وقف رجل في السبعين من عمره وسط مجموعة كبيرة من الشبان والاطفال وخط بعكازه عددا من الخطوط والرسومات على الارض, وقال هنا كانت مدرسة القرية وهذا الشارع المؤدي الى الخليل وفي تلك الجهة كانت الاراضي تزرع بالقمح. وواصل اللاجىء الفلسطيني ذو السبعين حديثه بمرارة فيما حملق عدد من الاطفال طويلا في الرسومات التي خطها على الارض وتساءل احدهم ببراءة أين كان يسكن جدي أبوسعيد وعائلته؟ هذا المشهد كان جزءا من فعاليات شعبية وجماهيرية اطلقها مؤخرا نشطاء منظمات جماهيرية وشبابية في المخيمات الوسطى بقطاع غزة ضمن حملة استحقاق العودة لتأكيد تمسك اللاجئين بحقهم في العودة الى قراهم التي شردوا منها العام 1948. أهالي قرية الفالوجا التي دمرها الاحتلال عام 1948 بعد حصار استمر نحو 6 شهور تجمعوا مساء امس في ساحة احدى المدارس التابعة لوكالة الغوث لرعاية اللاجئين في مخيم البريج وبدأوا يروون لأحفادهم ذكرياتهم عن البلدة وكيف سقطت في ايدي عصابات الاحتلال ورحل غالبية سكانها الى مخيم البريج حيث يعيش معظمهم هناك حتى اليوم. ويوم أمس كان مخيم البريج على موعد مع (يوم الفالوجا) هكذا اسماه الأهالي وحاول ابناء القرية خلاله رسم الملامح الرئيسية لقريتهم ليس لتنطيع الذاكرة في اذهان ابنائهم فحسب بل ولرسم هذه الخريطة كوثيقة تاريخية في ايديهم. وفي مدرسة البريج كان كل شيء يشعرك انك بين اناس يسكنهم حنين العودة الى بلدانهم وقراهم الاصلية بقوة. وفي مخيم البريح الاعدادية يتكثف هذا الشعور بشكل كبير وعلى مدخل المدرسة نصب الاهالي خيمة كبيرة في اشارة رمزية الى رحلة اللجوء والمعاناة التي مروا بها خلال 52 عاما هي عمر النكبة الى جانبها يمكن مشاهدة لافتة كبيرة تقول (لن نموت مشردين) . مجموعة من الأهالي من مختلف الاعمار والفئات تتحلق حول رجل مسن وهو يروي ذكرياته عن القرية والأيام الحلوة التي عاشها فيها وهناك من بين الحضور الحاج أبوبديع السعافين (70 عاما) الذي بدأ حديثا في رسم خريطة لقرية الفالوجا وكأنه غادرها أمس ولم يتردد في خوض نقاشات حامية مع اقرانه كبار السن بسبب خلافه معهم على تحديد موقع أو منطقة داخل البلدة. وقال السعافين: هذه المدرسة وهذه الطريق المؤدية الى الخليل وترقوميا وهناك كانت الارض مزروعة بالقمح وكانت سيارات الليمون والتفاح. ويتوقف برهة محاولا تجميع الصورة في ذاكرته ويعود ليقول وهو يشير الى موقع آخر في البلدة هنا يقع وادي القرى الذي كنا نسميه (المحورة) القادم من قرية العراق الشرقي. ويتابع: في هذه المنطقة يقع منزل عائلة الكنز ويبتسم الشاب اسامة (36 عاما) والذي امضى سنوات طويلة في سجون الاحتلال وينظر الى ابنه بعطف ويقول هذه الاحاديث تثير في داخلي اصرارا قويا على حقي بالعودة الى الفالوجا. ويضيف: اشعر بالرغبة الجارفة لتأكيد حقي وحق كل لاجىء في العودة الى ارضه وبيته ولهذا احضرت كل اولادي الصغار ليسمعوا عن بلدتهم وكيف شردوا آبائي واجدادي من هناك. ويقول ابنه محمد (6 اعوام) بعفوية: يا ريت اعود اليها.. ويطرق رأسه خجلا الا ان علامات السعادة ترتسم على وجهه بوضوح. الحاج السعافين واصل حديثه الى الاهالي عن القرية وعاداتها وعدد العائلات واشهر سكانها وتحصيلهم العلمي لكنه لم ينس ان يتحدث عن حصار الفالوجا الذي بدأ يوم 14 اكتوبر 1948 واستمر حتى يوم 4 فبراير 1949 ويقول بدأ الحصار ثالث ايام عيد الاضحى المبارك وبدأوا في قصف البلدة بالطائرات واوقعوا كثيرا من الشهداء والجرحى وكنا ندفن الشهداء في مكان استشهادهم بسبب عدم استطاعتنا ان ندفنهم في مقبرة القرية التي كانت مكشوفة لنيران العصابات اليهودية. ناهض الريس عضو المجلس التشريعي ومدير حملة استحقاق العودة قال ان هدفنا ان يعرف اطفال اللاجئين ماذا حصل لأهلهم ولماذا هم موجودون في هذه المخيمات الحالية. يخاطب الريس الاطفال ويقول: لا تكونوا ريشة في مهب الريح وانتم حجارة البلد وتلالها ومستقبلها ويفرح الاطفال ويصفقون طويلا ويتطلعون الى اجدادهم باعجاب وربما بشفقة. ويعلق احد المشاركين في الفعاليات بقوله: اليوم قرية الفالوجا وغدا اسدود وبعدها قرية اخرى من قرى فلسطين.. لن ننسى ولن ندع اطفالنا ينسون.