كيف يمكن فهم اصرار الولايات المتحدة على اقامة نظام دفاعي صاروخي متطور في الوقت الذي تدعو فيه الولايات المتحدة الدول الكبرى الى نزع السلاح النووي والكيميائي والبيولوجي؟ وكيف يمكن فهم تهديد الولايات المتحدة دولا مثل كوريا الشمالية والهند وباكستان اذا ما استأنفت تجاربها النووية في الوقت الذي تقوم فيه واشنطن بتجربة تلو الاخرى؟ الحجة الامريكية الرسمية من وراء اقامة النظام الامريكي المضاد للصواريخ هي امتلاك نظام صاروخي دفاعي يمكن استخدامه اعتبارا من عام 2005 وهو العام الذي قدرت الدوائر الاستخبارية الامريكية امتلاك كوريا الشمالية القدرة على انتاج صواريخ بعيدة المدى تصل الى ولاية الاسكا الامريكية محملة برؤوس نووية حيث تزعم الادارة الامريكية ان النظام المضاد للصواريخ موجه ضد دول متوسطة مثل ايران وكوريا الشمالية والعراق وليس روسيا والصين !! وبالرغم من ان النظام الصاروخي الذي تم تصميمه وانتاجه واختباره لم يثبت جدواه بشكل علمي لحماية المدن الامريكية حيث فشل الصاروخ الدفاعي الاعتراضي مرتين من اصل ثلاث مرات في اصابة الهدف, فإن الادارة الامريكية تصر على الاستمرار في المشروع اذ انه من المقرر اجراء 16 تجربة في السنوات الخمس المقبلة تحتاج كل منها لمعدات اعلى تقنية عن التجربة السابقة وبتكلفة تقدر بنحو 60 مليار دولار علما بأن العلماء يشكون بقدرة مركبات النظام الصاروخي وتقنياته فضلا عن امكانية خداع الصاروخ الاعتراضي التدميري بوساطة بالونات او اجسام طائرة رخيصة. وبالرغم من ان التجارب الامريكية هذه تلقى معارضة روسية وصينية واوروبية وتنذر بانطلاق سباق تسلح جديد, خصوصا من قبل الصين وروسيا وبالرغم من انها تهدد بنسف معاهدة الصواريخ المضادة للصواريخ الباليستية (اي بي ام) الموقعة بين الاتحاد السوفييتي السابق والولايات المتحدة عام 1972 فإن الادارة الامريكية لا تعطي اهمية للمعارضة الدولية هذه ولامكانية حدوث سباق تسلح جديد وللآثار المدمرة على المعاهدات والاتفاقيات الدولية بشأن الحد من التسلح, من الواضح ان الولايات المتحدة باستمرارها في تجاربها هذه لا تبالي بمصداقيتها وتظهر نفسها كدولة لا يهمها الامن والسلام الدوليان بقدر ما يهمها التفوق العسكري على سائر القوى في العالم واخضاع البشرية لارادتها من خلال امتلاك جميع ادوات ووسائل الابادة والتدمير. وفي الواقع مثل هذا الامر لا يمكن فهمه الا في اطار سعي الولايات المتحدة للتفرد بقيادة العالم وفقا لاستراتيجيتها في الالفية الثالثة (لا تنازل عن قيادة العالم وسيادته) حيث مع انهيار الاتحاد السوفييتي وحرب الخليج الثانية وحرب البلقان وتهميش الامم المتحدة ودورها تشعر الولايات المتحدة باستقرار القيادة العالمية بين يديها وبغية الاستمرار في السيادة العالمية فإن العقل الامريكي السياسي منكب على اعداد الدراسات الاستراتيجية الشاملة بالوسائل العسكرية والاقتصادية والسياسية والامنية بل ان هذا العقل يعتقد بأن السيادة الامريكية على العالم ستؤدي الى تحقيق السلام العالمي حتى لو كان هذا السلام من خلال اقامة النظام الدفاعي الصاروخي وزرع الاساطيل العسكرية والقدرات النووية في كل مكان من العالم, بيد ان مثل هذا المفهوم الخطير لعالمية الولايات المتحدة على حساب العالم لا يهدد بتنامي النزعات الانعزالية في العلاقات الدولية وبالقضاء على المبادىء والقيم في العلاقات الدولية فضلا عن افراغ المعاهدات والاتفاقيات والمؤسسات والهيئات الدولية من مضمونها فحسب بل بظهور تحالفات عسكرية دولية جديدة في مواجهة محاولات الهيمنة الامريكية وعليه فإنه من الثابت ان استمرار تجاهل الولايات المتحدة للمعارضة الدولية لتجاربها الصاروخية الدفاعية سيؤدي الى بروز تحالف عسكري روسي صيني كبير للحد من آثار النظام الامريكي المضاد للصواريخ على التوازن العالمي الهش, حيث تعتقد الصين ان الولايات المتحدة من خلال نشر الصواريخ الميدانية (تي ام دي) في شمالي اسيا بالتعاون مع اليابان وكوريا الجنوبية تهدف الى ضم تايوان الى دائرة الحماية الامريكية الامر الذي تعده الصين مساسا بمبدأ الصين الواحدة وتدخلا في شئونها الداخلية, وانطلاقا من الموقف الصيني هذا تعمل الولايات المتحدة للحيلولة دون قيام تحالف صيني ـ روسي والى حرمان الصين من التكنولوجية العسكرية المتطورة خصوصا من اسرائيل التي اضطرت تحت الضغوط الامريكية الى إلغاء صفقة طائرات انذار مبكر من طراز (فالكون) للصين. روسيا التي اقترحت نظاما دفاعيا مشتركا بدلا من النظام الامريكي المضاد للصواريخ تعتقد انه من شأن النظام الامريكي المذكور نسف معاهدة الصواريخ المضادة السوفييتية الامريكية الموقعة في عام 1972. وفي مواجهة الاصرار الامريكي على الاستمرار في التجارب الصاروخية تتجه روسيا الى اقرار عقيدة جديدة لسياستها الخارجية عمادها الرهان على اسيا في مواجهة الهيمنة الامريكية وذلك من خلال اقامة تحالف عسكري مع الصين وتطوير علاقاتها العسكرية مع ايران والهند وكوريا الشمالية وتعزيز علاقاتها الاقتصادية مع اليابان ونفوذها في اسيا الوسطى بغية اقامة عالم متعدد الاقطاب في العلاقات الدولية, بل حسب وزير الخارجية الروسي ايغور ايفانوف فإن العقيدة الروسية الجديدة تتضمن اللجوء الى الاجهزة السرية عندما لا تكون الوسائل الدبلوماسية كافية لمنع الهيمنة الامريكية. في الواقع مع احساس العالم ولا سيما الدول الكبرى مثل الصين وروسيا بأن التوجه الامريكي الخطير يضع العالم وشعوبه تحت رحمة الاسلحة الامريكية المدمرة فإن هذا التوجه قد يؤدي الى حدوث انقلاب في العلاقات الدولية على نحو خطير, ويعيد الى الاذهان اجواء الحرب الباردة رغم اختلاف الظروف والمعطيات فالتعاون في مجال اسرار الاسلحة بين الصين وروسيا وكوريا الشمالية كاف لتصنيع اسلحة متطورة لمواجهة اثار النظام الامريكي الصاروخي المضاد الذي تصر الولايات المتحدة على اقامته وأضحى من الثابت انه كل سلاح امريكي جديد بغية فرض الهيمنة على العالم تبحث موسكو وبكين عن سلاح مقابل يحقق التعددية القطبية. في النهاية ينبغي القول ان الحجج الامريكية الزاعمة بأن الهدف من اقامة النظام الدفاعي الصاروخي هو الحماية من هجوم نووي كوري شمالي او عراقي او ايراني امر يفتقر الى الدقة لا لأن هذه الدول ليست لديها القدرات التكنولوجية والتقنية اللازمة لانتاج هذه الاسلحة بل لان هذا النظام يهدد الاسس والاتفاقيات الدولية وينذر بسباق تسلح جديد يهدد الامن والسلام الدوليين, فضلا عن ان مثل هذا السباق سيكلف البشرية قدرات مالية هائلة على حساب التنمية والنمو في وقت تعاني البشرية فيه من تحديات جمة اقلها الجوع واكثرها ما يحدث في كوكبنا من تغيرات بيئية هائلة. بقلم: خورشيد دلي