الديمقراطية من برامج جيرانهم البيض. وتؤيد غرفة التجارة الخاصة بالسود الغاء ضريبة الارث. بل ان واتس اقترح ان السود يتعين عليهم أن يؤيدوا حسابات التقاعد الفردية الخاصة بدلا من تأييدهم للنظام الحالي الخاص بالضمان الاجتماعي المضمون من قبل الدولة. فهم يموتون في سن أصغر من البيض. وتعود أموال الضمان الاجتماعي غير المستحقة إلى الحكومة, لكن مدخرات التقاعد الخاص يمكن توريثها للعائلة. إذن هل ستنجح مناشدة بوش في تغيير العقول؟ إن هذا لن يحدث إذا كان رد الفعل الأخير في اجتماع بالتيمور يمثل نموذجا على ذلك. وبعد ساعة من مغادرة بوش وطواقم الاعلام, وقفت ماكسين واترز, وهي عضوة في الكونجرس عن الحزب الديمقراطي من لوس انجلوس, خطيبة في الجمهور. وقد صرخت قائلة: (عندما نعطي الناس فرصة للحديث إلينا, فإن عليهم أن يفعلوا أكثر من مجرد اقتباس أقوال أبطالنا السود. وعندما نمنحك فرصة الصعود على منصتنا, تعال مستعدا لمناقشة الأمور معنا. فنحن نتحدث عن الاساءة التي يتعرض لها السود من جانب الشرطة لمجرد انهم سود) . حينها انفجرت القاعة بالتصفيق والهتاف. وفي خارج القاعة أيضا, كان وينديل أنتوني, رئيس فرع ديترويت للجمعية الوطنية لتقدم الملونين (وهي الأكبر في البلاد) أكثر فظاظة في حديثه عن بوش حيث قال واصفا خطابه بأنه (خطاب فارغ وتخل عن المسئولية, فقد فشل على نحو بائس في مخاطبة همومنا) . قد يكون الجمهوريون بالفعل حزب ابراهام لينكولن لكن الديمقراطيين أصبحوا حزب فرانكلين روزفلت. إن حركة (النهج الجديد) لديها الكثير مما تقدمه لفقراء السود. وكان السود والجمهوريون قد انفصلا عن بعضهما بعد ذلك بثلاثة عقود. وقد نجحت (الاستراتيجية الجنوبية) الجمهورية في الستينيات في استقطاب البيض الجنوبيين إلى الحزب من خلال معارضة الحقوق المدنية. ويروق لبيل كريستول, محرر مجلة (ويكلي ستاندرد) , أن يزعم بأن لكل ناخب تجربة سياسية تشكيلية وبالنسبة للعديد من الناخبين السود, فإن تلك التجربة كانت حقبة الحقوق المدنية. وفوق كل ذلك, فإن هناك انعداما جوهريا للثقة في الحزب الجمهوري. ويذهب بوسيتيس إلى القول بأنه (إذا كنت لا تثق, فإن القضايا لا تكون لها علاقة بالموضوع في واقع الأمر) . ويضيف قائلا بأن الجمهوريين يزيدون من تعقيد مشكلاتهم عن طريق القيام (بمهام حمقاء) مثل الدفاع عن العلم الاتحادي وزيارة جامعة بوب جونزو ومعارضة تعيين القضاة والسفراء السود. غير انه على المستوى المحلي تبدو الآمال الجمهورية بتحقيق نوع من اعادة الترتيب المتواضعة أكثر واقعية. وكما يوضح بوستر سواريز, وهو مستشار لحاكمة نيوجيرسي الجمهورية كريستين تود ويتمان, (فإن هناك الكثير من السلطة السياسية للسود بدون مكسب يقابل ذلك في مستوى الرفاه) . وقد حقق بعض الحكام الجمهوريين نتائج طيبة مع الناخبين السود. فقد كسب جون انجلر 27% من أصوات السود في ميتشيجان في عام 1998, وهي النسبة نفسها التي حصل عليها بوش في تكساس, كما حققت ويتمان نتيجة طيبة على نحو مماثل في نيوجيرسي. وكانت النتائج التي حققها رؤساء البلديات الجمهوريون مثل بريت شوندلر في مدينة نيوجيرسي أفضل من ذلك. ويمتاز هؤلاء الجمهوريون المحليون ومن هم على مستوى الولاية بأنهم أكثر براجماتية من زملائهم في الكونجرس. فهم أقرب إلى الشعب, كما انهم تغلبوا على معضلة فقدان الثقة لدى السود وذلك عن طريق جعل سياساتهم تتحدث عن نفسها. وهم ينتمون في غالبيتهم إلى الشمال - الشرقي والغرب الأوسط حيث توجد نسخة ألطف وأكثر قبولا من مبادئ الحزب الجمهوري. ويقول بوسيتيس عن هؤلاء (انهم حزب جمهوري مختلف) . ولا أحد يتوقع أن ينجح بوش في اقتناص 27% من المجموع العام للناخبين السود في عام 2000. ولا يمكن لأي مرشح أن يستعيد نية حسنة فقدت على امتداد نصف قرن. لكن الانتخابات المستقبلية قد تكون مغايرة تماما. ويقول كريستول: (انه يحتاج لأن يتم انتخابه من أجل تنفيذ تلك الأشياء) , ويعتقد انه إذا ما انتخب جورج بوش (المتعاطف) في العام 2000 فسيكون بمقدوره أن يضاعف قاعدته الانتخابية في أوساط السود في عام 2004. ويروي ستيفن هاس, وهو باحث سياسي من معهد بروكنجز للدراسات الاستراتيجية قصة (مشكوكا في صحتها على الأرجح) عن بريجهام يونج. وكان هذا الشخص الحالم من طائفة المورمون قد وصل إلى يوتا مع أتباعه وأصدر على الفور مرسوما بأن يكون نصفهم ديمقراطيين ونصفهم الآخر جمهوريين, وبهذه الطريقة لن تؤخذ أصواتهم كأمر مسلم به. وستكون أمريكا مكانا أفضل بتحول المزيد من السود إلى جمهوريين. وهذه ليست نقطة انطلاق سيئة. عن (ايكونوميست) ترجمة: ضرار عمير