كثر الحديث في الآونة الأخيرة حول برامج الصواريخ المضادة للصواريخ, لاسيما بعد طلب الولايات المتحدة تعديل معاهدة الصواريخ المضادة للصواريخ (إيه.بي.إم) الموقعة مع روسيا عام 1972 وسعيها لاقامة نظام دفاعي صاروخي مضاد للصواريخ (National Missile Defence) N.M.D وهو ما رفضته كل من روسيا والمانيا وفرنسا وغيرهم من الدول الكبرى في أوروبا وآسيا. لأنه يعد إحياء لمبادرة الدفاع الاستراتيجي المعروفة (بحرب النجوم) وقد حذرت الدول التي عارضت مشروع الدفاع الصاروخي الأمريكي NMD من أن هذا المشروع سيطلق سباق التسلح الصاروخي والنووي في مناطق كثيرة من العالم, وبما يعيد أجواء الحرب الباردة مرة أخرى, كما هددت روسيا بالغاء اتفاقية (ستارت-2) التي أقرها مجلس الدوما أخيرا في حالة مضي الولايات المتحدة قدما في هذا المشروع, أو إنتهاك الولايات المتحدة لمعاهدة الصواريخ المضادة للصواريخ وقد تنسحب أيضا من كل اتفاقيات الحد من الأسلحة الاستراتيجية وربما التكتيكية أيضا, خاصة وأن نظام اتفاقيات الرقابة على التسلح هيكل معقد وهش, وبمجرد اضعاف أحد عناصره الأساسية يتزعزع النظام بالكامل. فكرة المشروع الأمريكي للدفاع الصاروخي تنهض فكرة المشروع الأمريكي للدفاع الصاروخي NMD على أساس اقامة درع واق من الوسائل المضادة للصواريخ البالستية والصواريخ عابرة القارات, سواء حول الحدود الأمريكية, أو في المناطق المتواجد بها مصالح أمريكية مهمة.. مثل منطقة الخليج وشرق آسيا والشرق الأوسط. وتبرر الولايات المتحدة ذلك ببروز تهديدات من قبل دول أطلقت عليها واشنطن الدول (المشاغبة) أو (المارقة) مثل كوريا الشمالية التي أجرت في أغسطس 1998 تجربة حية على صاروخها (تيبودنج-1) الذي سقطت أجزاء منه فوق اليابان, وتطور الآن الجيل الثاني من هذا الصاروخ الذي يتوقع أن يتراوح مداه ما بين 4500:6000كم وبذلك يمكن أن يغطي جزر (هاواي) والساحل الشرقي للولايات المتحدة وولاية آلاسكا, كما تطور ايران أيضا صاروخها (شهاب3) الذي قد يتعدى مداه 2000كم. وتفترض وكالة المخابرات الأمريكية أن بإمكان هذه الدول حاليا أن تسلح صواريخها برؤوس ذات دمار شامل كيميائية وبيولوجية, وفي غضون خمس سنوات برؤوس نووية, وهو ما يعني تهديد الشعب الأمريكي في عقر داره, والبنية الأساسية المادية والمعلوماتية للولايات المتحدة بغرض تدميرها وإحداث اضطراب وفوضى مالية واقتصادية. ويمضي تقرير الـ CIA فيوضح أن الخمس عشرة سنة المقبلة سترفع من حدة هذا التهديد إذا لم يجابه بوسائل دفاعية فعالة مضادة لصواريخ, خاصة مع احتمال فشل استراتيجية الردع في تحقيق أهدافها. وقد تجدد الحديث عن هذا المشروع منذ منتصف التسعينيات عندما أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية أنها بدأت أبحاث على خمسة أنظمة مضادة للصواريخ في اطار سلسلة من التجارب الدفاعية التي ترتبط بمشروع الدفاع الاستراتيجي المطروح داخل الولايات المتحدة من الثمانينيات, والذي يتضمن امكانية اقامة نظم اقليمية للدفاع ضد الصواريخ في عدة مناطق من العالم, وتصاعد الدعوة في الكونجرس ودوائر أخرى مسئولة عن صنع القرار السياسي في أمريكا لاحياء برنامج (حرب النجوم) بعد فشل واشنطن في تقييد تصدير تكنولوجيا الصواريخ البالستية الى عدة دول تعتبرها الولايات المتحدة معادية لها, لاسيما وأن الجانب الاقتصادي لتصدير الأسلحة والتكنولوجيا هو الذي يدفع الدول الكبرى المالكة لها الى بيع منتجاتها لكل دولة قادرة على الدفع مهما كانت هويتها الايديولوجية. ويتكون النظام الدفاعي الصاروخي الأمريكي من الآتي: منظومة استطلاع وانذار مبكر واتصالات فضائية وجوية تعتمد على أقمار تجسس وانذار تكشف مكان ولحظة اطلاق الصواريخ المعادية وتبلغها فوريا الى أقمار الاتصالات التي تنقلها الى مركز انذار رئيسي في (بامكي) بولاية كولورادو يتبعه مراكز انذار أرضية فرعية في مناطق مهمة من العالم مثل بريطانيا, واسرائيل, وتايوان, وكوريا الجنوبية, واليابان, والخليج. بحيث يتم تبليغ الانذار الى هذه المراكز فيما لايزيد على 6.1 دقيقة من لحظة اطلاق الصاروخ المعادي. ويدعم هذه المنظومة طائرات استطلاع وانذار مبكر وقيادة وسيطرة (أواكس) و(E2C ), بالاضافة الى أنظمة رادارات أرضية تعمل في نفس الاطار. منظومة قيادة وسيطرة وتحكم مركزية في الولايات المتحدة, يتبعها مراكز قيادة وسيطرة فرعية في هذه الدوائر الاقليمية السابق الاشارة اليها. ومن أبرز البرامج الجاري تطويرها في الولايات المتحدة في هذا المجال, والتي تحوي أجهزة رصد واستشعار متعددة بجانب الانذار المبكر والقيادة والسيطرة الأحدث تكنولوجيا, ما يعرف بـ(مركز القيادة المتكامل المتعددة لاستشعار المحمول جوا) والمحمل في طائرة بوينج 777 مزودة أيضا بوسائل متعددة للحرب الالكترونية. ومهمة هذه المنظومة تلقي الانذار بالضربة المعادية, وتخصيص المهام للوسائل الايجابية والسلبية للرد عليها باحباطها مبكرا أو اعتراضها في الجو وتدميرها, واتخاذ القرار بشن الضربات الانتقامية, واجراءات ازالة آثار الضربات المعادية بعد تقييم نتائجها وآثارها. ذلك فإن مراكز القيادة والسيطرة المعنية في هذا الشأن توضع تحت سيطرتها أسراب المقاتلات والقاذفات في قواعد جوية معادية, وصوامع الصواريخ عابرة القارات والبالستية النووية, والغواصات حاملة الصواريخ النووية, بالاضافة لوحدات الصواريخ المضادة للصواريخ ووسائل الاعتراض الأخرى مثل أسلحة الطاقة الحركية K.E.W وأسلحة الطاقة الاشعاعية D.E.W وصواريخ الطاقة الكامنة. منظومة صواريخ مضادة للصواريخ قادرة على اعتراض الصواريخ عابرة القارات, والصواريخ البالستية متوسطة المدى, وقد نجحت الولايات المتحدة في تطوير نظام دفاع صاروخي أطلقت عليه (إكسو أتموسفريك كهيل فهيكل) مركبة القتل خارج الغلاف الجوي وقد أجريت تجربة على هذا النظام بنجاح في 2 أكتوبر 1999 من قاعدة (أتول) في كواجالين بجزر مارشال, وذلك في اطار نظام الدفاع الصاروخي عن مسرح العمليات (ثاد THAAD ), ونجح في اعتراض صاروخ استراتيجي نووي طراز (مينوثمان) بدون رأس نووي أطلق من قاعدة أندنبرج الجوية في كاليفورنيا على مسافة 225كم فوق المحيط الأطلنطي, وذلك عن طريق الارتطام المباشر وبسرعة قدرها 26 ألف كيلومتر/ساعة, ويزن الصاروخ الدفاعي 54 كيلوجراما و يبلغ طوله 140 سم ومن المفترض أن ينجح هذا الصاروخ في اعتراض الصاروخ المعادي خلال ست دقائق فقط من لحظة اطلاقه وتدميره. وطبقا لتقديرات البنتاجون فإن الخطة التي تستهدف نشر 100 صاروخ مضاد للصواريخ في قاعدة واحدة في (آلاسكا) ستتكلف 30 مليار دولار, ولكن تقديرات الكونجرس تشير الى أن تكلفة النظام المتكامل للدفاع الصاروخي NMD من خلال قاعدتين في آلاسكا وليس قاعدة واحدة بهما 250 صاروخا مضادة للصواريخ تبلغ 60 مليار دولار حتى عام 2015 مع وضع معدلات التضخم في الاعتبار. لذلك تتجه الادارة الأمريكية الى دول أخرى صديقة لها في الدوائر الاقليمية السابق الاشارة اليها مثل بريطانيا والمانيا واليابان وتايوان وكوريا الجنوبية ودول الخليج للمشاركة في تمويل هذا المشروع باعتباره يشكل دفاعا لهم في مواجهة التهديدات الصاروخية المعادية التي يواجهونها من عداءات لهم في هذه الدوائر مثل الصين وكوريا الشمالية, وايران وروسيا. وعلى أساس أن كل دائرة اقليمية من هذه الدوائر يتكلف اقامة النظام الدفاعي داخلا حوالي 10 مليارات دولار بصفة مبدئية. لذلك تسعى الولايات المتحدة لتدعيم وتطوير أنظمة الدفاع الصاروخية الخاصة بهذه الدول بأنظمة متطورة مثل الجيل الأحدث من الباتريوت (PAL.3) والصاروخ الاسرائيلي (حيتس/السهم) الذي يحتمل أن يدخل في خدمة الجيش الأمريكي ذاته. ما مدى واقعية هذا النظام الدفاعي الصاروخي؟ يشير واقع الأمر الى وجود استحالة مادية لأي دولة في أن تقيم درعا واقيا يحميها تماما من الهجمات الصاروخية المعادية, وذلك لعدة أسباب أبرزها أن التجارب التي تمت حتى الآن على جميع الوسائل المضادة للصواريخ التي تم تطويرها سواء في الولايات المتحدة أو روسيا أو الصين أو اسرائيل.. وغيرها من الدول, قد نجحت فقط في اعتراض صواريخ فردية معادية في الجو أو في الفضاء, سواء كان ذلك بواسطة صواريخ مضادة للصواريخ مثل الأمريكي (باتريوت) أو الروسية ( S300 ) و(انتي 2500) أو الاسرائيلي (حيتس) أو حتى الصاروخ الأمريكي الجديد السابق الاشارة اليه أو بواسطة أسلحة الطاقة الحركية, وكذلك بواسطة أسلحة الطاقة الاشعاعية. ولكن فشلت جميع هذه الوسائل في اعتراض مجموعات من الصواريخ المعادية في شكل قصف كثيف من الصواريخ فيما يطلق عليه (استراتيجية الاغراق الصاروخي) حيث ثبت امكانية اختراق شبكة الصواريخ الدفاعية المضادة للصواريخ وذلك بواسطة اعداد من الصواريخ المعادية التي تمكنت من الوصول الى أهدافها. هذا مع الوضع في الاعتبار أن قيام الولايات المتحدة بانشاء نظام الدفاع الصاروخي NMD سواء حول حدودها أو في الدوائر الاقليمية الحيوية بالنسبة لها سيدفع الدول المعادية لها الى انتاج المزيد من الصواريخ البالستية الهجومية وتطويرها من حيث المدى والدقة وفاعلية التأثير بتسليحها برؤوس ذات دمار شامل نووية وكيميائية وبيولوجية, وذلك بهدف تكثيف هجماتها الصاروخية لتعوض الصواريخ التي ستنجح الأنظمة الدفاعية الأمريكية في اعتراضها وإسقاطها, ولتزيد من فعالية وتأثير الصواريخ التي ستنجح في الوصول الى أهدافها وهو ما يعني الدخول في سباق لتسلح صاروخي جديد هذا مع افتراض أن أنظمة الاستطلاع الفضائي والجوي قد نجحت تماما في اكتشاف مكان ولحظة اطلاق الصواريخ المعادية, وأعطت انذارا مبكرا بذلك الى مراكز القيادة والسيطرة الأرضية والجوية, وهو افتراض مشكوك في امكانية تحقيقه بالنظر لصعوبة اكتشاف وتتبع وحدات الصواريخ الهجومية ذاتية الحركة التي تسرع بترك مواقعها الى مواقع جديدة عقب كل قصفة اطلاق, ووحدات الصواريخ المتواجدة في غواصات تحت الماء. ردود الفعل الدولية على المشروع الأمريكي في مواجهة المشروع الأمريكي اقترحت روسيا التي رفضته مشروعا آخر دعت فيه الولايات المتحدة لمشاركتها فيه يقوم على فكرة تدمير الصواريخ المعادية في مواقع اطلاقها قبل الاطلاق أو فور الاطلاق, وليس خلال تحليقها في الجو أو الفضاء كما يستهدف المشروع الأمريكي. وهذا ما يعني في المفهوم الروسي الرصد المبكر لمواقع الاطلاق الصاروخي المعادي وقصفها بالمقاتلات أو بالصواريخ فور بروز نوايا استخدامها, ويتطلب بالتالي أنظمة استطلاع وانذار فضائي وجوي مركزة على مناطق التهديدات وتعمل على مدار الساعة, ووسائل قصف جوي وصاروخي تحت قيادة وسيطرة مركزية تقوم بقصفها فور تلقي الانذار بذلك, إلا أن الولايات المتحدة اعتبرت هذه الفكرة غير عملية ورفضت مناقشتها خلال زيارة كلينتون الأخيرة لموسكو, ثم اقترحت روسيا بعد ذلك اقامة مركز روسي أمريكي قرب موسكو لرصد عمليات اطلاق الصواريخ في العالم, ولايزال هذا الاقتراح مدار مناقشات بين الطرفين, لأنه يستلزم في المقام الأول التعاون بين أجهزة المخابرات في الدولتين, والتنسيق بينهما فيما يتعلق بمصادر التهديد والعدائيات, والتي تختلف رؤية واشنطن عن موسكو حيالها, وبالتالي تعتبر هذه الفكرة أيضا غير عملية من وجهة النظر الأمريكية. لذلك سعت القيادة الروسية خلال زيارة بوتين الأخيرة لعدد من الدول الأوروبية الى اقناع هذه الدول باقامة منظومة أمنية أوروبية مضادة للصواريخ تشترك فيها روسيا, وبناء مركز مراقبة اقليمي مضاد للصواريخ في موسكو. وأثناء تواجد بوتين في المانيا طالب المستشار الألماني جيرهارد شرودر بضرورة اقامة علاقات استراتيجية بين موسكو وبرلين تؤمن المشاركة في نظام دفاعي أوروبي صاروخي. إلا أن المانيا رفضت الاقتراح الروسي كما سبق لها أن رفضت المشروع الأمريكي NMD ومغزى الرفض الألماني أنه لايوجد تهديدات أو عدائيات بين المانيا والدول التي تصفها واشنطن بالدول المارقة مثل كوريا الشمالية وايران والتي تمتلك برامج صواريخ تهدد أمن ومصالح الولايات المتحدة. وبالتالي فهذه الدول لاتشكل أخطارا على المانيا ولا على أوروبا وبما يستدعي اشتراك المانيا في نظام دفاعي صاروخي أمريكي أو روسي, وما يتطلبه ذلك من اقامة مواقع لهذا النظام أو ذاك في شكل مراكز انذار مبكرة وقيادة وسيطرة ومواقع اطلاق صواريخ مضادة للصواريخ, وما يستتبع ذلك من مستودعات لهذه الصواريخ وتسهيلات أخرى واجراء تجارب. الخ.. مثل هذه الاجراءات, وبما يعني في النهاية أن تصبح المانيا أو أي دولة أوروبية تقبل بالمشاركة في مثل هذه المشروعات بمثابة هدف لضربات الصواريخ المعادية, ناهيك عما يستتبع ذلك من سباق في مجال الحصول على الصواريخ والوسائل المضادة لها, وما يتطلبه ذلك من مضاعفة الانفاق الدفاعي لألمانيا عدة مرات. لذلك جاء القرار الألماني برفض الدخول في لعبة برامج الصواريخ والصواريخ المضادة, وفضلت المانيا في المقابل وشجعت على فتح حوار بين روسيا والاتحاد الأوروبي للمشاركة الروسية في الدفاع عن أوروبا, حيث لايمكن للدول الأوروبية أن تتجاهل روسيا وما تشكله من ثقل استراتيجي, سواء فيما يتعلق بتهديدها للأمن الأوروبي, أو بامكاناتها العسكرية الضخمة التي يمكن أن تساهم في الدفاع عن أوروبا, وهو ما عبر عنه جورج روبرتسون سكرتير عام الناتو في تصريح قال فيه: "اننا نحتاج الى تحريك العلاقات بين الحلف وروسيا, والهندسة الجديدة للأمن الأوروبي لايمكن أن تبنى من دون روسيا, لذلك فإن الاستئناف السريع لكل نشاطات البرنامج الزمني للحلف وروسيا تخدم مصلحة أوروبا بأسرها" أما مصلحة روسيا في ذلك فإنها تتمثل في أن مشاركتها في نظام الدفاع الأوروبي سيجعل لها كلمة في تواجد وانتشار قوات الناتو في بلدان أوروبا الشرقية التي انضمت الى الناتو في السنوات الأخيرة, وبالتالي قربت قوات الحلف من الحدود الروسية بعد أن كانت هذه الدول تشكل في الماضي عازلا بين روسيا وبين الدول الغربية إبان فترة الحرب الباردة, عندما كانت دول أوروبا الشرقية وروسيا ضمن الاتحاد السوفييتي السابق يشكلون حلف وارسو الذي تم حله في بداية التسعينيات مع انتهاء الحرب الباردة. بقلم: لواء ركن حسام سويلم